سعيد يقطين جاءت 20 فبراير في سياقين: عام وخاص، أثرا على طبيعتها وصيرورتها. يتمثل العام في الربيع العربي الذي جاء ليضع حدا لعقود من الاستبداد ولبناء مجتمع جديد. أما الخاص، فيبدو في الحركات الاحتجاجية المطلبية، وأبرزها حركة المعطلين حملة الشهادات والتي فرضت نفسها في الساحة المغربية قبل الربيع العربي بسنوات كثيرة. أثر هذان السياقان على 20 فبراير تأثيرا كبيرا وفرضا عليها أن تعيش تجاذبا مزدوجا: فهي من جهة امتداد للربيع العربي، وكان ذلك بارزا في شعارها الأكبر: محاربة الفساد، الذي جعل منها حركة شعبية وطنية. ولكنها في الوقت نفسه مختلفة عنه، من جهة أخرى، حيث رفعت فيها مختلف الشعارات المطلبية التي هي وليدة ما قبل الربيع العربي. فجعلها ذلك حركة شعبية تضم أمشاجا من الحركات الاحتجاجية المطلبية الخاصة. هذا التجاذب المزدوج فرض نفسه على الحركة منذ تشكلها، وجعلها تعيش وضعا ‘ملتبسا’ بين أن تكون حركة شعبية وطنية لها شعار مركزي يوحدها ويجمع بين مختلف مكوناتها، وبذلك ستكون سليلة الربيع العربي، أو أن تحتوي كل المطالب الاحتجاجية التقليدية الخاصة وتدمجها في حركيتها على اعتبار تمثيليتها لـ’ المطالب الشعبية’ المختلفة. برز التجاذب أيضا، منذ البدء، حيث تباينت المواقف من الحركة، لحظة إعلانها عن نفسها، من لدن القوى السياسية والاجتماعية المختلفة. وتعددت تبعا للأثر الذي خلفه السياقان اللذان أومأنا إليهما وتحددت بناء على ما يمكن أن يتحقق لأصحابها من مكاسب ظرفية أو طويلة الأمد. ولإعطاء صور عن هذه المواقف المتعددة والمتباينة يكفي أن نشير، مثلا، إلى مواقف الباعة المتجولين منها، ومقارنتهم بأصحاب المحلات التجارية في الشوارع العامة. كما يمكننا أن نتوقف على مواقف الأحزاب من داخل الحكومة وخارجها. لكن تلك المواقف نجدها ترتد بالنظر إلى القوى الوطنية والديموقراطية إلى: معارضين ومؤيدين. فهناك من عارضها لأنه رأى أنها تأتي لتكون بديلا عنه، وإن ترك الباب مواربا للالتحاق بها لمن شاء من مكوناته؟ كما أن هناك من انخرط فيها ليكون بها بديلا عنها. وبذلك، مرة أخرى، تجد حركة 20 فبراير أسيرة تجاذب مزدوج. أثر هذا التجاذب المزدوج على الحركة تأثيرا كبيرا، فوجدت نفسها أمام موقف صعب. فهي غير قادرة على ادعاء أنها حركة شعبية وطنية مستقلة ولها شعار محوري وطني يجمع بين مختلف عناصرها. ولا حتى راغبة في، لأنها غير قادرة على، استبعاد العناصر التي ساهمت فيها من قوى معارضة متطرفة إلى أقصى اليمين أو أقصى اليسار، أو أخرى فوق اليمين وتحت اليسار؟ بدعوى أن مطالب هذه القوى هي أيضا مطالب شعبية، لا تتعارض مع المطلب الأساس الذي تبلور في سياق الربيع العربي. فكان أن تداخلت الشعارات، وتبلبلت اللغات، وتعددت الرايات. ووسط الزحام، وفي غياب ساحة للتحرير؟ وتعدد الآحاد غير المنتظمة، والتي لا أسماء لها، وليس الجمعات العربية التي لكل منها ما يدل على رمزية صيرورتها، كان كل واحد يلغي بلغاه، ويغني لليلاه، ويرى أنه هو 20 فبراير لا هي، وأن استجابة خطاب 9 مارس، كانت له ولا لسواه؟ تجاوب النظام مع السياق الربيعي، ومع تداعياته المغربية، ونجم عن ذلك تعديل الدستور والاستفتاء والانتخابات البرلمانية وتشكيل الحكومة خالقا بذلك مرحلة جديدة من التطور. وتسعى الحكومة، من خلال تصريحاتها الحالية، إلى التجاوب مع مطالب الحركة العامة التي تصلها بالربيع العربي، من جهة، وتعد بإيجاد الحلول للمطالب الخاصة التي تربطها بالاحتجاجات القطاعية الخاصة، من جهة ثانية. في هذه الصيرورة، أين وصلت الحركة ؟ ومن المسؤول عن هذه الصيرورة؟ أهو السياق المغربي الخاص؟ أهي القوى التي رأت الفرصة مواتية للخروج مع الخارجين وحرفت مسارها بطرحها شعاراتها الخاصة إلى جانب شعارات الحركة؟ أم أعضاء الحركة أنفسهم الذين لم يحسموا موقفهم من ذاك التجاذب المزدوج، فكانوا مع الشعار الذي يهم كل الشعب المغربي وفي الوقت ذاته مع شعارات قوى بعينها؟ أم النظام الذي استبق الأحداث وحقق مطالب المجتمع السياسي؟ وأفق انتظار المجتمع الدولي؟ مقدما للمطلب الشعبي العام حزمة من الإصلاحات التي كان أبدا يطرحها؟ تتعدد الإجابات عن هذه الأسئلة. وعلى أي منها أن يتقيد بالصيرورة وما تمخض عنها، لأن ذلك هو الذي سيسلمنا إلى توضيح طبيعة المسؤولية، وحدودها وآفاقها. لقد وجدت الحركة نفسها، منذ تشكلها وإلى الآن، بسبب التجاذب المزدوج، في مواقف حرجة لم تحسم فيها بالشكل المناسب. كان خطاب 9مارس، وكان النقاش من أجل صياغة الدستور الجديد الذي ‘دستر’ العديد من المطالب القديمة، وكان الاستفتاء، وكانت الانتخابات، وجاءت الحكومة. خلال هذه الصيرورة تغيرت المواقف والتصورات، فوجدت الحركة نفسها أمام سؤال الوجود والهوية، وكأنما أسقط في يدها، فبدأ يتخلى بعض أصحاب المطالب الخاصة عنها بالتدريج. ولم تختر، وخلال محطتين حاسمتين (الاستفتاء- الانتخابات)، غير الهروب إلى الأمام: المقاطعة. مر عام على تشكل الحركة. وخلال هذا العام صنع المغرب ربيعه على طريقته، بمساهمتها وتأثيرها ولكن بدون مشاركتها وانخراطها. فهل سترتد الحركة إلى الحركات الاحتجاجية المطلبية التي كانت، وستبقى؟ أم أنها ستتحول إلى حركة ديموقراطية تنجذب إلى التغيير الوطني الشعبي وتشارك في التحول الجديد الذي يعرفه المغرب، برؤية جديدة للعمل السياسي؟ بين التجاذب السياسوي المنغلق والانجذاب السياسي المنفتح رهان الآفاق. فكيف ترى الحركة، الآن، حالها؟ وكيف تقرر مآلها؟ بين الرؤية والقرار، حال ومآل. وهنا مكمن السؤال لأن هذه الحركة وليدة صيرورة طويلة من النضال الذي خاضه الشعب المغربي وقواه الحية من أجل التغيير، ولا بد من أخذ هذا التاريخ بعين الاعتبار في أي تفكير يتوخى المستقبل.2 . من الحركة الوطنية إلى الحركة الديموقراطية الجديدة عرف مغرب الاستقلال انتفاضات كبرى شكلت محطات أساسية في صيرورة النضال المغربي (23 مارس 1965 ـ 20يونيو 1981 ـ يناير 1984 ـ 14 دجنبر 1990،،،). لعبت هذه الانتفاضات وغيرها دورا كبيرا في التعبير عن الرغبات الشعبية في تحول المغرب إلى بلد يحظى فيه مواطنوه بشرف الانتماء إلى الوطن، والإحساس بعمق الصلات التي تربطهم به وجدانيا وتاريخيا وواقعيا. كانت السياقات العامة لكل تلك الانتفاضات تتعدد وتختلف باختلاف تطور المجتمع الدولي بعد الحرب الثانية والذي كانت خلاله الحرب الباردة فيه تلقي بظلالها على التحول الذي كان يطالب به المغاربة. لذلك كانت نتائج تلك الانتفاضات محدودة، إلى جانب عوامل أخرى، لا تسهم إلا بشكل متعثر في تحديد العلاقة بين السلطة والمجتمع. غير أن 20 فبراير تميزت عن كل تلك الانتفاضات بكونها حركت كل الرغبات القديمة في الإحساس بالانتماء، وكل الطموحات إلى إحداث تغيير يستجيب للمطامح الكبرى في بناء مغرب جديد ومتطور. ولا داعي هنا للتشديد على السياق العام والخاص اللذين حددا حركة 20فبراير المغربية، وجعلاها تمثل نقلة نوعية ومتميزة في تاريخ الحركة السياسية والاجتماعية بالمغرب. يدفعنا تميز هذه الحركة عن نظيراتها في تاريخنا الحديث إلى تشبيهها بالنضال الوطني الذي خاضه المغاربة قاطبة من أجل الاستقلال حيث تعبأ الجميع مطالبا برحيل الاستعمار تحت شعار واحد ‘ليسقط الاستعمار’. إن هذا ‘التشبيه غير البليغ’، لعوامل كثيرة تتصل بالعامل الزمني الذي لعب دورا خاصا في تطور المجتمع المغربي وإحداث تحولات عديدة، وعلى مختلف الأصعدة، يجعلنا رغم الزمن، وبسببه أيضا، نرى أن الشعار الذي وحد المغاربة ضد الاستعمار هو الذي وحدهم، بشكل أو بآخر، في 20 فبراير ضد الاستبداد والفساد. ناضل المغاربة، طيلة ما يقارب نصف قرن، ضد الاستعمار بمختلف الوسائل، بدءا من اللسان الذي يصدح بـ’اللطيف’، وانتهاء باليد التي تحمل الألوية السوداء، رمزيا، والسلاح عمليا. وكانت النتيجة الاستقلال عقب إيكس ليبان. واستمر بعد ذلك النضال المغربي أزيد من نصف قرن، متحولا مع الزمان وإكراهاته: لقد ظل المغاربة يحملون السلاح مطالبين بتحرير كل الوطن، بما فيه موريتانيا، وكل الجيوب التي ظلت خاضعة للإسبان، حتى تم الإجهاز على المقاومة وجيش التحرير. لكن حلم حمل السلاح ظل قائما حتى أواسط السبعينيات. وبعد انحسار التفكير ‘الثوري’ في التغيير بالسلاح، حلت محله مقولة ‘الإصلاح الديمقراطي’ التي تحولت إلى ‘ المسلسل الديموقراطي’ الذي كانت آخر حلقاته ‘حكومة التناوب التوافقي’ التي أخلت، من خلالها الحركة الوطنية الديموقراطية، المجال لـ’النضالات’ القطاعية والاحتجاجات المطلبية الخاصة التي لا تخضع لأي تأطير مؤسسي ذي خلفية نضالية تاريخية. وساهم التشرذم الحزبي والنقابي والجمعوي في إشاعة روح التشاؤم وفقدان الثقة. وفي هذا الوقت كانت الأوضاع تزداد سوءا وعلى المستويات كافة. فبرزت تحت تأثير تداعياتها ظاهرة ‘ الحريق’ وقوارب الموت ( الهروب من الوطن) على المستوى الداخلي. وعلى المستوى العربي والإسلامي برزت ظاهرة الإرهاب، وكان ‘تفجير الذات’ بالحزام الناسف بمثابة الهروب من الدنيا. ولعب تضافر الجهود الخارجية في التصدي للهجرة السرية والإرهاب والإسلام السياسي الذي ألقى بظلاله في هذه الصيرورة، فصار وكأنه الخطر الوحيد الذي يتهدد البلاد والعباد. وبقيت الحركات الاحتجاجية الخاصة التعبير عن الرفض لما وصلت إليه الأمور. ساهم النضال ضد المستعمر في ميلاد ‘ الحركة الوطنية’ التي عملت على تنظيم نفسها من خلال مؤسسات حزبية وسياسية وإعلامية لعبت دورا كبيرا في تأطير الجماهير وتعبئتها للانخراط في عملية دحر الاستعمار. وبمجيء الاستقلال، استمرت بعض تلك التنظيمات في الوجود، وتولدت من داخلها حركات تتلاءم مع طبيعة التطور. كما خرجت من داخلها تنظيمات أخرى على يسارها، مجربة تارة السرية وأخرى الشرعية. كما ولد النظام بدوره أحزابا موالية له مع التطور. وخلال هذه الصيرورة تحول مفهوم السياسة وتصورها من كونها ‘بوابة’ للاعتقال، إلى اعتبارها ‘مدخلا’ للاستوزار. فكانت الانشقاقات المتلاحقة داخل مختلف المؤسسات الحزبية والنقابية. وجاءت انتخابات 2007 التي كانت اختبارا شعبيا حقيقيا للنخبة السياسية المغربية حيث تم التعبير بوضوح عن رفض ما آل إليه المسلسل الديموقراطي برمته. في هذه الصيرورة تأتي 20 فبراير، وقد وصل العمل السياسي إلى الطريق المسدود بانتهاء الحركة الديموقراطية إلى الضعف والوهن. لقد أعادت الحركة الاهتمام، مرة أخرى، بضرورة الانخراط في العمل من أجل تحقيق المطالب، وكانت نتائج حراكها واضحة للعيان: تغير الدستور وتشكلت الحكومة الجديدة، وصرنا على عتبة حقبة جديدة. لكن المجتمع السياسي التقليدي، وإن شارك في التحولات الأخيرة، لم يأخذ مبادرة تجديد تصوراته وممارسته للانخراط الإيجابي في الصيرورة الجديدة. باستعادتنا التشبيه الذي قدمناه بين الحركة الوطنية وحركة 20فبراير نتساءل: هل بإمكان الحركة أن تتحول إلى قاطرة حركة ديموقراطية جديدة تعمل من أجل دمقرطة المجتمع والدولة، وتنخرط فيها كل مكونات المجتمع السياسي، بوعي ديموقراطي جديد يأخذ بعين الاعتبار صيرورة تحول المجتمع المغربي منذ نضاله من أجل الاستقلال وتراثه النضالي من أجل ترسيخ القيم الوطنية والديموقراطية؟ إنه سؤال التاريخ والحاضر والمستقبل. وكل المكونات الوطنية والديموقراطية مدعوة للمشاركة في التفكير فيه بوعي ومسؤولية. ولعل الحركة أحرى بضخ دماء جديدة في هذه الصيرورة عبر قراءة موضوعية لتاريخ تطور المجتمع المغربي من أجل انخراط إيجابي في صيرورته وتحوله نحو تحقيق المطالب الوطنية والشعبية التي رفعها المغاربة في كل العصر الحدديث.