وقفة مع مبادرة القطاع الخاص لأجل فلسطين
عوني فرسخوقفة مع مبادرة القطاع الخاص لأجل فلسطين تلقيت من صديق دعوة للمشاركة في مبادرة اتفق علي اطلاقها عدد من رجال الاعمال الفلسطينيين المهتمين بالشأن العام، وقد أفاد الصديق أن أصحاب المبادرة في سبيلهم لعقد مؤتمر لدعم مبادرتهم. وبداية ألاحظ أن أصحاب المبادرة غالوا في الحديث عن دورهم في بناء اقتصاديات الارض المحتلة سنة 1967 بالقول انهم ممن تحملوا رسالة التنمية الفلســــطينية وتكبدوا اعباء جسيمة في بناء اقتصاد فلسطيني قادر علي توفير شروط بقاء وصمود الشعب الفلسطيني علي أرضه المباركة. وهو قول يناقض الواقع في الضفة والقطاع المحتلين حيث الاعتماد الاساسي علي العمل داخل الارض المحتلة سنة 1948، وعلي المعونات الدولية عالية الثمن سياسيا، والتي أوقفت بقرار امريكي لحمل حــــماس علي الالتزام باتفاق أوسلو، ابو الكــــوارث كما وصفه محقا د. علي الجرباوي، استاذ العلوم السياسية في جامعة بيرزيت.ومما يجافي الموضوعية قول المبادرة (ص 2) بأن هناك اجماعا دوليا علي اقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، في حين ان ما هو مطروح امريكيا، ومتبني أوروبيا واسرائيليا، انما يستهدف اقامة شبه دولة، فاقدة السيادة علي أرضها وحدودها ومياهها الجوفية والاقليمة وأجوائها. دويلة مطلوب من سلطتها، أن تقوم تحت اشراف امريكي ـ صهيوني بمهمتين: ادارة شؤون المواطنين في الضفة والقطاع، وبالتالي اعفاء دولة الاحتلال من واجباتها عملا باحكام اتفاقية جنيف. وقمع المقاومة حماية لأمن اسرائيل. وتجربة السنوات التي أعقبت قيام سلطة حكم الذات سنة 1994 برهان علي ذلك. ولقد تضمنت المبادرة (ص 3) القول برفض الضغوط التي تمارس علي الدول العربية والصديقة لمنعها من تقديم معونات للسلطة وللشعب الفلسطيني، ورفض التهديدات التي تمارس علي البنوك لمنعها من تحويل أموال المساعدات. ويقينا انني مع هذا الرفض بشقيه ولكن حين يصدر مثل هذا القول عن رجالات القطاع الخاص الفلسطيني، وبينهم العشرات من أصحاب الملايين، ان لم نقل المليارات، فامر يدعو للتساؤل عما فعله رجال الاعمال واصحاب الثروات في التصدي لحملة التجويع والتركيع التي يتعرض لها الصامدون في الضفة والقطاع. وهل كثير علي اصحاب المبادرة لو انهم قدموا قرضا بمليار دولار للسلطة الفلسطينية لحل ازمتها؟ وأليس من أولي مهامهم وضع استراتيجية الاعتماد علي الذات ماليا لتوفير استقلالية القرار الوطني الفلسطيني من ضغوط مقدمي المعونات الاجانب، وتأثيرات نصائح الرسميين العرب الساعي بعضهم لاستغلال معاناه الفلسطينيين تحت الحصار في تمرير مبادرات تصفية الحقوق الوطنية الفلسطينية المشروعة تجاوبا مع المخطط الامريكي ـ الصهيوني. واليس من الأجدي لو ان مبادرة القطاع الخاص أوصت بوضع أسس نظام ضريبة تحرير تحصل من كل فلسطيني حيثما كان موقع عمله، بنسب تصاعدية بحد أدني 5% من دخله السنوي، وتضمنت برامج تطوير امكانيات ومناهج جامعات ومعاهد الضفة والقطاع لمواكبة ثورة المعلومات وتأمين متطلبات تطوير القدرات المعرفية والعلمية لعشرات آلاف الشباب وتأهيلهم في مجال تكنولوجيا المعلومات وتوفيــــر فرص عملهم في الاقطار العربية بدلا من تســخيرهم في تنمية الاقتصاد الصهيوني؟وتتحدث المبادرة (ص 3) عن تحويل نتائج الانتخابات الفلسطينية والاسرائيلية الي فرصة للخروج من دوامة العنف والمواجهة واستئناف المفاوضات لانهاء الاحتلال واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة. والقول بذلك يتجاهل الحصاد المر لسنوات التفاوض الماراثونية التي خاضها فريق اوسلو، ولم تؤد لتحرير شبر واحد من تراب فلسطين، فيما أتاحت لاسرائيل فرصة تكثيف الاستيطان واقامة مئات الكيلومترات من الطرق الالتفافية. فضلا عن أن المتطلعين لاستئناف المفاوضات يتجاهلون أن التهافت علي التفاوض دون امتلاك اوراق ضغط فاعلة لا يزيد الصهاينة الا تشددا وبالتالي تواصل مسلسل التنازلات المجانية. في حين أن تصعيد المقاومة فرض خروج الصهاينة القسري من جنوبي لبنان، واضطرهم لاعادة الانتشار في قطاع غزة.وتتحدث المبادرة (ص 3) عن التسلح ببرنامج سياسي ينسجم مع القرارات الدولية والمبادرة العربية، دون التنبه لكون مبادرة القمة تنطوي علي اعتراف ضمني باسرائيل، وعلي تجاوز القرار 194 بالحديث عن حل عادل لقضية اللاجئين. فضلا عن أن لا اسرائيل ولا الادارة الامريكية، حليفتها الاستراتيجية، تجاوبت مع المبادرة العربية برغم انقضاء قرابة اربع سنوات علي اطلاقها. وفيما تدين المبادرة جدار الفصل العنصري خلت تماما من الدعوة لتفعيل قرار محكمة العدل الدولية بعدم مشروعيته، تماما كما خلت من أي ذكر لمحاولات تهويد النقب الجارية، والتي هي محاولة اختبارية لتهويد الجليل.وفي تحديد اولويات أهداف البرنامج الوطني للسلطة الوطنية (ص 4) ورد القول: التصدي للمشروع الاسرائيلي لرسم الحدود وفرض حل من جانب واحد. والسؤال المحوري: كيف يكون ذلك، هل باستئناف المفاوضات وقد ثبت عجزها بفعل الخلل الاستراتيجي في ميزان قدرات وادوار المفاوضين العرب؟ أم بمطالبة المجتمع الدولي بأن يتحمل مسؤولياته كما اعتاد القول اركان نهج أوسلو؟ أم بتطوير وتصعيد المقاومة التي صوت لصالحها غالبية المواطنين في الضفة والقطاع المحتلين، ومع ذلك لم تأت مبادرة القطاع الخاص علي ذكرها؟!! وفي الحديث عن اصلاح المنظمة (ص 5) ليست هناك ادني اشارة الي اعادة تصويب الميثاق الوطني وانتشاله من المسخ الذي الحقته به الزفة التي اقامها المجلس الوطني في قطاع غزة بحضور الرئيس الامريكي السابق كلينتون. كما خلت المبادرة من أي ذكر لاعادة تشكيل المجلس الوطني علي اساس الانتخابات وليس المحاصصة الفصائلية. وأخيرا لا بد من التذكير بان ما يسمي هيئات المجتمع المدني في الضفة والقطاع المحتلين تعتمد غالبيتها علي تمويل مؤسسات أمريكية واوروبية. وهو تمويل غير متحرر من الاشتراطات السياسية، وأي دور لعناصر هذه الهيئات متأثر باشتراطات الممولين. ومن هنا يغدو في غاية الأهمية التحذير من انعكاسات ارتباطات أصحاب دكاكين الارتزاق من التمويل الخارجي علي القرار السياسي الفلسطيني. وتعلمنا التجارب العربية المعاصرة، في أكثر من دولة، ضرورة اليقظة تجاه الدور السياسي لرجال وسيدات الاعمال في مرحلة تراجع دور الرأسمالية الوطنية لصالح الكمبرادور والليبراليين الجدد المتأمرك غالبيتهم والمتصهين غير قليل منهم.ہ كاتب فلسطيني يقيم في الامارات8