لندن – “القدس العربي”:
كان الرئيس الأمريكي جو بايدن متفائلا جدا في كلمته التي أعلن فيها عن اتفاقية وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله، لكن صحيفة “واشنطن بوست” ترى أن التفاؤل بتحقيق صفقة سلام كبرى حسبما تحدث الرئيس يظل حلما مراوغا. وفي تقرير أعدته ياسمين أبو طالب قالت إن بايدن حاول استغلال صفقة وقف إطلاق النار يوم الثلاثاء بالدعوة إلى وقف الحرب في غزة والعمل على تحقيق سلام شامل في الشرق الأوسط، مع أنه لم يتبق لديه سوى شهرين في البيت الأبيض.
وأشار في كلمته “كما أن اللبنانيين يستحقون مستقبلا آمنا ومزدهرا، فإن أهل غزة يستحقون وقف الحرب والتشريد”. وأضاف في تعليقاته بروز غاردن: “عاش أهل غزة ظروفا جهنمية، وقد تحطم عالمهم، وعانى الكثير من المدنيين وبشكل كبير”.
لطالما قال الخبراء والمحللون إن التوصل لصفقة مع حزب الله هو أسهل من التوصل لوقف الحرب في غزة
وأضاف بايدن بعد ذلك أن وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله – المصمم لإنهاء دائم للقتال يستمر لمدة 60 يوما – يخلق فرصة لصفقة أوسع في الشرق الأوسط طال انتظارها والتي تحدث عنها هو وكبار مساعديه لسنوات. من شأن هذه الصفقة أن تشهد تطبيع العلاقات بين إسرائيل والسعودية، وتوفر مسارا لدولة فلسطينية، وتشمل اتفاقية أمنية وضمانات اقتصادية تقدمها الولايات المتحدة للرياض. أما بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط الأوسع، فإن “إعلان اليوم يقربنا من تحقيق الأجندة الإيجابية التي كنت أدفع بها طوال فترة رئاستي: رؤية للشرق الأوسط، مع السلام والازدهار المتكاملين عبر الحدود”، كما قال بايدن و”تظل الولايات المتحدة مستعدة لإبرام مجموعة من الاتفاقيات التاريخية”.
وتعلق الصحيفة أنه لا يزال من غير الواضح مدى حديث إدارة بايدن مع الفريق الانتقالي للرئيس المنتخب دونالد ترامب الذي قد يشرف على مثل هذه الصفقة بسبب الضمانات الأمنية الأمريكية المقدمة للسعودية.
وقد سعى ترامب في وقت سابق إلى التوصل إلى اتفاق لتطبيع العلاقات بين إسرائيل والسعودية. ونقلت الصحيفة عن مسؤول بارز في الإدارة الأمريكية قوله “لقد توصلنا إلى استنتاج مفاده أن هناك فرصة، نافذة من الفرص هنا، إذا تمكنا من إجراء بعض التغييرات في غزة، لتكون قادرا على الوصول إلى هذا التطبيع. الآن، أعتقد أن الأفق السياسية والجيوسياسية متوافقة”.
وأضاف المسؤول: “نحن على معرفة تامة بأن هناك إدارة جديدة قادمة، ولدي كل الأدلة عن دعم الفريق الجديد القادم لهذا النهج”.
وتشير الصحيفة إلى أن ترامب أخبر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأنه يريد وقف حروب المنطقة قبل أن يدخل البيت الأبيض في 20 كانون الثاني/يناير. ورشح ترامب لإدارته عددا من المسؤولين المؤيدين لإسرائيل، بما في ذلك النائبة الجمهورية عن ولاية نيويورك، إليس إستيفانيك كسفيرة للأمم المتحدة، كما ورشح حاكم أركنساس السابق مايك هاكابي، الذي يعتقد أن لليهود حقا توراتيا في الأراضي الفلسطينية، بما في ذلك الضفة الغربية، كسفير للولايات المتحدة في إسرائيل. ورشح السيناتور الجمهوري عن فلوريدا، ماركو روبيو وزيرا للخارجية، لكن ليس من الواضح إلى أي مدى سيدفع ترامب أو كبار نوابه من أجل إقامة دولة فلسطينية أو ما هي السياسات الأخرى التي سيتبنونها في الشرق الأوسط.
ليس من الواضح إلى أي مدى سيدفع ترامب أو كبار نوابه من أجل إقامة دولة فلسطينية
وأشارت الصحيفة إلى ما قاله النائب الجمهوري عن فلوريدا، مايكل والتز، الذي رشحه ترامب لمنصب مستشار الأمن القومي، في منشور على منصة إكس “انتخاب ترامب جلب الجميع إلى الطاولة”.
لكن المسؤول البارز في الإدارة الحالية ناقض ما قاله والتز بقوله إن الخطوط العريضة للاتفاق كانت جاهزة من منتصف إلى آخر تشرين الأول/أكتوبر. وقال المسؤول: “لم يشاركوا في هذه المفاوضات، التي وصلت إلى ذروتها قبل الانتخابات”. وأضاف أنه قبل عدة أيام من انتخابات 5 تشرين الثاني/ نوفمبر، طلبت إسرائيل من المسؤولين الأمريكيين السفر إلى إسرائيل للقاء نتنياهو، الذي “اعتقد أن هناك فرصة”. وأضاف: “بعد الانتخابات، عندما اعتقدت أننا وصلنا إلى نقطة حيث يمكنني فيها رؤية الضوء في نهاية النفق، أطلعت فريق الأمن القومي للرئيس المنتخب ترامب على محتويات الصفقة والمفاوضات وما هي الالتزامات”.
وقال المسؤول إن جولة أخرى من الإحاطات لفريق ترامب تمت “في آخر 24 إلى 48 ساعة” و”بدا أنهم موافقون”. وتعتقد الصحيفة أن وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله يمثل إنجازا حاسما لبايدن وقبل وقت قصير من مغادرته منصبه، وهو ما كانت الولايات المتحدة تتفاوض بشأنه ومنذ عدة أشهر.
ومع أن الصفقة مع حزب الله ستتكشف على مدى 60 يوما وستتم بمراقبة أمريكية وفرنسية إلا أن الرئيس بايدن عبر عن تفاؤل بالتوصل لصفقة وقف إطلاق النار في غزة. ولكن الصفقة تظل بعيدة وقد يخرج من الرئاسة قبل أن يحل واحدة من أكبر الأزمات في السياسة الخارجية التي واجهها أثناء فترته في الحكم. ولطالما قال الخبراء والمحللون إن التوصل لصفقة مع حزب الله هو أسهل من التوصل لوقف الحرب في غزة.
وقد أعرب المسؤولون الأمريكيون في أحاديثهم الخاصة عن تفاؤل أكبر بالتوصل إلى اتفاق في لبنان مقارنة باتفاق في غزة قبل يوم الثلاثاء.
وتعتقد الولايات المتحدة أن ما يصل إلى خمسة أمريكيين محتجزين كرهائن في غزة ما زالوا على قيد الحياة. وأدت سياسة الأرض المحروقة التي تبنتها إسرائيل في غزة لمقتل ما يقرب من 45,000 فلسطيني وكارثة إنسانية. ولاحقت الحرب بايدن في العام الانتخابي، حيث ظل ملاحقا من قبل المؤيدين لفلسطين، الذي وقفوا خارج منزله في ويلمنغتون بولاية ديلاوار. ويعتقد بعض الديمقراطيين أن الغضب من تعامل بايدن مع الحرب لعب دورا في خسارة نائبة الرئيس كامالا هاريس في الانتخابات الرئاسية هذا الشهر.
على الرغم من الانتقادات العالمية الواسعة لسلوك إسرائيل في غزة، وبدرجة أقل في لبنان، رفض بايدن استخدام أكبر نفوذ لديه لمحاولة الضغط على إسرائيل للحد من الخسائر المدنية أو إنهاء الحرب
وعلى الرغم من الانتقادات العالمية الواسعة لسلوك إسرائيل في غزة، وبدرجة أقل في لبنان، رفض بايدن استخدام أكبر نفوذ لديه لمحاولة الضغط على إسرائيل للحد من الخسائر المدنية أو إنهاء الحرب: وضع شروط أو تعليق توريد الأسلحة الهجومية. ومنذ هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر أرسلت الولايات المتحدة مساعدات عسكرية بمليارات الدولارات إلى إسرائيل، حتى مع انتقادها “للقصف العشوائي” في غزة وفشل إسرائيل في السماح بدخول المزيد من المساعدات الإنسانية التي تشتد الحاجة إليها، بما في ذلك الضروريات الأساسية مثل الغذاء والماء والدواء.
وفي تشرين الأول/أكتوبر، أرسل وزير الخارجية أنتوني بلينكن ووزير الدفاع لويد أوستن رسالة إلى كبار المسؤولين الإسرائيليين حذرا فيها من اللجوء إلى تدابير عقابية، بما في ذلك تعليق المساعدات العسكرية، إذا لم يتم زيادة تدفقات المساعدات الإنسانية في غضون شهر. لكن إدارة بايدن قررت في النهاية عدم اتخاذ أي إجراء في وقت سابق من هذا الشهر حتى في ظل تقارير جماعات المساعدات الإنسانية من أن الوضع في غزة لم يتحسن بشكل ملموس.
ولم يحدث أي تقدم ملموس في المفاوضات بين إسرائيل وحماس حتى مع حديث الإدارة عن تحقيق إسرائيل أهدافها العسكرية. وفي الوقت نفسه، استأنفت إسرائيل عملياتها في شمال غزة المعزول منذ بداية تشرين الأول/أكتوبر. وشهدت منطقة الشمال بعضا من أعنف المعارك في الحرب، حيث منع الجيش الإسرائيلي دخول المساعدات الإنسانية إلى المنطقة التي لا يزال فيها حوالي 400,000 مدني. فيما نظر إليه على أنها تنفيذ لخطة اقترحها جنرال إسرائيلي سابق، والتي اتهمها المنتقدون بأنها كانت خطوة أولى في تنفيذ تجويع السكان وقتل من يرفض الخروج. ونفت الحكومة الإسرائيلية أن تكون ما يسمى “خطة الجنرالات” سياسة رسمية، لكن نتنياهو رفض الدعوات الأمريكية للتنصل منها علنا.