يصعب علينا التكهن بمدي قدرة اتفاق وقف اطلاق النار بين الفلسطينيين والاسرائيليين الذي اعلن امس الاول علي الصمود، ولكن التجارب السابقة علمتنا ان مثل هذه الاتفاقات لا تعمر طويلا، لانها تأتي دائما لخدمة مصالح اسرائيلية ملحة، وبهدف تمرير بعض المخططات.
فجميع اتفاقات وقف اطلاق النار السابقة انهارت بسبب اختراقها اسرائيليا، واستئناف عمليات الاغتيال والتوغل في الاراضي الفلسطينية، وعدم الالتزام ببعض بنودها الاساسية. فاذا اخذنا الاتفاق الذي جري التوصل اليه في قمة شرم الشيخ الرباعية بحضور ارييل شارون، والرئيس محمود عباس، والعاهل الاردني الملك عبد الله الثاني وبرعاية الرئيس المصري حسني مبارك، وبدعم من الرئيس جورج بوش، فان الجانب الفلسطيني كان الاكثر التزاما ببنوده، وخاصة من قبل حركة المقاومة الاسلامية حماس التي اوقفت كل عملياتها الاستشهادية لاكثر من عام ونصف العام. بينما لم تلتزم حكومة شارون باي من التزاماتها وخاصة الافراج عن الاسري، ووقف عمليات الاغتيال لقادة ونشطاء المقاومة.
قطعا هناك بعض اوجه الاختلاف بين الاتفاقات السابقة والاتفاق الحالي، ابرزها القلق الاسرائيلي المتعاظم من سقوط الصواريخ الفلسطينية علي المدن الجنوبية شمال قطاع غزة، وزيادة الضغوط الدولية علي الدولة العبرية بسبب افراطها في استخدام القوة، وارتكابها عددا من المجازر في صفوف الابرياء، كانت آخرها مجزرة بيت حانون، وتدهور الاوضاع المعيشية في صفوف الفلسطينيين بعد تسعة اشهر من الحصار المالي التجويعي الخانق.
ولكن عوامل تفجير هذا الاتفاق موجودة، رغم كل الوعود المفاجئة التي اطلقها ايهود اولمرت رئيس الوزراء الاسرائيلي، مثل الانسحابات والافراج عن الاسري، واعادة الاموال المجمدة، وفك الحصار التجويعي، والعودة الي التفاوض علي قضايا المرحلة النهائية وصولا الي دولة فلسطينية مستقلة. فاولمرت اشترط تنازل الفلسطينيين عن حق العودة مقابل تنفيذ حزمة الوعود هذه.
ولا نعتقد انه يوجد لاجيء فلسطيني واحد يقبل بالتنازل عن هذا الحق التاريخي، باستثناء شخص واحد هو السيد ياسر عبد ربه عضو اللجنة التنفيذية في منظمة التحرير الفلسطينية والشريك في مبادرة جنيف الشهيرة.
حق العودة هو اساس القضية الفلسطينية وهو الاساس الذي ارتكزت عليه ثورة الشعب الفلسطيني ومقاومته التي انطلقت من مخيمات الشتات في دمشق وبيروت وعمان والضفة وغزة. فالثورة انطلقت من اجل اعادة اللاجئين الي وطنهم، وقيام الدولة الفلسطينية العلمانية التي تضم جميع الاديان والاعراق علي اساس المساواة ودون اي تفرقة.
أول قصيدة ايهود اولمرت كفر، وكل وعوده هذه، رغم ما تنطوي عليه من تنازلات، تبدو مسمومة، او بالاحري ملغومة. فهو يحدد منذ الآن نتائج مفاوضات المرحلة النهائية قبل ان تبدأ، ويفرض شروطه المسبقة علي الفلسطينيين، ولذلك نري ان اتفاق وقف اطلاق النار هو مجرد هدنة قصيرة لالتقاط الانفاس، تعود بعدها الاوضاع الي ما كانت عليه قبل التوصل اليه.