هاهو رمضان شهر الغفران والتسامح اتى ضيفا كريما، ضيفا جاء ليكرمنا على عكس ما تعودنا ان نقوم به، فالضيف ينتظر أن يكرمه أهل الدار، إلا أنّ هذا الضيف لا ينتظر منّا كرماً ولكن يجعله الله سبباً في الإكرام والغفران والتسامح والعِتْق من النيران. شهر رمضان المبارك. فقد أنزل الله القرآن فيه، ولو لم يكن فيه إلا هذا الفضل فكيف وفيه به من مغفرة الذنوب والعتق من النار، ورفع درجات المؤمنين، ومضاعفة الحسنات، وإقالة العثرات، والله في كل ليلة من لياليه يعتق عتقاء من النَّار. وتعلمنا أن نستقبل هذا الشهر الكريم بالنية والعزيمة الصادقة على صيامه وقيامه إيمانا واحتسابا لا تقليدا وتبعية للآخرين. تعلمنا ان تصوم جوارحنا عن الآثام من الكلام المحرم والنظر المحرم والاستماع المحرم ليس فقط عن الاكل والشرب لنفوز بالمغفرة ورضى الله، والعتق من النار، لما في هذا الشهر من قيمة وعظمة إلهية لدينا نحن المسلمين. ولكن عذرا رمضان اتيت الينا كعادتك تحمل الخير والتسامح الا انك لم تجد عندنا ما كنت تأمل وترجو فقد تبدل الحال في ليبيا التي كان القرآن شريعتها وفيها ما يزيد عن مليون حافظ ذكورا وإناثا.. ليبيا اليوم بلد الضغينة والكره بين فئات شعبها لا تسامح ولا تواد فيها.. ليبيا التي كان رمضان فيها رائعا بالذكر والتسامح واجتماع الأهل على الحب والخير والبر والإحسان عذرا شهر البر والعتق من النار لقد كنت تشرق علينا ونحن في شوق لاستقبالك بالحب ونبذ لكل الحقد، فالكثير من اهل ليبيا فهموا سرك، وعرفوا معناك ومغزاك الحقيقي العظيم فكانوا ينتظرونك ويترقبونك، ويتهيأون لك بالصلاة والصيام والتهيئة الصادقة ونبذ الاحقاد بعيدا كانوا ينتظرون شهر رمضان وكيف يترفعون عن المظاهر الدنيوية التي غايتها الأكل والشرب وإشباع الغريزة، ولانهم واثقون أنك ما جئتهم الا لتعلمهم كيف يخرجون من شهواتهم وغرائزهم . واليوم تأتي يا رمضان ووطني غير ذاك الوطن.. ذاك الوطن الذي كانت كل زواياه ذكرا وأيامه تزداد حافظا كل يوم لحفظ كتابه.. تلك ليبيا التي عاش شعبها بتأخ وألفة! لم يكن اهلنا في ليبيا ممن عرفوا عنك فقط أنك شهر الجوع في النهار والشبع في الليل والسهر واللهو؟ بل كانوا قوما يتعالون عن كل احقادهم، ففي رمضان تصفى القلوب وتتعانق. لقد كنت تأتي إلى شعب تآخى فيه اهله على غير أرحام بينهم. تأخوا وعرفوا قيمة الإخاء فلزموه، وفهموا قدره فقاموا بحقوقه وواجباته، ووعوا قول الرسول صلى الله عليه وسلم (المسلم أخو المسلم) فكانوا بحق إخوة وأحبابا. مصاهرة وجيرة كانوا جسدا واحدا، يرحم ويعطف الكبير على الصغير، ويحترم الصغير الكبير، يعيشون بالود، ويتعاملون بالحب، حياتهم صفاء، وعيشهم وفاق، لا تباغض، ولا تحاسد، ولا حقد، يألم أحدهم لألم أخيه، ويأسى لأساه، يقضي حــوائجه إذا استطاع، ويسد خلته، ويتلمس مصالح ليقضيها وحتى وان كان الاختلاف بينهم فهو يرفع للعائلة والقبيلة فيكون التشاور في الامر ويكون الصلح بدون تجني طرف على طرف اخر. اما اليوم فانك تأتي لشعب استبدل الإخاء بالعداء، والصفاء بالخصومة ورضوا بالتباغض والأحقاد؟! وكأنه لم ينته إليهم قول النبي صلى الله عليه وسلم (ترفع الأعمال إلى الله كل اثنين وخميس فيغفر لمن شاء إلا رجلا كان بينه وبين أخيه شحناء فيقول: انظروا هذين حتى يصطلحا). عذرا شهر رمضان فانت جئت الى أناس ضمر فيهم حس الأخوة الإيمانية، والرابطة الربانية، وجئت لمجتمع صار يحقد فيه الجارعلى جاره، والقريب على قريبه بسبب الفتنة والضغينة التي تعيشها ليبيا منذ أكثر من عامين. ليبيا التي أصبحت وطنا مليئا بالألم والحقد والقتل المستمر والتعدي على حقوق المواطن دون مراعاة له واهانة ادميته يأتي شهر رمضان هذا والآلاف من العائلات الليبية لم تصرف رواتبهم منذ شهور وحتى ان صرفت فقط شهر أو شهرين. وهاهم أهالي تاورغاء لم يكترث لقرار عودتهم احد ومنعوا من العودة لمدينتهم حتى بعد مخاطبة كل الجهات والمنظمات الانسانية وحتى الدولية. ولم تستطع الحكومة الليبية العتيدة فعل أي شيء أمام تعنت ميليشيات مصراتة.. تأتي أيها الشهر الفضيل والعائلات الليبية في المهجر فموائد رمضان في ليبيا لم تعد تجمع العائلة لانهم صاروا اغلبهم في الشتات وهي التي عرفت باجتماع العائلة كلها على حب ووئام وتراض وكما يقولون باللهجة الليبية الجميلة شهر رمضان فيه تكون ‘لمة العيلة’، فعذرا لم يعد لهذا طعم ولا معنى ولا قيمة.. فعيون الكثير من الأمهات تدمع لموتى وفقد أبنائها وأسرهم في سجون الميليشات المنتشرة على ارض ليبيا الان.. ونسوا الحديث الذي قال فيه رسولنا الكريم صلى الله وعليه وسلم قال ‘لَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا، وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ’، إلا اننا ومنذ شهر رمضان 2011 وطائرات الناتو انهالت بصواريخها على مدن ليبية وراح ضحيتها أطفال ونساء وشيوخ وتدمير تام للبنية التحتية والكره يكبر بيننا والهوة تتسع.. وما زلنا نعيش في ليبيا سيناريو التفجيرات ليكون تفجير هنا وقتل هناك.. وفوق ذلك نلاحظ انه لا عقاب ولا محاسبة لمرتكبي هذه الجرائم وعدم رضوخهم لأي قانون واعتقد مات القانون في ليبيا الان.