مطاع صفدي
مفهومان متعارضان متكاملان: الثورة والسياسة. التنظير المجرد قد يلح علي خاصية التعارض أكثر من التكامل؛ والتجربة التاريخية علي صعيد المايحدث الواقعي، تقدم براهين محسوسة وفاصلة عن التكامل، وإن كان أحد المفهومين لا يقوم حتي يلغي الآخر. ومع ذلك ليس الفاصل الحدثي بينهما نهائياً. في قرن الثورات الكبري المعاصرة، القرن العشرين الحافل بالتحولات الكونية في النظر والعمل، كانت (الثورة) هي الغالبة، والسياسة في خدمتها. هكذا كانت تبدو مظاهر الأمور. الانقلابات البنيوية الثلاثة المحددة لمعالم العصر والقرن بطوله آنذاك: الشيوعية، الفاشية، والنازية، كانت في عرف أصحابها تشكل ثورات مجتمعية. وعليها بدورها أن تشرعن كل ما سوف يبني عليها، الدولة والقانون والسياسة. هذا النوع من الشرعنة المستحدثة صار له اسم الإيديولوجيا، أي تلك المنظومة من الأفكار التحويلية التي تنحرف إلي معايير، ويكون من شأنها أن تحاكم كل ما عداها، من المفاهيم والنظم والقيم والمشاريع، أي أفعال الجماعة كما الأفراد، بحسب منطوقها الخاص، دون السماح لأية خطابات أخري بالمساءلة أو الاعتراض. إنها تفسّر تعلّل وتسوّغ كل شيء، ولا شيء يمكن أن يفسرها في ذاتها.
هذا الصنف من الثورات الذي ابتُلي به تاريخ القرن العشرين، جاء ضداً بربرياً علي السياسة من حيث كونها المؤشرة علي المحصّلة العملية لذاكرة المدنية، عبر تجاربها المريرة مع عقباتها؛ فمن المفترض في السياسة أنها هي المنتجة لجبهات المقاومة المشروعة في وجه العسف والطغيان وتطوراته الخبيثة، خاصة في اللحظة المعرفية الراهنة، المتضاعفة طرداً مع تعاظم قوي الحريات وانتشارها الكوني. فقد بات الطغيان العصري يتغذي بأذكي وأخطر استراتيجيات الاستبداد الشمولي القائمة علي توظيف التقدم المعرفي في فنون صناعة التدمير المعنوي والمادي لإنسان الفرد والجماعة. فبعد أن كان فكر الحرية مسكوناً بهم انقضاء عصر الأدلجات الكليانية المتسلطة إبان القرن الماضي، وانتظار عودة السياسة المدنية في حال من نضوج الوعي والتدبير المتصالح لعلاقات الفرد بالدولة، والتحكم في تناقضات الدول فيما بينها، فقد جري ترحيلٌ منظمٌ لحروب الغرب وآفاته الاجتماعية الداخلية إلي رحاب بقية العالم الموصوف بالجديد، وهو القديم دائماً، عالم الدول الوطنية المستحدثة للأمم والشعوب المهمشة. ههنا تنحرف الثورات إلي انقلابات عسكرية وبوليسية، وتُختزل السياسات القائدة إلي مجرد مشاريع الاستئثار بالتسلط الفردي والفئوي والنهب المستبيح للثروات العامة.
كأنما السياسة في دلالتها الفلسفية، كتعبير عن الممارسات الجماعية لأخلاقيات المدنية، أضحت هي الممنوع الأول، وفي معظم أقطار النصف الجنوبي من المعمورة. بل قد لا يكون المنع دائماً بفعل قوي الخارج الموصوفة باحتكار التقدم، والرافضة لحرية الشعوب الصاعدة إلي المسرح الدولي، بقدر ما هو المنع يصير امتناعاً ذاتياً، وناجماً غالباً عن عدم الوعي والشعور أصلاً بافتقاد معانيها ومعاييرها من ذاكرة الخبرات المتوارثة. هذا التعليل قد يلقي بعض الضوء المساعد في فهم المعضلة البنيوية التي تتخبط بها النهضة العربية الثانية نفسها؛ فما يسمي سياسة لدول النهضة لم يكن يخرج عن حال الطفرات الفوقية بدون أية جذور تساندها في أرضية الواقع الاجتماعي. منطق الطفرة هو المسيطر كبديل قسري عن إنتاجات التطور الطبيعي الذي ينميه ما يعنيه الاستقلال الوطني بالنسبة للكيانات الدولتية الناشئة.
لا ينبغي التغافل عن حقيقة أن هذا الكيان الدولتي هو حديث العهد بالنسبة لمعظم شعوب العالم الثالث. وغالباً ما تم تركيبه بفعل القوي الاستعمارية التي كانت تحكمه ثم رحلت عنه ظاهرياً وهي مطمئنة إلي أنه سيظل يحمل عوامل إحباطه وتفككه الذاتي أكثر بكثير من قدرته علي اكتساب أسباب منعته، وتمكّنه من تحصيله لوعود الاستقلال الحقيقي في خصائصه المدنية والثقافية المتعارف عليها.
إن قصة النهضة العربية الثانية هي قصة تجاربها مع ذاتها أولاً. وبقدر ما يسهل تعداد هذه التجارب، البالغة حدود الكوارث الوطنية الشاملة، تحت عناوين الخيبات التاريخية ومشتقاتها، إلا أنه قلما تنبه الوعي النقدي، ولدي الطلائع المتنافسة علي ادعاءات العمل الوطني وابتكار تنظيراته، إلي أسس التعجيز الذاتي عن إطلاق ثقافة السياسة، حتي قبل تصنيفها في خانة الديمقراطية أو الثورية وسواها.
فالسؤال الذي يفرض نفسه في لحظة الغَسَق من عمر هذه النهضة الثانية الآفلة؛ هو: لماذا لا تدور الأمور أبداً إلا من خلال منطق الطفرة وحده، وإنتاجه المعهود في فرض ثلاثية الاستبداد أي: التسلط بدل السلطة، والقمع بدل الحوار، والنهب بدل الأمانة الأخلاقية والتنمية الرشيدة.
لو أخذنا الآن بعض الأمثلة الحية علي هذه الإشكالية ذلك النموذج في الحكم المعروف باسم حكومة الوحدة الوطنية، التي تواجهها راهنياً عدة أقطار عربية، من لبنان إلي فلسطين والعراق، لاكتشفنا فوراً قواسم مشتركة عديدة تجمع حالات الاستعصاء هذه. أولها وأدعاها إلي التنبه الخاص هو أن حكومة الوحدة أو الاتحاد الوطني لا تُطرح في الأقطار الثلاثة، إلا وهي علي شفا الانهيار الدولتي والمجتمعي معاً؛ كما لو كانت هذه الصيغة هي الخيار الوحيد المتبقي مقابل حتمية الاقتتال الوطني التي ينتظرها الجميع وفي مواعيد متقاربة. نقول ربما كان لبنان البلد الفريد الذي قدر لتجربته الاستقلالية أن تثمر بعض مظاهر السياسة بدلالتها المتعارف عليها إلي حد ما.
إذا ما قارنا تطوره منذ جلاء الاستعمار الفرنسي عنه، ومعه قرينه الأكبر سورية، لوجدنا أن تركيبته الطائفية قد فرضت نظام التحاصص السلطوي منذ البداية، الذي يفترض بدوره شكلاً من الديمقراطية التي لا يمكنها أن تشتغل إلا في ظل حوار اختياري أو إجباري بين زعامات الطوائف والمذاهب. فمن المفترض إذن ألا يقوم حكم إلا عبر صيغة حكومة الاتحاد الوطني، كأمر واقع لا مناص منه. ويمكن القول انه لم يسيطر إيقاع الحرب الأهلية في مسيرة البلد إلا عندما يقع خلل التحاصص في هذه الصيغة. وفي الظرف الراهن الموصوف بالمأزق الأخطر، وباعتبار أن لبنان قد يحسب أنه فاز باستقلاله الثاني بعد خروجه من تحت وصاية النظام السوري منذ عام ونصف فقط، إلا أنه سريعاً ما واجه اعتقاله إسرائيلياً، فيما لو لم تُدحر الدولة العبرية في أقسي حرب همجية شنتها ضد العرب منذ تأسيسها البائس؛ فإن هذا البلد الشجاع، المنتصر وطنياً إقليمياً، وقومياً إنسانياً علي أحد أكبر رموز العنف الهمجي المطلق في هذا العصر، يُمنع عليه اليوم ترجمة الصمود الخارجي ضد أعنف عدوان عبري مسوّغ ومدبّر من البيت الأبيض وساكنه الأول، ترجمته داخلياً إلي لغة الحقوق الوطنية؛ فيُحرم من تجاوز صيغة المحاصصة الطائفية المتقاسمة لشكل حكومات الإقطاع السياسوي اللاهوتي التقليدية، إلي صيغة جديدة سليمة من المشاركة الحقيقية لمكونات الوطن. هذه المشاركة التي حِيْلَ دائماً بين ديمقراطية لبنان وبين تحقيقها، كلما لاح منعطف سياسي نحوها يفرضه نضج الوعي الاستقلالي، فكانت الاقتتالات الأهلية المتكررة هي البدائل الجاهزة لتجهض ثمرات النضج النوعي، وتقلبها إلي فجائع الموت المصمم والقهر الإنساني، واستعادة رموز الانحطاط لمراكزها وسلطاتها المسلوبة منها مؤقتاً.
ومن سخرية الأقدار حقاً أن يظل (الغرب) الديمقراطي هو أحدث وأقدم عدو لمولد الديمقراطيات الوطنية الصحيحة. فالغرب يحارب بقواه العسكرية والسياسوية والاستخبارية، وملء مسرح العلنية المكشوفة تحت أنظار العالم أجمع، أبسط بوادر النضج المدني لحضارات الغالبية العظمي لإنسانية العصر. ومن المحزن حقاً هذا التعاون المتزايد مجدداً بين أوروبا الاتحادية وأمريكا (الحقبة البوشية) علي اغتيال الحرية الحقيقية، بتسويد فجر الديمقراطيات الوطنية النامية في أرض العرب والاسلام تحديداً، وطمس معالمه التوحيدية بالأحمر القاني من دماء شعوبه. فهذه الأقطار الثلاثة فلسطين ولبنان والعراق، تُدفع بكل قوي التفرقة والتفكيك الكياني نحو هاويات متنوعة من الاقتتالات الأهلية، بعد انسداد كل طرق الحوار السلمي بين مكونات مجتمعاتها، وبالأخص بفعل التدخلات الأجنبية المانعة لامتداد أي جسر مدني بين فئة وأخري.
الظلاميات تحت أقنعتها اللاهوتية المستعارة أمست هي المخولة وحدها في صناعة عالم من بقايا أمم وطوائف ومذاهب وعشائر. لكن من يقول مع ذلك أن الحرية سوف تيأس من أسلحتها حتي في أظلم عصور الردّات نحو البدائيات من كل ثقافة أو تاريخ مغدور بأمراضه الذاتية أولاً.
ہ مفكر عربي مقيم في باريس9