ولد لأسرة عصامية: البروفيسور عبد الله بويرات خبير الأعصاب: باحث فلسطيني حائز على جائزة عالمية

حجم الخط
0

الناصرة ـ «القدس العربي»: كما في حالات غير قليلة، بدأت مسيرة أستاذ أكاديمي وباحث طبيب في قرية صغيرة جدا، وكانت أشبه برحلة جبلية صعبة للهملايا، لكنه ما لبث أن تربع على واحدة من قمم العالم، حيث فاز هذا الأسبوع بجائزة عالمية مرموقة تقديرا لأبحاثه العلمية.
البروفيسور عبد الله  بويرات في عز عطائه، بعض بناته قررن المسير في طريقه فأنهين أو بدأن دراسة الطب أو يتحضرن للبدء فيها، وهو فخور بهن، وبالنسبة له «هن كل عالمي ويغمرنني بالسعادة  وأنا أراهن كل يوم يبذلن جهد النملة يقضين ساعات طويلة في القراءة والمطالعة «.

من قرية صغيرة الى العالم الكبير

البروفيسور الذي ولد في قرية «البيار» المجاورة لمدينة أم الفحم داخل أراضي 48 يستعيد مسيرته بتواضع لافت، ويروي لـ «القدس العربي» محطات في مسيرته العصامية الشاقة كبقية المبدعين من أبناء مجتمعه ممن فقدوا وطنهم ووجدوا في العلم خيارا مفضلا يتم التعامل معه بعناية خاصة وبشيء من القداسة.
ويقطف بويرات ثمار جهده في عدة مناسبات، آخرها في نيوديلهي هذا الأسبوع، حيث كرّمت الأكاديمية  الهندية للعلوم البروفسور بويرات بجائزة «بروفسور العام في علم الأعصاب «، وبتوصية من ثلاث جامعات أمريكية هي بوسطن وفلوريدا وكليفلاند.
وشارك في حفل التكريم في العاصمة الهندية نحو 300 من الباحثين والأكاديميين في مجال العلوم الطبية من دول العالم، بعضهم تم ترشيحهم لهذه الجائزة المكرسة لأبحاث في مجال علم الأعصاب الوراثية التي كتب فيها نحو 120 مقالا علميا وستة كتب.
وأنهى بويرات دراسة الطب والتخصص في علم الأعصاب والهندسة الوراثية في جامعة روما، وتخصص بعدها بجراحة الأعصاب في جامعة لندن، وحاز على دكتوراة في علم الأعصاب في جامعة تل أبيب وأكمل دراسة ما بعد الدكتوراة في جامعتي بوسطن وأوهايو الأمريكيتين وحاز على درجة الأستاذية في جامعة بوسطن في علم الأعصاب.

باحث وأكاديمي

ويوضح الطبيب الفلسطيني أنه عزز اختصاصه في علم الأعصاب بدراسة علم الوراثة أيضا في عدة جامعات عالمية بهدف التعرف أكثر على أمراض الأعصاب، ومداواتها بشكل أعمق وأنجع.
بعد سبع سنوات من الدراسة في كلية الطب في إيطاليا عاد بويرات لوطنه ومنها عاد ليستكمل دراسته التخصصية في  أمراض الأعصاب في جامعة لندن ثم التحق بجامعة تل أبيب وحاز على الدكتوراه فيها بعلم الأعصاب والأمراض الوراثية. وما لبث أن سافر للولايات المتحدة في 2002  ومكث فيها سبع سنوات، وبلغ عدد سنوات تعلمه الأكاديمي 26 عاما في عدة اختصاصات وجامعات، وعمل لعدة سنوات طبيبا مختصا قبل أن ينتقل لتعليم الأعصاب  في المركز الأكاديمي في هرتزليا شمال تل أبيب، ويقدم استشارات طبية في مجال أمراض الأعصاب والوراثة. وهو يقود أيضا طاقما من الباحثين الأمريكيين من جامعات بوسطن وفلوريدا وأوهايو، وينشر مقالات علمية متنوعة خاصة في مجالي الأعصاب والهندسة الوراثية، وفي هذا الإطار العام بحث تفشي الأمراض السرطانية في غزة .
موضحا أنه بحث موضوع انتشار مرض السرطان في قطاع غزة التي يزورها متطوعا مع منظمة «أطباء من أجل حقوق الإنسان» مرتين عدة مرات في العام، لافتا لاستشراء أمراض السرطان لقلة التقنيات الطبية. وعن جائزته الأخيرة يوضح بويرات أن ثلاث جامعات أمريكية رشحته للفوز بجائزة «بروفسور عام 2019 للعلوم الدماغية « وبعد تحكيم طاقم باحثين أمريكي- هندي وصل للمرحلة النهائية من المنافسة بعد تصفيات كثيرة، وشاركه في الجائزة طبيب باحث هندي تقديرا لجهوده في تصنيع دواء.
درس بويرات في المرحلة الابتدائية في قريته الصغيرة قبل أن ينتقل الى مدينة الناصرة حيث استكمل المرحلة الثانوية في مدرستها البلدية وتخرج منها متفوقا.
وجاء موسم الحصاد وفيرا وطعم التفوق لذيذا لأنه توّج مسيرة تعلم قاسية ومضنية.
ولد لعائلة فيها عشرة أولاد لأم ربة بيت ووالد فلاح، وكان مضطرا للعمل في أعمال صعبة في العطل المدرسية «كي أجمع ما يعينني على سد نفقات السفر للناصرة والدراسة الثانوية».
يستذكر بويرات منوها أنه كالأغلبية الساحقة من مجتمعه تحدى ضيق الحال والمصاعب هو وبقية إخوته، منوها أن نصفهم أنهى التعليم الجامعي ومنهم شقيقه فرسان وهو مهندس ومحام يعمل اليوم في مجال العقارات والعمران.
وردا على سؤال يوضح أن حالة الأسرة كانت «على قد الحال» مما اضطره للعمل في أعمال سوداء في فرع البناء.

لغة الأم

ويشكّل بويرات بطبيعة الحال قدوة أولى بالنسبة لبناته، فكريمته البكر آية توشك على احتراف مهنة الطب، ورشا تدرس الهندسة المعمارية، وحنان تدرس هندسة المواصلات، أما الابنتان الصغيرتان التوأمان نور وأريج فقد أنهيتا مرحلة التوجيهي هذا العام بتفوق وتتلمسان طريقهما، واحدة حسمت أمرها وتتجه لدراسة الطب، والأخرى محتارة بين الطب وبين الهندسة. كما الوالد والوالدة ليلى بويرات المستشارة التربوية، يعشق البنات الكتاب.
ويقول المحب للأدب نثرا وشعرا إن الزائر يرى كتبا في كل زاوية داخل بيته ويبدي فخره بحب بناته للغة الأم العربية. ويتابع « رغم أنهن درسن في الفروع العلمية خاصة الفيزياء والرياضيات فقد أنهت كل منهن دراسة العربية بأعلى مستوى ممكن في الثانوية، خمس وحدات تعليمية. ورغم أهمية التحصيل العلمي يشدد بويرات على أفضلية التربية أولا بالنسبة له ولزوجته ليلى التي يعتبرها أهم أسرار نجاح الأسرة.

القراءة تحمي من الخرف

بويرات الذي حاز على عدة جوائز دولية يقدم عينة قليلة من مجالات بحثه، فيقول على سبيل المثال إن مرض فقدان الذاكرة (الزهايمر) مرض متعدد العوامل، بيئية ووراثية. ويضيف «حال أوقفنا العوامل البيئية نستطيع تأجيل المرض الذي تبدو عوارضه عادة بجيل 65-70 بـ 10- 15 عاما. ويشير الى دراسة أعدها داخل المجتمع الفلسطيني في منطقة المثلث برعاية ودعم وزارة الصحة الأمريكية، وأكدت على هذه التشخيص للمرض المذكور. أما عوامل البيئة فهي أمراض السكري، والسمنة الزائدة وضغط الدم العالي وقلة القراءة والكتابة التي تحفز الدماغ وتدربه على التفكير والتذكر وهكذا أيضا النشاطات الثقافية الأخرى.
بويرات الذي يوصي بالقراءة والكتابة والانشغال بفعاليات ثقافية وبنمط حياة صحي يدعو للابتعاد قدر الإمكان عن الاكتئاب والضغوط النفسية وتنظيم منسوب السكر بالدم منعا لجلطات دماغية صغيرة تؤدي عادة الى الخرف، وهي درجة قبيل ففقدان الذاكرة (الزهايمر). كذلك يوصي بتناول الأسماك البحرية لشمولها أوميغا ثلاثة وعنصر اليود المهم للغدة الدرقية في العنق وفيتامين ئي، لافتا الى أنه تحدث قبل أيام عن ذلك في مؤتمر دولي استضافته مدريد حول «العلاقات بين الدماغ والغذاء والداء»، منوها الى دور الدماغ في مجال الغذاء، بالقول إن العيون هي مرآة العقل فالإنسان يأكل أولا بعينيه منبها للمعضلة التي تواجه البشرية في الوضع الراهن. ويشير الى حاجة المجتمع الإنساني لزيادة منتوجات الطعام بواسطة علم الوراثة من جهة وللتبعات الصحية السلبية لذلك. ويضيف «بفضل تدخل علم الوراثة يتم زيادة حجم الفواكه وتسريع نضوجها وزيادة محاصيل القمح والذرة مثلا لسد حاجات سكان المعمورة لكن هذا التدخل غير الطبيعي يفتح الباب للأمراض وهذا تحد كبير لنا». يشار الى أن البروفسور بويرات حاز على جوائز دولية أخرى، منها جائزة الأكاديميا الأمريكية للعلوم الطبية وجوائز محلية كثيرة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية