كيف يعقل ونحن في القرن الواحد والعشرين، حيث أصبحت الهواتف الذكية يدنا الثالثة، ودخلت وسائل التواصل الاجتماعي صوتا وصورة غرف نومنا، واقتحمت حميميّتنا، وأصبحت حياة الكثيرين منا معرضا مفتوحا يتفرج عليه القريب والغريب، كيف يعقل والتكنولوجيا انتهكت كل خصوصياتنا، أنّ روائية تكتب منذ ثلاث وثلاثين سنة، باعت من رواياتها اثني عشر مليون نسخة، وترجمت إلى 42 لغة، لا نعرف عنها سوى معلومات يسيرة هي من سرّبتها، لم يرها أحد، أو يلتقها أحد سوى ناشرتها.
إنها إيلينا فيرانتي الروائية (أو الروائي لا ندري) الإيطالية التي احتلّت روايتها الأيقونة «صديقتي المذهلة» الأسبوع الماضي قائمة «نيويورك تايمز» لأفضل مئة كتاب في القرن الواحد والعشرين. كان هذا السؤال حول حقيقة من تكون، ولِمَ تفضّل أن تبقى شبحا لا يرى.
يراودني منذ أن قرأت «صديقتي المذهلة» وقت صدورها قبل ثماني سنوات (2016) عن دار الآداب البيروتية بترجمة جميلة لمعاوية عبد المجيد. وحين كتبت مقالي «عن جمالية الكذب وأهميته» في هذه الجريدة قبل ثلاث سنوات عن روايتها «حياة البالغين الكاذبة» قلت عن سر بقائها مجهولة «بدأت حياتها بكذبة سترافقها إلى الأبد، منذ اللحظة التي سلّمت فيها مخطوط كتابها الأول لناشرها.. وبسبب هذا التخفِّي نُسِجت أكاذيب كثيرة حول الكاتبة، ولا أحد تأكد من شخصيتها الحقيقية، ولكنّها ولدت مثل كذبة وبات اسمها مثل كوكب يعيش في هالة من الأكاذيب». ولا يزال هذا السؤال حاضرا وراهنا بقوة، فقبل أسبوع فقط وتزامنا مع نشر قائمة «نيويورك تايمز» كتبت جمانة الخطيب في الصحيفة نفسها مقالا بعنوان «روايات إيلينا فيرانتي محبوبة، لكن هويتها لا تزال لغزا» تناولت بالتفصيل ما أثير حول هذا الموضوع.
وقائمة «نيويورك تايمز» لأفضل مئة كتاب في القرن الواحد والعشرين (على امتداد ربع قرن من 2000 إلى 2024) تم التصويت عليها من قبل 503 من الروائيين والكتاب والشعراء والنقاد ومحبي الكتب – مع مساعدة من موظفي «نيويورك تايمز» لمراجعة الكتب، ومن ضمن المشاركين في التصويت أشهر كتّاب الرعب في العالم ستيفن كينغ، والممثلة الهوليوودية سارا جيسيكا باركر. وضمّت القائمة المختارة أيضا روايتها «حكاية الطفلة الضائعة» في المرتبة 80، و«أيام الهجران» في المرتبة 92، متفوقة بذلك على أربعة من حاملي نوبل في الأدب هم: الأمريكية توني موريسن (1993) والبيلاروسية سفيتلانا اليكسييفيتش (2015) والفرنسية آني إرنو (2022) وآخر حاصل على الجائزة المرموقة النرويجي يون فوسه (2023). علما أن رواية «صديقتي المذهلة» سبق لها أن حصلت على المرتبة 12 وهي مرتبة متقدمة سنة 2019 في تصنيف صحيفة «الغارديان» البريطانية. وقد وصفت «نيويورك تايمز» الرواية وصفا طريفا دالا على قيمتها الأدبية، حيث جاء فيه: «إن قراءة هذه الرواية الصارمة التي لا تنسى، تشبه ركوب دراجة على الحصى: فهي رملية وزَلِقة ومثيرة للأعصاب، كل ذلك في الوقت نفسه».
وروايتها الفائزة «صديقتي المفضلة» صدرت سنة 2011 – التي أنتجت بعد ذلك في مسلسل تلفزيوني – هي جزء من رباعية يطلق عليها «الرباعية النابوليتانية»، بقية أجزائها هي: حكاية الاسم الجديد 2012، الهاربون والباقون 2013، حكاية الطفلة الضائعة 2014. وهذه الرباعية هي التي صنعت مجد إيلينا ففي سنة 2016 مثلا وصل الجزء الأخير من رباعيتها «حكاية الطفلة الضائعة» إلى القائمة القصيرة لجائزة المان بوكر العالمية للرواية، كما نالت الرواية نفسها وفي العام نفسه الميدالية الذهبية لجائزة الناشرين المستقلين للكتاب، وأَدرجت مجلة «التايم» إيلينا فيرانتي ضمن لائحة أكثر الشخصيات تأثيرا لعام 2016.
ولكن.. أليس غريبا أن يعرف القراء والمهتمون كلّ شيء عن بطلتَيْ رباعيتها «إلينا غريكو» الفتاة الطيّبة التي تعشق الكتب المجتهدة والمطيعة، وصديقتها الطائشة ذات الشخصية الكاريزمية «ليلى» منذ الطفولة وحتى بلوغهما سنّ الرشد، وما بعد ذلك في أحياء نابولي الفقيرة في إيطاليا من بعد الحرب العالمية الثانية، ولا نعرف شيئا ذا بال عن خالقة هذه الملحمة التي حوت تأملات وأفكارا عميقة حول الفن والسياسة والصراع الطبقي والجنس والفلسفة، من خلال صداقة لدودة بين إيلينا وليلى يغلفها كثير من العقد.
ولكن – ونعود دائما لهذا الاستدراك – لماذا تُعرض كاتبة عن المجد والشهرة وتمحو وجودها مثل ما يفعل المتصوفة من إنكار لذواتهم؟ يحضرني ما كتبتُ مرة عن كونديرا حين صرّح لبرنار بيفو في آخر لقاء تلفزيوني وافق صاحب «الوصايا المغدورة» على الظهور فيه «تمنيت لو أنّني كتبت كلّ ما كتبته تحت اسم مستعار، لا ينقصني الطموح، ولكنّني أفضّل أن أبقى لا مرئيّاً» لكنها بقيت مجرد أمنية لم تنتقل إلى الفعل، أما إيلينا فقد عاشتها حقيقة، فما حكاية ذلك؟ تقول الحكاية (أو الأسطورة لا فرق) أن إيلينا حين أرسلت إلى ناشرتها ساندرا أوزولا التي ارتبطت معها بعلاقة وثيقة فكانت بمثابة حارسة فيرانتي والناطقة الرسمية باسمها، رسالةً مع مسودة روايتها الأولى «حب غير مريح» جاء فيها وبكل وضوح وقطعية بأن مهمتها انتهت عند كتابة الرواية «فلن يتم إجراء مقابلات معي إلّا كتابيا، لكنني أفضل أن أقتصر حتى على الحد الأدنى الضروري» وحذرت ناشرتها: «لن أظهر أبدا، ولن أقوم بالترويج أبدا، ولن أذهب أبدا إلى المؤتمرات» ولا حتى لتلقي الجوائز إن نالتها. لأنها ترى أن الكتاب بمجرد انتهائه يصبح كائنا مستقلا عن مؤلفه، وتورد فكرة طريفة في رسالتها العجيبة تقول: «أليس صحيحا أن الترويج مكلف؟ سأكون المؤلفة الأقل تكلفة في دار النشر. سأوفر عليك حتى وجودي».
وكم ربط القراء والنقاد بين موقفها الفعلي هذا من الرغبة في الاختفاء وتنفيذها، وما جاء في وصف شخصيتها الرئيسية في رواية صديقتي المذهلة: «قالت لي مراراً خلال أكثر من 30 عاماً إنها تريد أن تختفي من دون أن تترك أثراً، ولم يخطر في بالها أن تهرب أبداً ولا أن تغير هويتها، ولم تحلم بأن تبدأ حياة جديدة في مكان آخر، ولم تفكر في الانتحار إطلاقاً. كانت نيتها في أمرٍ مختلف كلياً، وكانت تريد أن تتبخر وأن تتلاشى كل خلاياها، حتى يستحيل أن يعثر أحد على أي شيء يخصها». ومع هذا كشفت لنا فيرانتي عن بعض تفاصيل حياتها مثل، أنها نشأت في نابولي وهذا واضح جدا من تفاصيل رواياتها، وأنها ابنة امرأة خياطة، كما أنها متزوجة وأم أيضا. وقد عزت السبب وراء عدم كشف هويتها إلى خجلها «كنت خائفة من فكرة الاضطرار إلى الخروج من قوقعتي» وهو سبب صعب التصديق. وهذا الغموض حمّس كثيرين لبذل محاولات مستميتة لكشف هويتها، من أشهرها التحقيق الذي قام به الصحافي الاستقصائي كلاوديو جاتي في 2016 وحاول أن يثبت فيه بمقالتين طويلتين أن فيرانتي ليست سوى المترجمة أنيتا راجا، التي تعمل في الدار الناشرة لكتب ألينا، معتمدا في إثبات ذلك على تتبع حسابات راجا، ولكن راجا والدار الناشرة نفيا ذلك. كما احتمل جاتي أيضا أن زوج أنيتا راجا الروائي الإيطالي دومينيكو ستارنونه وهو كاتب مشهور قد تعاون مع زوجته في كتابات الروايات باسم إلينا فيرانتي.
وفي السنة نفسها راجت نظرية أخرى صاحبها الأكاديمي ماركو سانتاجاتا الذي حلل روايات إلينا وتوصل إلى أن زميلته في التدريس الجامعي في جامعة بيزا «مارسيلا مامو» هي فيرانتي الحقيقية ولكن هي أيضا نفت الموضوع من أصله. ومحاولة ثالثة حدثت سنة 2018 حلل فيها فريق من الباحثين، وعلماء الكمبيوتر، ولغويين في جامعة بادوا، 150 رواية كتبها 40 روائيا إيطاليا من بينها 7 كتب لفيرانتي. وخلصوا إلى ما ذكره جاتي من أن ستارنونه هو الكاتب الحقيقي. ورغم هذا الالحاح الشديد للتوصل إلى شخصية إلينا فيرانتي الحقيقية، التي تبلغ حسبما ينشر رسميا عنها 81 سنة الآن، بقيت قلعة عصية عن السقوط، وبقينا نحن القراء المعجبين بعبقريتها الروائية نتساءل بعد كل عمل أو تكريم لها: «ولكن.. من هي إيلينا فيرانتي؟».
٭ شاعرة وإعلامية من البحرين