بدعوة من الجمعية البريطانية السورية اختصاصي في تاريخ الشرق الاوسط تحدث عن التعايش الديني في سورية
لندن ـ من سمير ناصيف: نظمت الجمعية البريطانية السورية في المملكة المتحدة محاضرة القاها الكاتب والباحث في شؤون الشرق الاوسط التاريخية الدينية وليام دالريمبل، الذي تحدث عن موضوع: المسيحيون في سورية والشرق الاوسط المعاصر.
والقيت المحاضرة مع عرض فيلم وثائقي في الاكاديمية البريطانية في لندن، وقدم المحاضر الي الحاضرين ومعظمهم من الدبلوماسيين والشخصيات البريطانية المهتمة بالشرق الاوسط، الدكتور فواز الاخرس، الرئيس المشارك للجمعية البريطانية السورية، بحضور السفير السوري الدكتور سامي الخيمي وزوجته ومسؤولين سوريين آخرين بينهم غيث الارمنازي.
واهم ما قاله الدكتور الاخرس في كلمته التقديمية: ان هذا الكاتب والباحث الذي فاز بعدة جوائز عالمية علي كتبه واعماله يؤكد في نتاجه الخطأ في رؤية العالم الغربي (الاوروبي والامريكي) للاسلام بحيث يعتبر الغرب بان الاسلام معاد للمسيحية واليهودية، واذا تعمق اي انسان غربي في دراسته لسورية او لأي دولة عربية تتعايش فيها الاديان فانه سيجد الي اي حد هناك تقارب بين هذه الاديان. والشيء الطريف والمعبر في الفيلم الذي عرضه دالريمبل انه تحدث فيه مع راهبة في دير صيدنايا في سورية ابلغته بأن الناس من جميع الاديان يأتون لزيارة هذا الموقع الديني المسيحي الارثوذكسي.
وقالت الاخت كريستينا له: دير صيدنايا هو محجة الشرق والغرب، يأتي الينا زوار مسلمون من السعودية وايران والعراق، بالاضافة الي الزوار المسيحيين من سائر انحاء الشرق الاوسط والعالم ليأخذوا البركة، وكثيرون يصلون هنا ويطلبون من الله ان يساعدهم في الصعوبات والمحن التي يعانون منها. واضافت قائلة: المسلمون الذين يأتون الي هذا الدير مؤمنون جدا ويمكن ان بعضهم مؤمن اكثر منا، ومنهم من يصلون معنا في عيد القديس جاورجيوس والقديس يوحنا المعمدان. ان سورية هي بلد العيش المشترك لجميع الاديان.
واشار دالريمبل في محاضرته الي ان مدينة اسطنبول التركية مثلا كان ستون في المئة من سكانها من المسيحيين قبل ان تتعرض لاوضاع سياسية ادت الي هجرة معظم المسيحيين منها. وانه علي مسيحيي الغرب (اوروبا وامريكا خصوصا) ان يدركوا بان المسيحية انطلقت من الشرق وانه ليس من صالح احد ان يتم القضاء علي التنوع الطائفي والاثني في العالم العربي والشرق الاوسط. ولكن لسوء الحظ برأيه فان هجرة المسيحيين من المنطقة العربية تتزايد، ويتم تشجيعها بواسطة عوامل سياسية وحروب طائفية، فيما التاريخ يؤكد بان معظم اسباب الحروب هي قومية واقتصادية اكثر منها طائفية.
واكد بان سورية (وخصوصا مدينتي حلب ودمشق) اصبحت ملجأ لمئات الآلاف من مسيحيي العراق الذين يتعرضون لضغوط كبيرة من سائر الفئات المتقاتلة هناك، بحيث يخطفون وتحتل منازلهم وتحرق كنائسهم وينكل بهم. واكد المحاضر بانه لا توجد دولة في الشرق الاوسط تتقدم علي سورية في مجال حرية ممارسة الاديان المختلفة. ان سورية هي المكان الاخير الباقي من السياسة التعددية الطائفية والاثنية التي مارستها الدولة العثمانية في المنطقة في الماضي، حيث تعايش المسلمون والمسيحيون واليهود والاديان الاخري فيها لفترة طويلة قبل ان تتغير الاوضاع. واكد بان اوضاع الاقليات المسيحية تغيرت سلبا في معظم الدول العربية باستثناء سورية.
وسأله السفير السوري الدكتور سامي الخيمي اذا كان صحيحا ما يقول بان ستين في المئة من سكان اسطنبول كانوا من المسيحيين، وان هذه النسبة كانت 25 في المئة في سورية وانخفضت جراء اسباب سياسية الي 12 في المئة. فلعله علينا ان نعطي الاسلام حقه في القدرة علي التعايش والتعامل الحسن مع الاقليات القاطنة فيه، وان نشجب مواقف الغرب السياسية التي ادت الي الاساءة لوضع المسيحيين الشرقيين ودفعتهم الي الهجرة! فاجاب المحاضر: انني اشاركك الرأي بانه يجب الثناء علي دور الاسلام في التعامل الجيد مع الاقليات المسيحية (وغيرها) الضخمة عدديا في المنطقة عموما. وقد فعل الاسلام ذلك افضل مما فعلته وتفعله الاديان الاخري (المسيحية واليهودية) مع اقلياتها. ولكنني لا اعتقد بوجود محاولة من قيادات دول الغرب لتهجير المسيحيين الشرقيين الي دول الغرب. انهم فقط جاهلون لاهمية دور المسيحيين الشرقيين في تاريخ وحاضر الشرق الاوسط.
واشار الدكتور فيصل ناظم القدسي الي ان الهجرة من سورية وغيرها من الدول العربية ليست مقتصرة علي طائفة واحدة بل يهاجر المتعلمون الذين تثقفوا بالحضارة الغربية ولم تتحقق آمالهم في بلدانهم بسبب الاوضاع عموما.
وفي رد علي الدكتور فواز الاخرس حول اذا كانت القدرة علي التعايش موجودة الي درجة اكبر في مفهوم العروبة بحد ذاته بحيث أتي اخيرا ما يزيد عن ثلاثة ارباع مليون عراقي مسيحي الي سورية لانها اختارت العروبة كمنهجها؟ قال المحاضر: لا شك بان الدول الاوروبية وامريكا فتحتا ابواب تأشيرات الهجرة الي درجة اكبر امام المسيحيين العرب فيما مئات الآلاف من هؤلاء ما زالوا يفضلون الانتقال الي دول عربية تعتمد منهجي التعايش والمساواة في العروبة.
واكد المحاضر بانه وقبل زياراته الي سورية والشرق الاوسط كان يعتقد بان الصراعات في المنطقة هي (كما تصورها الصحف الغربية) صراعات طائفية وتبين له الي درجة اكبر بانها صراعات سياسية وان التعايش الديني موجود في الشرق الاوسط منذ القرون الماضية.
واشار الي انه قابل احد المهاجرين المسيحيين من العراق الي سورية وقال له هذا المهاجر: في ايام صدام ما كان احد يسألنا عن ديننا… .