وليد توفيق: الثورات سببها ظلم وقهر لا حدود له

حجم الخط
0

يعتز بأنه لبناني ولكنه يعتز اكثر لكونه عربياالتقته: فاطمة عطفة تبقى مدينة دبي ملتقى مهما تحتضن المؤتمرات والمهرجانات العربية والعالمية، سواء في مجال الاقتصاد والتعليم أو الثقافة والفنون، وفي المنتدى الإنساني الأول بدبي الذي نظمه مركز راشد لعلاج ورعاية الطفولة بحضور نخبة من المثقفين وكبار الشخصيات المهتمة بالشأن الإنساني العربي تحت عنوان ‘خدمة ذوي الاحتياجات الخاصة’، كان لنا لقاء مع فنان محبوب شارك في هذا المنتدى الإنساني. إنه فنان من جيل الطرب الأصيل، لكنه ما يزال يحتفظ بروح الشباب وطموحاتهم النبيلة وتظاهراتهم العفوية وتضحياتهم الجليلة في سبيل الثورة والتغيير. ويمتاز هذا الفنان الكبير برؤيته العميقة واعتقاده أن النظام العربي عندما نسي قضية فلسطين وتخلى عنها كانت انتفاضة الجماهير هي الرد الثوري العادل، مؤكدا أن تغييب الحرية من الحياة العربية هو العلة الكبرى وكان لا بد من التغيير الديمقراطي الشامل. إنه الفنان وليد توفيق الذي يحمل أجمل ذكرى جمعته في رحاب القاهرة مع الشاعر الكبير محمود درويش قبل رحيله بوقت قصير. كانت فرصة جميلة طيبة أن ألتقي مطرب الحب بصحبة رفيقة دربه ملكة جمال الكون جورجينا رزق، ولعل الأجمل والأطيب أن أترك الفنان وليد يتحدث عن تجربته الفنية بنفسه إلى قراء ‘القدس العربي’ وعشاق الحرية والتغيير.* المسيرة الفنية، أين ربيعها وأين الخريف والصيف وأي هذه الفصول أمطرت ثمارا لا ينسى مذاقها، وثمارا لم يكتمل نضجها بعد؟* يعني أحلى ما في العمر أن يعرف الإنسان كيف يعيشه ويتمتع به، كل عمر له فصوله المتنوعة من ربيع وخريف وصيف.. الخ، وما أسعد الإنسان الذي يعرف قيمة العمر والسنين التي يعيشها ويتمتع فيها. هناك ناس تخاف من تقدم العمر، أكيد الكبر مخيف، لكن إذا صحة الإنسان جيدة، وأنعم الله عليه بالعفو والعافية، هذه نعمة من الله عز وجل. لا شك أني بكل لحظة أحس فيها بحالي أني بدأت بالربيع، بعد ذلك أشوف الخريف وبشوف الصيف، بكل لحظة بحياتي’.* بالنسبة لمسيرتك الفنية، أين كانت نقطة القوة؟ * ‘أكيد ليست نقطة واحدة، لكن هناك نقطة تسمى نقطة أو لحظة الاختيار (أوبشن) وعلى أساسه تظهر الأشياء، وأنا ظهوري باستديو الفن شكل لي منطلقا كبيرا، لأنه وقتها كان الناس محتاجين لشباب جدد، لم يكن الحال كما هو اليوم زحمة بكثرة المطربين وكثرة المحطات. باستديو الفن كانت أول انطلاقة لي، وعلى حظي وقتها اشتعلت الحرب في لبنان، وحملت عودي وكان ربيعي في دمشق الحبيبة الغالية على قلبي. دمشق حضنتني كأنني ولد من أولادها، عمري ما احسست لغاية الآن إلا أني واحد من أهل الشام، وهذه تربيتي. أنا أعتبر بلاد الشام كلها بلادي، لا أؤمن بالحدود، هكذا ‘بعتز وبشوف حالي اني لبناني، لكني بعتز وبشوف حالي أكثر أني عربي’، لأني لا أحب أن أكون إقليميا. بالشام كانت الانطلاقة الثانية والمهمة بحياتي التي أسست وليد توفيق، سينمائيا وغنائيا. أديت أغاني ناجحة وعملت أفلاما مع كبار نجوم سورية. الخطوة الثالثة كانت في أوروبا. لا يمكن أن ننسى تلك الأيام بحلوها ومرها: بعد أن احترقت بيروت، انتقل السهر والعرب إلى أوروبا. كان النجم الذي ينجح بأوروبا، عربيا، فهو النجم المسيطر. الحمد الله كنت أنا أحد النجوم في باريس ولندن. هناك تعرفت على الفن الخليجي، لولا ذلك كنت سألتقيهم مرة بالصيف، لكن في أوروبا كانت شهورا. أيضا تعرفت على فنانين من مصر وعلى الفنون المغربية والتونسية. * لجوء بعض الفنانين والمثقفين اللبنانيين إلى أوروبا مفهوم في تلك الفترة، ولكن ما السبب وراء كل هذا التجمع الفني العربي في أوروبا؟* ‘لأن أوروبا كما تعرفين تجمع الكثير من الجاليات العربية، وهذه كانت محطة مهمة جدا بحياتي، تعرفت على نجوم عرب كثر، تعرفت على جاليات عربية بحبها كثير، وهذا كله لغاية اليوم هو الذي عمل لي الأساس القوي، عمل وليد توفيق، (مش مطرب كم أغنية.. وبعدين باي باي)! هذه الانطلاقة الكبرى التي سألتني أنت عنها. كان زمان، المطرب الذي لم ينجح في مصر فهو ليس عنده جواز مرور (بسبور) فني، يعني هو محلي. لكن، الحمد لله، كان أكبر فيلم عملته وقتها، بدأت بأكبر فيلم ‘من يطفئ النار؟’ مع فريد شوقي، آثار الحكيم، رغدة، كانت هذا الانطلاقة الكبرى. من بعد هذا النجاح بدأ وليد توفيق لا يغني فقط في المطاعم، بدأ وليد توفيق على مستوى مهرجان قرطاج في تونس، ألومبيا في باريس، جرش بالأردن، المحبة والسلام في سورية، الأوبرا في مصر. انطلاقتي مع فيلم ‘من يطفئ النار’ سنة 1982 كان هو تتويج لمشوار وليد توفيق من 1975-1982، وهنا بدأ الأصعب. حين نجد ونسهر لننجح فهذا صعب جدا، ولكن أن نحافظ على نجاحنا ليبقى ويزداد فهذا هو الأصعب. هذا هو المشوار والسؤال الجميل الذي أعادني إلى الربيع والخريف. اليوم وصلنا لمرحلة أصعب بكثير، لكن لم أعد خائفا على وليد توفيق، بقدر ما أنا خايف على مشواره الفني، حصيلة هذه الثلاثين سنة، كيف أستطيع أن أحافظ عليها؟ كيف يمكن أن أجعل كل ما أنجزته بعيون الناس حلوين’.* اسمح لي أن أسأل عن ثلاثة أشياء مهمة، ماذا تعطي بلاد الشام: لأبنائها، المرأة، القضية الفلسطينية وخصوصيتها، هذه الأشياء ماذا أعطت وليد توفيق؟ * ‘أعطوني أني أفتخر بنفسي، بشوف حالي أني عربي من بلاد الشام، المقاومة وفلسطين وبلاد الشام، أعطوني أني شوف حالي وكل فنان عربي أصيل صار بالسما بين النجوم. إذا كانوا بالغرب مشغولين بأساطير ألف ليلة وليلة ومفتكرين أن بلادنا فيها فقط رقص وغناء، فكان لا بد من تغيير هالنظرة. لقد أعطينا صورة مغايرة وكبيرة، سواء ما يتعلق بالمستوى العلمي للمهاجرين العرب، وخاصة من مصر وبلاد الشام، أو بالمكانة التي وصلتها المرأة العربية، أو بحضور القضية الفلسطينية بكل العالم. هناك بلدان لم تستطع أن تعمل الذي عملناه، من هنا، ومن المنطلق الفني لأنه يعنيني، أقول إن كل فنان ما عنده حس وطني وحس إنساني يرتقي بفنه ويرفع صورة بلاده أمام العالم، يمكن يكون فنان، لكن مش إنسان’.* المرأة جورجينا بالنسبة للفنان وليد توفيق، كيف يراها؟* جورجينا امرأة بثلاث نساء، ملكة بجمالها، ملكة بأخلاقها، ملكة بقوتها. عندها شموخ ما شفته بحياتي إلا عند قليل من الملوك والناس والكبار، مع احترامي لكل النساء. قصة حب سبع سنين، صدقيني، هذه بعيدة عن الفن وعن أجوائه. وأنا دائما يسألونني وين جورجينا؟ لكن ما حبيت أن يستغلوها حتى بصورة ولا بكليب. عرضوا علي عمل فيلم بثلاثة ملايين دولار، رفضت لأني أخذتها ملكة لبيتي والأولاد مش لتاجر فيها، وهي عندها نفس الإحساس. أنا اليوم سعيد أنها تركت الدنيا كلها وجاءت لحفلة خيرية لتكون موجودة وتساهم برعاية الطفل والمعاق والأم، مش سهل أن الإنسان يلقى أو يحب إنسانة مثل جورجينا، أنا محظوظ كثيرا ومرضي الوالدين، وهي أصلا امرأة مقاومة، هي أم علي، وهي الملكة جورجينا، وهي الست الحلوة، هذا كله عليها صدقيني مش سهل’.* أستاذ وليد مكانة الأخ وأنت أخوك يعمل معك، في زمنا اختلت موازين الأخوة وغيرها، هل ممكن الصديق أن يكون أهم من أخ، وهل ممكن الأخ أن يبعد عن أخيه، وخاصة في السلطة السياسية، أو للحصول على المال، وأحيانا تجد الأخ لم يعد أخا ولا صديقا حتى…* ‘الأخ يظل أخا طالما هو ضمن العائلة، وطالما لا أحد قادرا أن يلعب بدماغه ولا بعواطفه، ولا بأهواء غيره: المرأة، المال والسياسة، هذه العناصر الثلاثة التي يمكن أن تلعب بالرجل إذا كان ما عنده شخصية. لكن أنا بنظري الأخ شيء مهم كثيرا، أنت لما بتنوجعي بتقولي ‘أخ’! ثاني شيء أنا ممكن أتزوج وجيب عشر أولاد، لكن لا يمكن أن أجيب أخ من أمي وأبي. إذا أخ حنون وطيب، صدقيني، أجمل ما في الدنيا وهدية من ربنا هو الأخ والأخت، لكن الله يبعد الثالثة التي أنت ذكرتها، أقصد السياسة’.* تجديد الفن القديم بدأ مع زياد رحباني، واليوم أنت في آخر ألبوم لك تجديد الأغاني القديمة، هل أصبح موضة أو فعلا لا جديد إلا إذا بني على القديم؟ والآن، من تستوعب الساحة الفنية؟ * ‘أنت قلت آخر اسم أنا أعتبره من أهم الملحنين المبدعين اسمه زياد الرحباني، كذلك ملحم بركات أنا أعتز فيه وهو فنان عبقري لجيله، حتى بليغ حمدي قال لي وقتها هذا امتداد لنا يوما ما، للأسف ما عاد في أيامنا ملحنين، أنا كنت عما أسأل نفسي: ليش ما عاد في حياتنا أغان جديدة؟ وكل المطربين اليوم يطلعون ويرددون الأغاني القديمة، بيغنون بعضا من أغانيهم وبعد ذلك يأخذون أغانينا ويغنونها. لازم أن يغنوا لأم كلثوم أو لملحم أو لوليد ولغيرنا .. وقد اتضح أن القصة ليست قصة مطرب، توجد أصوات أكثر من الأول، عندنا عدد مغنين أكثر من الأول، إنما أصوات بلا ذكاء، أصوات همها فقط الكسب المادي والمعنوي. للأسف فقدنا الملحن والشاعر، التجديد الذي نراه يصير بالرجوع إلى القديم، حتى أنا لما جددت – كما ذكرت حضرتك – جددت بالأغاني القديمة، وشباب الجيل الجديد حبوها، هذا يعني أن الفن القديم عندما يتجدد بطريقة جديدة يحبه الجيل، لكن الأغاني الجديدة التي نعملها لا يحبها الجيل القديم، لأنها لا تعني له أي شيء! لأن ما فيها لحن جديد، والملحن غير موجود، أنا أتحدث عن منطقتنا. هناك أغنية عملها محمد عبده خلت الناس كلها تحب الأغنية الخليجية، وترحب باللون الخليجي وكانت محبوبة في المنطقة عندهم، وبنفس الوقت تنحب بكل الوطن العربي، وهي أغنية ليلى. ليلى نحبت بكل الوطن العربي، أنا أعتبر أن الميزة التي عملها محمد عبده أنه رجع الأغنية الخليجية لكل الوطن العربي، لأنه أحيا فيها النفس القديم، لأن النفس القديم فيه الأصالة’.* شركات الاحتكار للفنانين، هل المطرب مضطر على أن تأتي شركة وتحتكر أعماله؟ وهل في لحظة شعرت بالأسف على الزمن لأنك تعاملت مع شركة ما؟ * ‘سأكون صريحا معك جدا: الوطن العربي ما فيه حقوق، في الوطن العربي الفنان يحسد بأنه يقبض مبالغ كبيرة على حفلة، الفنان الحقيقي أولا على أيامنا ما كان يحصل على هذه المبالغ، كنا نصور بملاليم، لكننا نعمل المستوى الفني بملايين، كنا نعمل الفيلم بتكاليف (2 كليب) اليوم، فيلم سينما بكل نجومه، ما كان بالإنتاج كل هذه المصاري ولا هذه الأسعار. الفنان كان إذا ما غنى لا يعيش. كانوا لما يعرضوا علينا تقديم إعلان نستحي ونقول: عيب! نحن الذين نغني الحب، كيف نعلن عن شامبو أو صابون وما شابه… الأيام تغيرت وكل هذه الطفرة الغريبة التي نراها جاءت على حساب الفن. نحن للأسف نمشي وراء ذنب الغرب، كل شيء يعمله الغرب صار عندنا مرغوبا وكله حلال على الشاطر. صار عندنا عبارة دارجة: ‘ولو طيب ما فلان عمل’! يتمثلون بالغرب للأسف وليس بعظمائنا ولا بفنانينا، حتى لما يحكون بالديمقراطية، والسياسة يقولون: طيب ما بأوروبا هيك! طيب، نحن مش أوروبا، عندنا تقاليدنا، عندنا طريقتنا. طيب، لنأخذ من الغرب الأشياء الحلوة، كل شيء حلو بالفن عند الغرب نحن ما عندنا منه، وأولها ما عندنا حقوق. أنا اليوم أعمل ألبوم يكلفني من 200 إلـى 300 ألف دولار، يمكن ثاني يوم أجد أمام بيتي واحد حامل علبة كرتون فيها الألبومات عما يبيعه بألف ليرة. لذلك لا ألوم بعض الفنانين وأنا واحد منهم. لما عرضت علينا عقود تضمن لنا بالسنة مبلغا معينا مع محطة تذيع الأغاني مع كليبات، لمدة شهر فقط. هذا الفن أعطيه لكل المحطات، أنا لست ضد هذا العرض، لأن الفن كلف الشركة وهي التي تدفع الكلفة. الأغنية اليوم مع الكليب تكلف 100 ألف دولار، من سيدفع هذا المبلغ إن لم يضمن ترجيع هذا المبلغ؟ أكبر إثبات أن لما الشركات قامت بهذه المشاريع نرى أن الفنانين مشوا وانطلقوا. فأنا مع إبرام مثل هذه العقود، إنما لمدة معينة للشركة حتى ترجع تكاليفها، لكن لا يكون ذلك كل العمر ويحرمني من حقي’.* أنت عملت بالسينما، لماذا تراجعت السينما العربية؟* ‘لا وجود للسينما بحياتنا، ما فيها أي شيء، بكل أسف! نحن اليوم في زمن انحطاط خطير على كل المقاييس، مما أدى إلى هذه الثورات من الشباب، نفس الشيء فيه تسونامي جاية وسيبدأ بالفن أيضا، لأنه فيه انحطاط وكذب، راقصات صارت عما تغني، لذلك أعتقد إن شاء الله وبعد الذي صار من الشباب العربي أن هناك الكثير من الأشياء ستتغير’.* أنت كفنان وما زلت بمرحلة الشباب كيف تنظر لهذه الثورات؟ وما هي أهم الأسباب التي أدت لذلك؟ هل إزالة الخوف من النفوس أو كثرة الضغوط التي تراكمت عملت هذا الانفجار؟ أو فعلا توجد خيوط من الخارج مرتبطة مع البعض بالداخل؟ * ‘فيه ظلم وقهر لأبعد حد. لو رجعنا لقضيتنا الأساسية فلسطين، لما نسينا قضيتنا الأساسية فلسطين وصلنا لهون! نسينا القضية الجوهرية، وصرنا نفكر فقط بالأكل والشرب والملذات وتجميع الأموال. لو حلينا قضيتنا الفلسطينية من زمان كانت كل الأمور تغيرت، ما كان ظل ظلم ولا ظل أي زعيم ظالم، لما نرى غزة محاصرة إلى حد الاختناق وعندنا الأكل والبطر، كيف أشعر أنا كعربي أن حياتي بأمان وخير؟ مستحيل. لما أعمل أغنية وأذكر فيها غزة أو فلسطين ما بيذيعولي إياها من الخوف، كيف تبقى هذه الأنظمة؟ بالتأكيد سوف تسقط كلها. خيفانين من شو؟! لذلك أرى أن مطالب الشباب كلها محقة، لكن خوفي.. ويا خوفي يصادروا هذه الثورات لمصالح ثانية.. وإن شاء الله، لا’.* انطلاقا من هذه النظرة الحميمة لفلسطين، ماذا تذكر عن الشاعر محمود درويش؟ * ‘أنا لي الشرف اني قعدت معه مرة واحدة قبل وفاته، ما كان يعرفني منيح كان يفتكر فقط وليد عنده أغنية شعبية، اجتمعت معه في بيت في القاهرة على النيل دون ذكر أسماء. أخذت عودي وعزفت وغنيت فدمعت عيناه. قال أنا آسف ما كنت أعرفك. وكان هناك مشروع أن نقوم بعمل شعري فني مع بعض، لكن للأسف استعجل القدر على شاعرنا، غادر بجسده وهو باق بيننا، دائما كل ما أخذت عودي أتذكر ذلك اللقاء.. محمود درويش حاضر في حياتنا وفي قلوبنا لا يغيب’.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية