وليمة الأضحي لأكلة لحوم البشر: عرض متواصل.. وإقبال منقطع النظير!

حجم الخط
0

وليمة الأضحي لأكلة لحوم البشر: عرض متواصل.. وإقبال منقطع النظير!

د. عماد عبد الرازقوليمة الأضحي لأكلة لحوم البشر: عرض متواصل.. وإقبال منقطع النظير! في أي مكان من العالم يستيقظ المرء صباحا فيستهل يومه السعيد بأن يدير جهاز التلفزيون ليستمتع بمشاهدة حفلة إعدام؟ بل في أي كوكب من هذا الكون الفسيح يحدث هذا إلا في كوكب العراق؟ فما بالكم إن كان هذا اليوم بالذات هو عيد الأضحي المبارك، وفي صباح هذا العيد بالذات يستيقظ المسلمون في جميع أرجاء العالم الإسلامي علي تكبيرات الصلاة وتبادل التهاني والتمنيات الطيبة بعيد سعيد، يتناولون الإفطار، ويتصدقون علي الفقراء بالمال أو لحوم الأضاحي، فيما الأطفال يلهون مبتهجين بملابسهم الجديدة. وفي الصباح ذاته يقف ما لا يقل عن مليوني إنسان بين يدي ربهم في مكة المكرمة يتضرعون ويتوسلون إليه سبحانه وتعالي أن يغفر ما تقدم وما تأخر من ذنوب لهم ولذويهم. إلا في العراق. اختار تلفزيون الحكومة العراقية المنتخبة الغارقة لأذنيها في الديمقراطية أن يقدم الي العراقيين هذه الهدية الثمينة: حفل إعدام رجل في التاسعة والستين من عمره كان بالأمس القريب رئيسا للعراق. الحفل بث كاملا بالمؤثرات الصوتية والمرئية التي تليق بطقوس واحدة من قبائل أكلة لحوم البشر في مجاهل إفريقيا التي لم يعد لها وجود. خلف الكاميرا أناس يكبرون ويهللون ويتصايحون: إلي جهنم.. إلي جهنم.. وتلهث حناجرهم باسم القائد الجديد المفدي، والزعيم المبدي، القائد الضرورة، القائد الملهم، المعصوم عن الخطأ، يا مقتدي.. يا مقتدي.. يا مقتدي..إن لم تكن تلك هي الهمجية بعينها فما عساها أن تكون؟ بعد بث الحفل الذي نقلته قنوات عديدة عن تلفزيون الحكومة العراقية، خرج علينا جهابذة هذه الحكومة الديمقراطية جدا وأقطاب عمائمها ينظرون لاختيار هذا اليوم بالذات للإعدام. أحدهم قال أردنا أن يكون يوم إعدامه يوما خاصا متميزا ! وآخر قال أردنا أن تكون الفرحة فرحتين، فرحة العيد وفرحة إعدامه ، وقبله بدقائق قليلة كان جهبذ آخر قد تطوع بالإيضاح أن أول أيام عيد الأضحي لم يكن السبت في العراق، بل الأحد، علي العكس من بقية العالم الاسلامي طبعا لأن العيد الشيعي غير العيد السني؟ وهذه أيضا استعصت علي فهمي، وبمعني آخر فإن كان الإعدام غير مستحب يوم العيد فهو بالتأكيد مقبول يوم الوقفة!؟ هذه الأكاذيب الفجة فضحها ما تكشف في غضون ساعات من تنفيذ الإعدام كتصريح القاضي السابق الذي أزيح من منصبه في محاكمة الرئيس العراقي الراحل، رزكار محمد أمين، أن تنفيذ حكم الإعدام في يوم عيد الأضحي ـ أو أي مناسبة دينية أخري ـ مخالف للقانون العراقي. أو رفض الحكومة العراقية وساطة السفير الأمريكي زلماي خليل زاده لتأجيل تنفيذ الحكم لأسبوعين. أما المسؤول الحزبي العراقي الذي أطل علينا من لندن فقد تفوق علي نفسه تبجحا حين قال إن العراق بلد مستقل وذو سيادة تحكمه حكومة منتخبة ولا شأن لأمريكا بإعدام صدام من قريب او بعيد، لأنه متهم عراقي والمحكمة عراقية ! ولولا أنني رأيت سماء العاصمة البريطانية بمعالمها الشهيرة التي أحفظها عن ظهر قلب بادية خلف المتحدث لظننت أنه يتحدث من كوكب عطارد أو أوراونوس أو بلوتو، أيها أبعد عن كوكبنا التعيس؟ ولن أتوقف هنا عند التصريحات التي صدرت عن ساسة ومسؤولين غربيين في إدانة الإعدام أو رفضه، لأن الغرب ببساطة توقف عن ان يمثل ذلك النموذج الأخلاقي الذي يجب أن يحتذي، فهذا الغرب يعاني من فيروس العهر الإسرائيلي الذي ما أن يطال أحد بلدانه حتي يصاب ساسته بالصمم والعمي والبكم إذا ما تعلق الأمر بعالمنا العربي أو الإسلامي. هل تذكرون هوجة الإعلام الغربي حين عرض التلفزيون العراقي صورا لأسري بريطانيين وأمريكيين في حرب الخليج الأولي عام 1991 وقد ظهرت عليهم آثار كدمات؟ أو صور جثث لجنود أمريكيين، وما أعقب ذلك من سيل الاتهامات بالوحشية والبربرية والهمجية الذي انهال علي رؤوس العراقيين وكيف أن ذلك مخالف لاتفاقات جنيف في معاملة الأسري؟ إنهم نفس العراقيين هذه المرة لكن الأصوات إياها خرست أو أشاحت بوجهها بعيدا لأن الهمجية البربرية الوحشية جاءت علي هواهم هذه المرة. (هل تذكرون كيف فشلت كل ضغوط الرأي العام البريطاني والأوروبي، ورغم الفتوي القانونية التي صدرت عن مجلس اللوردات ـ أعلي سلطة افتاء قانوني في البلاد ـ بجواز تسليم جنرال تشيلي السابق أوغستو بينوشيه للقاضي الأسباني لمحاكمته علي جرائم ضد الانسانية ارتكبها ضد شعبه؟ فشلت كلها في إقناع حكومة توني بلير بتسليم الدكتاتور العجوز لمجرد محاكمته لا إعدامه، وتعللت وزارة الداخلية البريطانية باعتلال صحته. والحقيقة أنه كان الدكتاتور المفضل لدي مارغريت ثاتشر لما أسداه من خدمات جليلة في محاربة الشيوعية علي حد قولها. ولن أتوقف عند المحاكمة التي تابع العالم أجمع فصولها الهزلية لكنني أتساءل عن تلك المرجعيات الأخلاقية التي يستند إليها المتشدقون باسم الدين من أصحاب العمائم الديمقراطية؟ بأي منظومة من القيم يؤمنون أو يسيرون علي هديها؟ هل هناك من متعة أو لذة أو إشباع يمكن أن يرتجي من مشاهدة رجل في التاسعة والستين من عمره يساق الي حبل المشنقة؟ وأن يحدث هذا في يوم يتوجه فيه ملايين المسلمين طلبا للرحمة والمغفرة من الله: الرحمن، الرحيم، التواب، الغفور، الرؤوف، الغفار، العزيز، الحكيم، الوهاب…. وكم غيرها من أسماء الله الحسني تحمل معاني الرحمة والغفران والتسامح والتراحم. حين يرتعد الجلاد من الضحية ذكرني شريط إعدام صدام حسين الذي ظلت عدة قنوات فضائية تعيد بثه علي مدار الساعة، بمشهد من مسرحية مأساة الحلاج للشاعر والكاتب المسرحي المصري الراحل صلاح عبد الصبور. المشهد يجسد واحدة من أكثر لحظات المسرحية درامية بمثل أنه يجسد القيمة الأهم في سيرة الحلاج الصوفي والمفكر الديني. يدور المشهد داخل السجن وفي زنزانة وضع فيها الحلاج بعد أن لفقت له تهم التجديف وادعاء الإلوهية من قبل حفنة من جلاوزة السلطان وبتواطؤ حفنة من خصومه مشايخ السلاطين. يقوم الجلاد المكلف حراسة الحلاج بجلده لمدة طويلة دون توقف، و الحلاج صابر متحمل للألم بجلد وإباء دون أن تصدر عنه صرخة ولا نبرة تأوه واحدة، حتي يكل الجلاد وينهار باكيا من صلابة الرجل ويبدأ في التوسل إليه متهدجا أن يغفر له وقد ساوره الشك أن الرجل لابد ولي من أولياء الله. مفارقة مشابهة تلك التي شاهدناها في شريط إعدام صدام، فبينما أخفي جلادوه وحراسه وجوههم خلف أقنعة غطتها فيما عدا العينين، رفض هو تغطية رأسه كما هو المعمول به مع كل المحكومين بالإعدام وأصر علي أن يواجه قدره حتي اللحظة الأخيرة بشجاعة وتماسك وهو ينطق الشهادتين، فيما المرعوبون الحقيقيون هم حراسه الذين لم يجرؤوا حتي علي كشف وجوههم أمامه وبينه وبين الموت دقائق معدودات. لم أكن يوما معجبا بصدام حسين، ولا بسياساته، وما كتبت يوما كلمة واحدة لا دفاعا عنه ولا مدحا ولا ذما لا من قريب ولا من بعيد. وما وطئت قدماي يوما العراق ولا أعتقد أن هذا سيحدث في المستقبل المنظور، وإن كنت أعتز بعشرات الأصدقاء والزملاء العراقيين من كل الطوائف والانتماءات الدينية والسياسية. بل إنني أستنكف هذا الاستطراد الذي يجد المرء نفسه مدفوعا إليه بسبب المناخ السياسي السائد في العالم العربي والذي بات مسموما ومشحونا بفيض من الثنائيات الحدية التي تختزل كل القضايا والمواقف المعقدة في كبسولات تبسيطية مخلة، فمن ينتقد طائفية الحكومة العراقية يعتبر صداميا، ومن يؤيد المقاومة هو إرهابي، ومن ينتقد إسرائيل هو معاد للسامية، وإن أنت ايدت حزب الله صنفت في خانة المتطرفين مع إيران وسورية، وإن لم تكن مع جورج بوش في حربه علي الارهاب فأنت بالتأكيد ضده إن لم تكن نفسك إرهابيا متخفيا تتحين الفرصة للانقضاض. أنت إما هنا أو هناك، معهم أو معنا، أبيض أو اسود، هو ذاته منطق أفلام هوليوود التجارية التي تقسم العالم إلي أخيار واشرار لا وسط بينهما. وهذا المنطق يخفي وراءه ضربا من البلطجة الفكرية يهدف لإخراس كل صوت يعترض علي ممارسات ومواقف اولئك الذين يشهرونه في كل المناسبات حتي بات خرقة بالية من كثرة ما استهلكوه. فليكره أولئك العراقيون صدام حسين ما شاء لهم الكره، وليراكموا في ذلك ما شاؤوا من الأسباب والمبررات والحجج والأدلة الدامغة علي أخطائه وخطاياه وجرائمه. ما لا أستطيع أن أفهمه ولا أتفهمه أن تتحول هذه الكراهية إلي ديانة جديدة لها طقوسها وشعائرها تقام لها الصلوات وتنحر الذبائح ليخرج أتباعها يرقصون علي بقاياها وأشلائها. ها قد مات صدام حسين وصار بين يدي ربه، فهل سيتوقف عن كونه قميص عثمان الذي يتاجر به الجلادون الجدد لتبرير بحار الدماء التي تجري كل يوم والخراب الذي عم البلاد علي يد فرق الموت وميليشيات الرعب؟ إم إن إدامة الأسطورة مطلوب من أجل حجب جرائم وفظائع العصر الجديد وحرف الأنظار عنها؟ ها قد اكتملت طقوس دورة التعازي الكربلائية لطما وندبا ونواحا وعويلا فقصاصا فانتقاما وذبحا وقتلا وتقطيع أوصال بالمناشير وفقء عيون وثقبا بالمثاقيب فدق أعناق وشنقا لأرتال وأرتال من الجثث المشوهة، وها قد شفي العراقيون غليلهم بمنظر رئيس آخر في طابور رؤسائهم السابقين المسفوحة دماؤهم، فهل يرتد الجلادون الجدد عن غيهم ويعود العراق الي صوابه؟ هذا امر مشكوك فيه. فالدم لا يورث إلا الدم. من خرافات العرب: العفو عند المقدرة في الأسبوع الماضي رحل الرئيس الأمريكي الأسبق جيرالد فورد عن عمر ناهز ثلاثة وتسعين عاما، وبهذه المناسبة فتحت ملفات الرئيس الوحيد الذي لم ينتخب لا نائبا ولا رئيسا، فقد اختاره الرئيس ريتشارد نيكسون نائبا خلفا لنائبه السابق سبيرو أجنيو الذي استقال بسبب تورطه في فضائح فساد وتهرب ضريبي. ثم حل فورد محل نيكسون بعد أن استقال بدوره إثر فضيحة ووترغيت التي كشفت تواطؤه في التستر علي تجسس موظفي حملته الانتخابية علي مقر الحزب الديمقراطي. فترة تولي فورد علي قصرها غصت بالإخفاقات ليست أقلها هزيمة أمريكا في فييتنام، فيما استهلها هو نفسه في غضون شهر من توليه بإصدار قرار عفو رئاسي عن كل الجرائم التي ارتكبها سلفه نيكسون. أثار القرار جدلا واسعا في أوساط الرأي العام الأمريكي آنذاك الي الحد الذي أضطر معه فورد للمثول أمام لجنة للكونغرس في سابقة كانت الأولي من نوعها لرئيس أمريكي، ليدافع عن قراره هذا، كل هذا لم يمنع من حجم الضرر السياسي الذي اثاره القرار بفورد فكان السبب المباشر وراء خسارته معركة انتخابات الرئاسة أمام الديمقراطي جيمي كارتر. وبهذا أنهي قرار العفو حياة فورد السياسية وتركه يتفرغ للعب الغولف مع صديقه نجم الكوميديا بوب هوب. وبعد مرور أكثر من ربع قرن علي هذه الأحداث، خرج المؤرخون علينا الأسبوع الماضي ليعيدوا حساباتهم ويقولوا أن قرار العفو كان من أفضل القرارات التي اتخذها فورد لأنه ساهم في تضميد جرح الشعب الأمريكي ولم شمله ووضعه علي طريق طي صفحة مخجلة ومؤلمة سطرها كذب رئيسهم وتضليله لهم. نقيض هذا تماما هو ما فعله الجلادون الجدد في العراق الذين سارعوا إلي نصب وليمة الإعدام لأكلة لحوم البشر، وأهدروا فرصة ثمينة أخري في لم شمل الشعب العراقي وتضميد جراحه ووقف سيلان الدماء وإعادة لحمته الي التماسك، إلي آخر مفردات قاموس الرطانة الفارغة التي يتاجر بها المنافقون. تبا لأولئك الذين ضللونا صغارا ولقنونا في المدارس أن من شيم العرب العفو عند المقدرة ومن أمثالهم ارحموا عزيز قوم ذل . ناقد من مصر يقيم في امريكا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية