ليس من قبيل ادعاء الحكمة بأثرٍ رجعي حين أؤكد أنه لم يتسرب إلى نفسي أي شكٍ في أن الاستفتاء على الدستور سيحصد ‘نعم’ كاسحة، فقد كتبت ذلك على صفحات هذه الجريدة من قبل، ربما لم أكن على يقينٍ من نسبة المشاركة، أما النتيجة فكانت محسومة في نظري، ومن دون الحاجة إلى تزوير، فالاستفتاء أو ‘التظاهرة’ أو أياً كان اسمها لم تكن في رأيي حول الدستور كوثيقة قانونية أو تعاقدية من بنود تقبل النقاش والتحفظات والتفنيد، وتحمل من المضامين والاحتمالات المستقبلية ما قد يتخطى مدارك المواطن المتوسط ومقدرته على التحليل، وإنما كان استفتاءً، أو بالأدق استدعاءً (على ضوء النتيجة التي وصلنا إليها وحجم المشاركة) لإضفاء المشروعية على وضعية 30 يونيو- 4 يوليو وما سينبثق عنها من نظام، ومنح تفويض جديد للمؤسسة العسكرية بقيادة الفريق السيسي تحديداً، وقد نجح في ذلك.
والحقيقة أنني سعيد بهذه النتيجة، ليس لأنني متحمس للدستور، فأية وثيقة لا قيمة لها في حد ذاتها، وإنما العبرة الحقيقية بتوازنات القوى على الارض، وإنما لأنني كنت أرغب في توفير الوقت الضائع في الوصول إلى ما بدا لي محصلةً حتمية، أجل حتمية، فالجمهور قد سئم، وتكالب عليه ضيق المعيشة، بل وانقطاع الأرزاق في حالة الكثير من البائسين، وغياب الأمن وانعدام أية مكاسب مادية منذ 25 يناير، شارك بنسبٍ معقولة في انتخاباتٍ رئاسية، وعوضاً عن رئيس جيء له بتنظيمٍ بأكمله، تبين أن مصر، وباعتراف أعضائه ليست أول أولياته، ليس ذلك فحسب، بل وفاجأ الجميع بعدم مرونته وافتقاره للكوادر، ورأى منهم الجمهور العجب (الجلسة السرية – العلنية لمناقشة سد النهضة على سبيل المثال).
أكرر مرةً أخرى، لقد سئم الناس ونضجوا على نارٍ هادئةٍ حيناً ومستعرة حيناً آخر ويتوقون إلى الرسو على بر بعد ثلاثة أعوام من الفوضى.
أنا سعيد بهذه النتيجة لأنها تدشن حقبة جديدة، حقبة الصراع الحقيقي، الصراع المؤجل، ذلك الاجتماعي – الاقتصادي الذي شكل الوقود الذي دفع بالملايين إلى الشارع، لقد استهلكتنا صراعات الهوية طيلة السنوات الماضية، ليتوارى وراءها ذلك الصراع، وقد حسمت بسقوط الإخوان المدوي وتكريس وذيوع مقولة ‘كلنا مسلمون’ مقرونةً بكلنا ‘مواطنون تجمعنا أخوة الوطن’ لتشمل غير المسلمين.
إن مصر بشكلها الجديد وقواها السياسية آخذةٌ في التشكل، ووحده التدافع والتطاحن ومن ثم التوازن بين تلك القوى سيصل بالمجتمع والدولة إلى صورتهما النهائية، بيد أن بضع سمات تبدو أكيدة:
سيكون الدور الرئيسي والأقوى للمؤسسة الأمنية – العسكرية بقيادة القوات المسلحة، التي لم تثبت فقط أنها الأفضل تنظيماً وانضباطاً، وإنما لما أبدته من حنكة وحرفية في التعامل مع الواقع المعقد وتطور الأحداث طيلة السنوات الماضية، عبر اختيارها لخطواتها وتحالفاتها، بغض النظر عن أحكامنا على مدى أخلاقية تصرفاتها وتحركاتها، قد يثور عليّ البعض محتجاً بما أتوه من حماقاتٍ وتصرفات فظة ودموية أحياناً، فأرد مؤكداً أن الأمر نسبي ووحده يستمر من يرتكب أقل عددٍ من الأخطاء، لقد نجحت هذه المؤسسة بقيادة الفريق السيسي في استمالة السواد الأعظم من الجمهور وتحقيق شعبيةٍ كاسحة بعد فترةٍ من التعثر، على الأقل حتى الآن، هذا هو الواقع الذي يتعين علينا التعامل معه، بغض النظر عما إذا كان يروق لنا أم لا. كما أنه من شبه المؤكد أن الفريق السيسي سيترشح للرئاسة وسيفوز.
أما المستجد الآخر والأهم، في رأيي، فيتمثل في عودة الشعب المصري إلى الشارع منهياً بذلك حالة الهجرة داخل الوطن، إما إلى الماضي أو كلٌ إلى عالمه ومشاكله الخاصة، وليس من قبيل المبالغة أن نقرر أنه مع استمرار حالة الحراك التي نراها سيأتي اليوم الذي يصبح فيه ‘المواطن غير المسيس’ ذكرى من الماضي الغابر. إن ذلك الاستفتاء على الدستور كرس بصورة غير مباشرة (وربما على غير هوى ومن دون قصد من النظام) لعودة الجمهور إلى العملية السياسية طرفاً أساسياً يعتد برأيه ومزاجه وحضوره وقوته، وهو في الوقت نفسه نفيٌ لأسلوب العنف المسلح الذي تلجأ له الجماعات المسلحة.
لست أرى النظام متنازلاً عن أية حقوق أو مكاسب للجمهور، فقد تصور أن الناس قد تعبت وسترضى بالفتات الذي سيلقى لها، لا سيما أن الكثيرين باتوا يترحمون على زمن حسني مبارك، وهم في ذلك واهمون.
لن يطول مهرجان العبث والطبل والزمر، وقد علمنا التاريخ أن فورة الحماسة قصيرة النفس بصفةٍ عامة، وهي على أية حال لن تصبح بديلاً لإصلاحاتٍ حقيقية، سوف يفرح الناس قليلاً بالـ’نعـــــم’ وبالاستقرار الأمني حين يحسون به، ولو على حساب الانتهاكات التي قد تطال الناشطين والمعارضين، أقولها بمنتهى الأسف، غير أن الأكيد أن الجمــــهور الذي صبر طيلة هذا الوقت قد ترسخت لديه قناعة بأنـــــه فعل كل ما يستطيع فعله: ثار مرتين وأسقط الإخوان وأمّن على الدستور وسيوصل السيسي لكرسي الرئاسة، وهو يطالب باستحقاقه.
ولعل ذلك يذكرنا بسمة جديدة للوضع المصري بعد 25 يناير: لا حصانة ولا قداسة لأحد، وأن أوسع شعبية عرضة لأن تسقط محترقةً بسرعة البرق في حال الفشل في تنفيذ الوعود.
‘ كاتب مصري