وماذا عن المثقف؟

حجم الخط
0

ياسين عدنان

سؤال يتكرر باستمرار. طُرح في أكثر من منبر وتردَّد على أكثر من لسان. فالظاهر أن هناك مسافة مثيرة للنقاش اليوم ما بين أداء المثقف وسط هذا الحراك السياسي والاجتماعي الشامل الذي يعرفه المغرب والعالم العربي خلال ربيعه المبكر هذا العام وأفق انتظار المجتمع بقواه الحية ومنابره الإعلامية. لكن عوضاً عن أن نبادر جميعاً إلى الانحياز إلى أجوبة حَدِّية صارمة تميل إلى تبخيس المثقف واتهامه بالجبن لنحاول أولاً رصد حدود تحرك المثقف المغربي وكذا الخطوات التي حاول أن يمارس من خلالها انخراطه في الحراك العام.

لنبدأ أولاً من البيانات. حرص المثقفون المغاربة، جزء منهم على الأقل، على الاصطفاف مبدئياً إلى جانب الشعوب العربية في توقها المشروع إلى التحرر من ربقة الاستبداد. وهكذا طالعتنا في المدة الأخيرة بيانات متلاحقة تعتز ‘بما أنجزه الشعب التونسي’ ثم تدعم ‘الشعب المصري في كفاحه للتخلص من الاستبداد’ لتدين ‘بشدة القتل الجماعي للشعب الليبي الشقيق وممارسة الأرض المحروقة على الطريقة النيرونية’ قبل أن تندد ‘بالمجازر الوحشية التي يتعرض لها الشعب اليمني من طرف نظام مستبد يستعمل الرصاص الحي ضد المدنيين الذين يطالبون بالكرامة والحرية والتغيير الديمقراطي’. البيان آلية محدودية الأثر ورمزية بالأساس، لكنها تبقى ذات أهمية خصوصاً حينما تصدر عن نخبة فكرية وثقافية لها، نظرياً على الأقل، وضعها الاعتباري في المجتمع. لكن هل هذا يكفي؟ ذاك أن الكثير من الغمز واللمز صاحب نشر هذه البيانات خصوصا في المواقع الإلكترونية التفاعلية حيث يجد كل بيان نشر هنا أو هناك ألفاً ممّن يُزايد عليه في تعاليق تشكك في قيمته. وهكذا ركزت العديد من التعليقات مثلاً على أولوية الانشغال بالشأن الداخلي الوطني على الاصطفاف مع الشعوب الشقيقة وتكرار نفس المواقف المبدئية مع كل بيان. لكن، هل كان المثقفون المغاربة بعيدين تماماً عن معارك الداخل؟ لا أتكلم عملياً من داخل أية منظمة ثقافية، ولحسن الحظ أن الكثير من الأدباء والمثقفين المغاربة ما زالوا يمارسون حضورهم في مشهدنا الثقافي الوطني بشكل حُر مستقل. لكن هذا لا ينفي أن لدينا في هذا البلد تنظيمات وإطارات يشتغل داخلها المثقفون. بعض هذه الإطارات منخور من الداخل وبعضها مرتبك أو ضعيف. فالكل يعرف كيف حرص محمد بنيس منذ لحظة تأسيس ‘بيت الشعر’ على أن يجعل منه ذلك النادي المغلق مصراً على أن يُبقِيه موصداً في وجه أسماء بعينها لم تكن من النوع الذي يسهل توجيهه والتحكم فيه. أما اتحاد الكتاب فقد كتبنا في حينه عن اللوائح الجاهزة التي كانت تنزل كالوحي ‘من السماء’ على مؤتمراته ليصوت عليها أدباؤنا المحترمون بانضباط التلاميذ، كما حرصنا على أن يكون لنا موقف نقدي من صراعاته الداخلية الأخيرة التي كانت صراعات مناصب ومصالح ذاتية لا صراعات أفكار وخيارات ثقافية. هذا وضعٌ خبرناه ونعرف أعطابه، لكن التوقف عنده اليوم قد يفتحنا على نقاش آخر، أساسي طبعاً، لكنه برأيي يحتمل التأجيل. ففتحُه الآن يخدم بالأساس الأطراف التي تريد وضع هذه الدينامية في الثلاجة وتأجيل المعارك الاستعجالية التي يجب أن يخوضها المثقف المغربي الآن / هنا، وليس غداً، بالوسائل المتاحة وعبر الإطارات المتاحة أيضاً. لذا دعُونا نعتبر بكل واقعية مقاطعة الائتلاف المغربي للثقافة والفنون واتحاد كتاب المغرب وبيت الشعر فعاليات الدورة الأخيرة من معرض الدار البيضاء الدولي للنشر والكتاب، بغض النظر عن تقييمنا لهذا الموقف، جزءا من الحراك النضالي الوطني الشامل، وهو حراك تواصل من خلال وقفة 8 آذار (مارس) الاحتجاجية أمام وزارة الثقافة ويمكن اعتبار وقفة جمعية خريجي المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي أمام مقر وزارة الثقافة بشارع غاندي هذه الجمعة (فاتح نيسان/ أبريل) امتداداً له. لكن مرة أخرى، هل هذا كل شيء؟ هناك مجال آخر للنقاش الفكري انخرطت فيه الحركة الثقافية الوطنية أشهراً قبل هذا الربيع السياسي. فمنذ إطلاق نداء عبد اللطيف اللعبي ‘من أجل ميثاق للثقافة’ والمبادرات تتلاحق: تأسيس المرصد الوطني للثقافة على خلفية احتجاجية صريحة وانخراط هذا الإطار في سلسلة من المبادرات الهادفة إلى تأطير ‘احتجاج’ المثقفين ورصد ‘الاختلالات التي يعرفها مشهدنا الثقافي’ وفضح ‘فشل الوزارة في تدبير الشأن الثقافي’ في بلادنا. محمد برادة سيبادر هو الآخر إلى الدعوة إلى سلسلة من اللقاءات الحوارية حول الثقافة المغربية آخرها انعقد السبت الماضي بالرباط، وهي لقاءات تطمح بالأساس إلى بلورة ‘استراتيجية ثقافية’ ذاك أننا منذ الاستقلال لم نفكر قط في وضع استراتيجية للثقافة في هذا البلد حسب صاحب ‘لعبة النسيان’. هذه التكتلات واللقاءات التي تلتها ساهمت بدورها في طرح المسألة الثقافية بحدة واستعجال كما فسحت المجال أمام العديد من المثقفين لمراجعة أدوارهم واستشراف آفاق جديدة للفعل الثقافي. طبعاً هذه الدينامية جعلت المثقف يعيد النظر في إنتاجه الأدبي بعيون السياسة كما حدث مؤخرا في ندوة مختبر السرديات التي دعت نقادا مغاربة إلى جانب فاعلين سياسيين من أمثال محمد الساسي وحسن طارق إلى قراءة روايات مغربية لمحمد برادة وأحمد المديني والميلودي شغموم وشعيب حليفي اتخذت من تجربة التناوب التوافقي التي عاشها المغرب مع حكومة عبد الرحمن اليوسفي موضوعاً لها، دون أن ننسى معرض الكتاب البديل الذي تشرف عليه الجمعية البيضاوية للكتبيين وستحتضنه ساحة السراغنة في درب السلطان، أي في العمق الشعبي للدار البيضاء، وستتواصل فعالياته لمدة ثلاثة أسابيع ابتداءً من فاتح نيسان (أبريل) بمشاركة نخبة مهمة من الأدباء والمثقفين والناشرين المغاربة المستقلين أو المحسوبين على تيار الممانعة. هل هذا كل شيء؟ طبعاً هناك أيضاً العديد من المواد الفكرية ومقالات الرأي التي ينشرها الأدباء والمثقفون المغاربة يومياً في الجرائد الوطنية مساهمة منهم في النقاش العمومي الساخن الذي تحتضنه صحافتنا هذه الأيام. ثم هناك مبادرات أخرى متفرقة ذات طابع محلي ونقاشات ضيقة ومعزولة لكنها ممتدة على طول خارطة هذا الوطن من الصعب الإحاطة بها في هذه الورقة. فالأمر لا يتعلق هنا بتقرير نهائي ولا بجرد شامل، وإنما هي محاولة لرصد بعض أوجه الحراك التي يعرفها المشهد الثقافي الوطني من المهم الاعتراف بها ووضعها في سياقها، باعتبارها دينامية إيجابية انطلقت قبل ثورة تونس وما زالت متواصلة حتى اليوم أي بعد 20 آذار (مارس)، وذلك قبل أن نُسائل مدى تفاعلها مع الحراك السياسي والاجتماعي العام الذي تعرفه بلادنا ومعها كل العالم العربي؟

ولنا عودة للموضوع.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية