أ. د. علي الهيل
يمكن أنَّ يكون Viktor Bout( فيكتور باوْتْ) المترجم العسكري الروسي السابق مهرب سلاح أو ‘تاجر الموت’ كما تصفه السي آيْ إِيْ بالفعل وليس مجرد مشتبَهٍ به لكونه روسيا يمكن تم استخدامه كأداة لتصفية حسابات أمريكية مع روسيا مع أن الخلاف بشأنه بين واشنطن وموسكو لم يرقَ إلى مستوى الأزمة بل وكان رد الفعل الروسي على اعتقاله وسجنه مؤخراً بعد الحكم عليه بخمسة وعشرين عاماً باردا ومخيبا للتوقعات. ويُحتمل مجرد احتمال أنَّ (فيكتور باوْتْ) كان مجرد ضحية. مهما يكن الأمر فإن الملاحقة الأمريكية لفيكتور باوت لم يكن – كما يبدو – سببها المباشر على الأقل أنه غذى الصراعات في إفريقيا.. في ليبيريا والكونغو وغيرها ـ كما تدعي الولايات المتحدة الأمريكية ـ فهذا أمر لا يؤرقها طالما أن مصالحها في مأمن من التهديد أو الخطر وإنما لأنه باع السلاح لمنظمة (فارك) المعارضة الكولومبية للوجود الأمريكي في كولومبيا و الحكم الكولومبي الموالي للولايات المتحدة وهيمنتها على بلدان في أمريكا اللاتينية وتحويلها إلى مجرد حديقة خلفية لها بعد أن صادرت ثرواتها وأفقرت شعوبها، وعليه فإن الكثيرين يجادلون حول احتمال أن تكون قضية (فيكتور باوت) مسيسة من أساسها.
و(باوت) لم يفعل ذلك بالضرورة لأنه أراد أن تقتل المنظمة أمريكيين فهذا امر لم يكن يدور بخلده ربما، لأن الأمر الذي كان يهمه هو قبض الثمن فقط فهو في الأخير سمسار سلاح أو هكذا ترجح التحليلات. وربما أن (فيكتور باوت) تلفت حوله فوجد نفسه غاصاًّ بعالم لا يلقي بالاً للأخلاق وإنما للمصالح ولو فُني العالم، على غرار ‘أنا ومن بعدي الطوفان’. فلماذا لا تلاحق الولايات المتحدة الأمريكية ودول الغرب مثلاً سماسرة سلاح ومن بينهم أسماء كبيرة في مجال صناعة القرار الأمريكي والغربي سابقا وحاليا باعوا أسلحة لأنظمة حكم قمعية لقتل الشعوب وحرمان الأطفال من المستقبل بإزهاق ارواحهم؟ لأنهم طبعاً يخدمون مصالح الولايات المتحدة والغرب فهي سمسرة إذن مشروعة، كما أن قتل إسرائيل لأطفال فلسطين واستهدافهم مباشرة برصاص في الصدر و الرأس هو دفاع مشروع عن النفس وهذا هو معيار أخلاقيتها حسب الفلسفة المكيافيلية. وأين ألأخلاق في غزو فيتنام ولاووس و شبه الجزيرة الكورية وغزو العراق وأفغانستان وسجن (أبو غريب وغوانتانامو) مثلاً.
قد يكون تهريب السلاح أو بيعه في ‘السوق السوداء’ المهنة الوحيدة التي كان يجيدها (فيكتور باوت) بعـــــد تقاعده فقام بها و نجح فيها رغم اختلافنا حول أخلاقيتها، لِيُعيِّشَ زوجَهُ وابنته الوحيدة منها ويؤمِّنَ لها مستقبلاً مغايراً لحياته المهنية المحفوفة بالمخاطر. قد لا يُلام كثيراً شخص فردٌ بالقيام بكذا عمل مهما كانت درجة تدني أخلاقيتها بَيْدَ أن اللوم يصبح كبيرا عندما تقوم به حكومات يُفترض أن تكون منتخبة ديمقراطيا وجاءت إلى السلطة عن طريق صناديق الإقتراع وفقا لمعايير أخلاقية مفترضة.
الولايات المتحدة الأمريكية – التي لاحقت مخابراتها الرجل منذ سنوات إلى أن أودعته السجن أخيراً – ومعها دولٌ في الإتحاد الأوروبي لم تبِعْ بل أهدت السلاح وأكثره فتكا وكثير وليس قليل منه محرَّم دوليا إلى إسرائيل لِتقتلَ أطفال فلسطين وشعبها الأعزل (إلا من ثقته في استرداد أرضه طال الزمانُ أو قصُرَ) مع سبق الإصرار والترصد وبنية القتل وإلاَّ ماذا كانت نيتها من منحها السلاح؟ إستعراضه في المناسبات الوطنية كما تفعل دول عربية كثيرة تبتاع السلاح الأمريكي والأوروبي بالمليارات وفوق ذلك تشترط عليهم الولايات المتحدة الأمريكية ألا يتم إستعماله ضد إسرائيل وإنما لتخويف الشعوب باستعراضه في المناسبات الوطنية؟ أين المقارنة بين دول الغرب وبين الروسي (باوت) الذي ربما لم يجد عملاً آخر يقتات منه ويُطعم به أُسرته الصغيرة مع رفضنا لتهريب وبيع السلاح بنية القتل كما هي نية الولايات المتحدة الأمريكية وبعض حلفائها في الإتحاد الأوروبي والنيتو؟ إذا كان عمل (فيكتور باوت) غير أخلاقي مرة كونه مجرد فرد واحد فإن عمل الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها غير أخلاقي ملايين المرات بل ويتجاوز كونه إنحدارا أو إفلاساً أخلاقيا منقطع النظير.’ أكاديمي وكاتب قطري