وماذا لو عاد الابن فسرد حكايات والده؟

حجم الخط
0

وماذا لو عاد الابن فسرد حكايات والده؟

محمد حيدروماذا لو عاد الابن فسرد حكايات والده؟لا بد انني اتمني كما تمني الصديق (زياد عدوان) في مقالته السابقة في القدس العربي (11/03/06) ان يبدأ الابن يوما بقص حكاياته علي والده قبل النوم، وان يترك هذا الاخير فرصة لنفسه ولابنه ليستمع لما يريد ان يحكي… ولكن لنتخيل لو ان الابن بدأ بقص نفس الحكايات التي يحكيها الوالد عادة …اتصور عندها ان ابتسامة انتصار ستظهر علي وجه الاب وشعورا بالخذلان سيظهر عند الابن، شعورا سرعان ما سوف يتلاشي ليصبح شعورا بالرضي والفخر عما قام به مستمدا ذلك من ابتسامة الاب….اما الاب فسينطق ويقول لابنه: اهلا بك في عالمنا.. الآن اصبحت (رجلا).. الآن اصبحت (مثقفا).ان المحاولة الموضوعية لتحليل وانتقاد الثقافة العربية، اساليبها، افكارها ونتائجها ليست مراوحة جديدة في المكان كما يعتبر الصديق (زياد)، وليست عاملا معيقا لحدوث تقدم او تغيير ثقافي نبغيه ويبغيه الجميع، بل علي العكس، فعدم دراسة التجربة التي خاضتها والتي مرت بها الثقافة العربية خلال الخمسين عاما الماضين سوف يؤدي الي الوقوع من حيث لا ندري في نفس اخطاء وتراكمات هذه الثقافة: اولا لانها لم تخضع حتي الآن لدراسة ونقد موضوعيين وجريئين، وثانيا لان المثقفين الشباب الجدد المطالبين ـ وربما المقتنعين هم انفسهم ـ بضرورة احداث قفزة ثقافية وشكل ثقافي جديد ومختلف عما سبق لم يخرجوا بعد لا زمنيا ولا ايديولوجيا من طروحات المثقفين الذين حملوا لواء الثقافة العربية، أي انهم بشكل او بآخر ما زالوا متأثرين باساليب وافكار هذه الثقافة، ومما يزيد الامر تعقيدا علي هذا الجيل الشاب المثقف الساعي لايجاد صيغ جديدة هو ظهور ظاهرة جديدة في الوسط الثقافي العربي تعزز اكثر فاكثر التقاليد والطروحات القديمة، وهي ظاهرة انتقال او نقل او ربما انتاش المورثات الفنية والثقافية والفكرية عائليا او لنقل بشكل اكثر اصطلاحي ظاهرة (توريث الثقافة ).اما ثالثا وهو الاهم ان ما يحدث اليوم من ظروف سياسية وتغيرات اجتماعية في الوطن العربي وعلي الرغم مما تبدو عليه من استثنائية فهي في الواقع تشبه الي حد بعيد الظروف والاحداث التي كانت في الستينيات والسبعينيات، أي الظروف التي انتجت الافكار والاساليب والتوجهات الثقافية التي نتحدث عنها، فالخوف من الخطر الاسلامي المتطرف ومن الصراعات الطائفية والعصبية والدخول في تحالفات سرية او معلنة مع احدي القوي الكبري لتأييد حكم سياسي او عسكري ما وضياع فلسطين والجولان والشعور بالخذلان واليأس….. كلها عناوين عريضة كانت في السابق وعادت لتظهر الآن وان كان مع تغير بعض التحالفات ومع تغير شكل الدمي و(الفزاعات) السياسية من فزاعة الشيوعية الي الفزاعة الرأسمالية الي الفزاعة الاصولية الي الفزاعة الديمقراطية، وهنا يأتي القلق الحقيقي من عودة الثقافة القديمة بخطاباتها وتوجهاتها وبضياعها ايضا وايضا في علاقات صدامية مع هذه الدمي.يحضرني الآن الشعور الذي انتابني منذ خمس سنين عندما دعاني صديق الي حضور مجموعة من الافلام السينمائية القصيرة التي قام بتمثيلها واخراجها مجموعة من الاصدقاء الشباب المثقفين في نهاية اتباعهم ستاج في الاخراج السينمائي. عشرون فيلما هي التجربة السينمائية الاولي وبالتالي هي هامش التعبير والحرية الاول لعشرين شابا تتراوح اعمارهم بين عشرين وسبع وعشرين عاما، تخلو باستثناء فيلم او اثنين من قصة حب بسيطة او من علاقة الشاب مع اهله او مع ما يحيط به من تعقيدات. عشرون فيلما قائمة علي افكار وتنظيرات مؤدلجة ومؤطرة، من الافكار البروليتارية بمشاهدها المباشرة جدا كسيارة المارسيدس الفارهة التي تأتي لتقف امام طفل فقير يبيع العلكة الي الافكار الثقافية النخبوية الي الافكار التي تحمل نوعا من المعارضة السياسية الخجولة التي تجعل من الدرك والعسكر السبب في كل فشل وكل عجز عن تحقيق شيء ما….الخ.لماذا؟ (واعود لاكرر سؤال الصديق زياد) اليس فيهم من يعشق او يحب او ينزعج من تعليقات اسرته او يمتلك تفاصيل صغيرة في حياته؟ لماذا حاول هؤلاء الشباب العشرون بينما هم يخرجون اعمالهم ان يكونوا المخرج السوري اسامة محمد او محمد ملص او سواهم وان يتقمصوا افكارهم واشكالهم الثقافية؟ ولماذا عندما يحاول عشرون آخرون ان يكتبوا نصا مسرحيا فسوف يكتبون بنفس افكار ومقولات سعد الله ونوس او محمد الماغوط؟ لماذا من ليس فقيرا منهم او لا يحس بصدق بمعني الفقر عليه بالضرورة ان يكتب عنه وان يحاول وصفه، هل من اجل الحصول علي تصنيف ثقافي ما؟ لماذا من لا يشعر حقا بانتماء قومي واضح وباهمية كلمات مثل ضياع فلسطين والجولان عليه بالضرورة ايضا ان يدخل في بكائية شعرية ليحصل علي تصنيف ثقافي آخر؟ لماذا وانطلاقا من كوننا مثقفين وفنانين علينا دوما ان نحمل علي اكتافنا عبء قضايا واسئلة -مقتنعين بها ام غير مقتنعين ـ وان نجلد بها قراءنا ومشاهدينا؟ الا يكفينا ما لدينا حول هذه المواضيع العميقة والحساسة من كليشهات وخطابات سياسية اعلانية ومن استغلالات مبتذلة لمشاعرنا تجاه هذه القضايا؟ربما الآن، ادرك لماذا…..لانه ليس لدينا وليس لدي هؤلاء الشباب سوي ذاكرة مشوّهة وارث فكري ونفسي مليء بالكليشهات والعبارات الطنانة علي كافة المستويات السياسية، الدينية، التربوية وحتي الثقافية والفنية، حتي في هذا المجال الذي يحبون ان يعملوا فيه وان يبدعوا فيه ويحب آخرون ان يقرأوه وان يشاهدوه، يبحثون فلا يجدون الا تعاليم و اجوبة جاهزة، لم يتح لنا لا سابقا ولا الآن فرصة ان نبحث بانفسنا عن اجوبتنا الخاصة وان نذهب باسئلتنا وبحوارنا حيث نشاء وحيث تأخذنا خصوصيتنا الانسانية وليس أي خصوصية اخري.كيف يمكن لنا ولهذا الجيل المسكون بالاشباح ان يكون قادرا ان يكتب وبكل بساطة حكاية سهلة من حياته تعبر عنه وعما يريد ويستطيع ان يذهب بخياله معها؟ هل علينا ان نمسح ذاكرتنا تماما وهل نستطيع ان نفعل ذلك؟ هل علينا ان ننتظر جيلا جديدا يكون بعيدا زمنيا،علي الاقل، عن هذه الايديولوجيات ام ان ايديولوجيات من نوع آخر (واخطرها ديني كما يبدو) سوف تجتاح عقول الجيل القادم الذي لن يكون امامه مع ترهّل ما اورثناه الا الدخول فيها؟ هل علينا ربما وكمحاولة أخيرة ان نقف بصراحة وبسرعة لنناقش ما حصل معنا وما مر بنا، لنلقي ستارا حديديا علي علاقتنا مع كل ما مضي ونضع اساسا واضحا وانسانيا وحقيقيا لما سيأتي؟ كل ما ينبغي ان نكونه هو ان نكون انفسنا، انفسنا بالتفاصيل الصغيرة الجميلة او حتي المخجلة التي تظهر في كل حدث يومي، ان نكتب وان نفكر وكأننا ندوّن مذكراتنا اليومية، ما حصل معنا خلال اليوم وما شعرنا به دون زيادة او نقصان ودون ابعاد أخري، ان يقدم لنا هؤلاء الاصدقاء في افلامهم المقبلة صورتهم كما نعرفها، كما نراها ونحبها في الحياة والواقع…… ما نطلبه صعب حتما، وكم هو قاس ان نصل الي هذه المرحلة التي يكون فيها صعبا علينا ان نكون اشخاصا عاديين، نفكر ونبدع ونحلم ونتربي بأقل قدر ممكن من القيود، من الكليشهات ومن التلوث الفكري والنفسي، ولكن ومع ذلك لا بد من المحاولة والبدء.ليست كلمة (مثقف) او (فنان) لقبا نخبويا او شهادة فخرية، وليست القيود والتراكمات الاجتماعية والدينية والقضايا الايديولوجية كما وصفها الصديق (زياد) حيطان يصعب اختراقها او هدمها بل هي اغشية رقيقة موجودة في داخلنا جميعا، والمثقف او الفنان هو الوحيد القادرعلي الاقتراب منها، لا بد من ان نقترب منها نمسّها، نلامسها ونحاورها، لا ان نبتعد عنها ونتعالي عليها او بالعكس نخترقها و نحاول تمزيقها -كما فعلت ثقافتنا دوما- فذلك سيجعلها تنتج تجاه الثقافة وتجاه العالم اجمع رد فعل وتطرفا كبيرين…. ان نمسّها مرة واثنين وثلاثا حتي نجعلها تدرك بنفسها كم هي هشّة ورقيقة وكم تخفي خلفها اشياء حقيقية، عظيمة واكثر اهمية. مسرحي من سورية يقيم في فرنسا0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية