وما آفة الأخبار إلا رواتها من أوراق حازم جواد: حركة 8 شباط المغدورة بين الحقائق والتشويه (12)

حجم الخط
1

وما آفة الأخبار إلا رواتها من أوراق حازم جواد: حركة 8 شباط المغدورة بين الحقائق والتشويه (12)

عفة قاسم ونظافة يده لن تعفياه من الانحرافات السياسية الاستبدادية وزرعه الانقسام الدموي الداخليلا يغفر لعبد السلام تنكره للبعث وحكم اخيه عبد الرحمن كان من أودع الفترات حتي يومنا هذا وما آفة الأخبار إلا رواتها من أوراق حازم جواد: حركة 8 شباط المغدورة بين الحقائق والتشويه (12)بعد اكثر من اربعين سنة علي وقوع حركة شباط المعروفة في التاريخ العراقي (1963) قرر حازم جواد قائد هذه الحركة وأحد الرموز المهمة فيها العودة اليها، ووضع النقاط علي الحروف. ويقدم جواد عرضا تاريخيا للاحداث وتقييما للشخصيات التي لعبت في هذه الحركة والظروف العراقية والاقليمية. وهي شهادة مهمة لانها تصدر عن واحد من اهم صناع هذه الحركة. وفي هذه الحلقة يواصل الحديث عن الصفات الشخصية لكل من عبدالسلام عارف وعبدالكريم قاسم وعفة يدهما، كما يشير الي فترة حكم عبد الرحمن شقيق عبد السلام التي يري ان فترة حكمه كانت من اكثر الفترات هدوء القدس العربي رجال من العصر الراشديثانياً: الموقف الثاني لعارف الذي افتقده الآخرون بل واستباحوه وأباحوه هو عدم الاقتراب من المال العام وعفة اليد ونظافة القميص. فهو كصاحبه وزميله قاسم لم يتلوثا بالسحت الحرام مثلهم مثل عميد الثوريين العرب الرئيس جمال عبد الناصر وكأنهم جميعا من رجال العصر الراشدي وقادته كإمام المتقين والفاروق والصديق وابو ذر وعمار بن ياسر والآخرين رضوان الله عليهم جميعاًوأسكنهم فسيح جناته.لقد ظل عارف مقيماً في داره الصغيرة الكائنة في الأعظمية التي كان يملكها قبل ثورة تموز (يوليو) وبعدها وخلال حركة الثامن من شباط (فبراير) حتي وفاته أو مقتله عام 1966 ، كذلك ظل قاسم يسكن الدار المستأجرة قرب ساحة الجندي المجهول حتي مصرعه. وهي نفس الساحة التي حول اسمها بعد ذلك السيد صدام حسين الي ساحة الفردوس وأقام فيها الأعمدة الرومانية وتمثاله الضخم الذي مثل البذاءة والقبح والدناءة بأجلي صورها. لقد شيد أباطرة القرداحة وأكاسرة العوجة مئات القصور والفلل والمنتجعات في سورية والعراق ، وسط دهشة وذهول المواطنين من هؤلاء الغزاة الجدد، الذين استلموا السلطة في القطرين دونما عناء أو جهد وباسم حزب البعث الذي ينادي بالوحدة والحرية والاشتراكية ليل نهار. لم يسمع الناس عن عارف وقاسم ورئيسهم عبد الناصر أن عينوا قريباً أو ابناً أو وريثاً لهم في الجمهوريات التي حكموها. فابنة الرئيس عبد الناصر السيدة مني عبد الناصر لم تقبل في الجامعات المصرية عام 1961 بسبب عدم حصولها علي المجموع المطلوب في حين كانت تلك الجامعات تعج بالآلاف من الطلاب العرب والأفارقة وبدون مجاميع بناءاً لقرارات الرئيس عبد الناصر القومية. وقدر لي أن أسكن قريباً من دار سكني الرئيس عبد الناصر بعد أن اعتقلت أثناء عودتي الي بغداد في شباط (فبراير) عام 1964 وفرضت علي الإقامة الإجبارية في القاهرة الحبيبة. ولم أشاهد أثناء مروري المعتاد ببيت عبد الناصر سوي شرطي واحد أمام الدار، بل شاهدت مراراً أولاده يلعبون في شارع الخليفة المأمون كأي أولاد آخرين من أبناء الشعب. وشاهدت موكب الرئيس عبد الناصر مراراً بدون أرتال السيارات السوداء الكريهة وفرق ما يسمي الحماية من الزبانية والأزلام.وأصابتني الدهشة مرة في الإسكندرية وكنت ضيفاً علي الغداء عند إحدي العوائل المصرية بوصول السيد شوقي عبد الناصر شقيق الرئيس. وكان جميع الحاضرين بمن فيهم كاتب هذه السطور والمقيم إجبارياً في مصر يرتدون ملابس أكثر أناقة وأغلي من ملابس شقيق الرئيس. وبالمناسبة فإن عبد الناصر حكم وتعلق الناس به في الوطن العربي ثم قضي وهو لم يرتد الا الملابس المصنوعة من الأقمشة المصرية المصنعة داخل مصر. أما عبد الكريم قاسم فقد دخل بغداد ظهر يوم الرابع عشر من تموز (يوليو) بملابسه العسكرية وغادر الدنيا يوم التاسع من شباط (فبراير) 1963 وبملابسه العسكرية التي لم يرتد غيرها طيلة سنوات حكمه. ولم يعين أو يمنح قريباً أو حسيباً اي موقع ولو بصورة استثنائية عدا ما أشيع عن شقيقه حامد قاسم والتي أظن أنها من شائعات الخصوم ونحن منهم والتي تضمنت الكثير من المبالغات.العفة لا تعفيه من المسؤوليةالا أنَ هذه الصفات الشخصية لقاسم لن تعفيه من مسؤوليته الكبري علي ما جرهُ علي الثورة والعراق والمنطقة من انحرافات سياسية استبدادية لم تخطر علي بال أحدٍ من رفاقه في ثورة 14 تموز (يوليو) وزرعه الشقاق والانقسام الدموي الداخلي وتغذيته وادامته، ووضع شخصه والثورة المجيدة بموضع الصدام والبديل لقيادة عبد الناصر القومية وجمهورية العرب الكبري وكان هذا بالضبط ما تريده وسَعتْ اليه الدوائر الاستعمارية في تلك الأيام المصيرية من التاريخ العربي وسواء تم ذلك بالاتفاق مع السوفييت تنفيذاً لصفقات دولية أم لا فإن النتيجة كانت واحدة وكارثية وانتقلت حركة القومية العربية المتحررة من مواقع الهجوم الي مواقع الدفاع والتراجع.وأعترف الآن أن شعوراً بالصدمة والاحباط انتابني من هذا الزعيم الأوحد عندما هتفَ لنا في دار الاذاعة في الساعات الاولي بعد منتصف الليل التاسع من شباط (فبراير) طالباً من صديقه ونائبه الذي حكمه بالاعدام تسفيره الي خارج العراق كما سفرَ السوريون الخائن الانفصالي المرتشي المقدم عبد الكريم النحلاوي. كانت سماعة التليفون بين أُذني وأُذن عارف فأصبتُ بذهول مروع من طلبه هذا ووجدتني أطلب من الرئيس عارف أن يجيبه كيف يسمح لنفسه أن يشبه نفسه بجاسوس مأجور مثل النحلاوي وهو رئيس وزراء ثورة 14 تموز (يوليو) والقائد العام لقواتها !!؟ تمت هذه المكالمة من غرفة استعلامات الاذاعة عند مدخلها الداخلي وبحضور حشدٍ من الضباط وأذكر أن الضابط القومي صبحي عبد الحميد كان من بينهم. رددَ عارف بصوت جهوري ما قلته له بالحرف الواحد وأضاف مخاطباً قاسم: هذه هي نظرة الجماعة لكَ والأخ المسؤول (ويقصدني) يقف بجانبي. ومن صوت قاسم أحسست أنه ارتاح لكلام عارف ورددَ بصوت خافت ربما خنقته العبرات أنه فقط يريد تجنب الإهانة. كان الزعيم الأوحد في تلك الساعة وحيداً في غرفة صغيرة في قاعة الشعب أو الملك فيصل سابقاً جالساً علي الكرسي الوحيد الموجود في تلك الغرفة بعد أن هجره أفراد بطانة السوء والنفاق والشر عدا اثنين أو ثلاثة من الضباط. تمثال لقاسم بحماية الدبابات الأمريكيةلقد تألمتُ كثيراً مرة أخري وبعد أكثر من أربعة عقود عندما شاهدت بعضاً من بقايا بطانة السوء والشر تقوم بنصب تمثال له في شارع الرشيد في الوقت الذي تهدر فيه الدبابات الأمريكية وحلفاؤها وعملاؤها لمطاردة بقايا الجيش العراقي الباسل وهدم معسكراته وقواعده وبيع معداته كـ سكراب وملاحقة أفراد المقاومة العراقية البطلة وكأنما أراد الأمريكيون وأوغادهم أن يستخدموا حتي اسم قاسم وثورة تموز (يوليو) لأغراض الاحتلال الأمريكي الصهيوني للعراق وغطاء من أغطية كثيرة له. بعد ذلك خاضت الزمرة التي نصبت التمثال الانتخابات الأمريكية العراقية الأولي باسم زعيمها الأوحد ولم تحصل الا علي مئاتٍ من الأصوات من أقصي شمال العراق لأقصي جنوبه. احتفظ عبد السميع عارف شقيق عبد السلام بدكانه المسمي مكوي النعمان الذي كان يعتاش منه قبل ثورة تموز (يوليو) وكان بمثابة دائرة البريد للضباط الأحرار لاستلام وتسلم تعليمات الهيئة العليا. أقول إنه احتفظ بذلك الدكان المكوي بعد الرابع عشر من تموز (يوليو) وحتي بعد ان أصبح شقيقه رئيساً للجمهورية بعد الثامن من شباط (فبراير) وظل شقيقه الأصغر صباح عارف يعمل بوظيفته الحكومية في دائرة المدعي العام في بغداد. أما شقيقه الأكبر عبد الرحمن عارف فكان ضابطاً كغيره من الضباط وتدرج في سلك الضباط العراقيين كالآخرين وكان من الضباط الأحرار لكن ذلك لم يمنحه أي امتياز يذكر بعد ثورة تموز المجيدة ، وعين بعد حركة شباط قائداً للفرقة الخامسة وهو يستحقها مهنياً. ثم عين بعد انقلاب الثامن عشر من تشرين الثاني (نوفمبر) بمنصب وكيل رئيس اركان الجيش. وعندما قضي عارف بحادث الطائرة لم يورث الحكم لشقيقه انما اختير بواسطة الانتخاب داخل مجلس الوزراء مع متنافسين آخرين وبدعم من الرئيس عبد الناصر الذي أراد احباط استلام المنصب من قبل أحد الضباط الفلام بوينت المدعوم من قبل المشير عبد الحكيم عامر. فترة حكم عبد الرحمن عارفوحكَمَ عارف الثاني لمدة عامين ولم يسمع الشعب العراقي فضيحة أو أمراً مشبوهاً يمسه أو يمس عائلته. وكانت فترة حكم عبد الرحمن عارف من أودع وأرَق الفترات التي عاشها الشعب العراقي منذ الرابع عشر من تموز (يوليو) والي يومنا هذا. فقد أفرغ عارف الثاني السجون من المعتقلين البعثيين و العناصر القومية التي نظمت انقلاباً دموياً للاطاحة به، وكان في طريقه لتصفية قضايا المعتقلين والمسجونين الشيوعيين لإعداد البلاد لما بعد حرب حزيران (يونيو) 1967بعيد الزيارة الناجحة للرئيس السوفييتي بودغورني لمصر وسورية والعراق . تمتع العراق في عهده بعلاقات ممتازة مع دول الجوار العربية والإسلامية، فقام بزيارة تركيا وإيران وأوفد رئيس وزرائه اللواء ناجي طالب الي دمشق الذي كان يحكمها في ذلك الوقت أحد أجنحة البعث الصخابة يسارياً والخاوية واقعياً. وأسند نظامه المجهود الحربي للجمهورية العربية المتحدة، فتواجد الجيش العراقي بكثافة علي الجبهة الشرقية ودعم بلا حدود العمل الفدائي الفلسطيني علي الجبهة الاردنية. ورافق الرئيس بومدين بناءاً علي طلب من الرئيس عبد الناصر لزيارة موسكو وحث القيادة السوفييتية المرعوبة والمتخاذلة علي بذل مزيد من الدعم لإعادة بناء القوات المسلحة العربية لتعزيز صمودها ودفاعاتها. استخدام النفط كسلاحوقدم العراق في عهده مشروعا متكاملا الي الرئيس عبدالناصر لاستخدام سلاح النفط العربي وتسخيره للضغط السياسي من اجل ازالة آثار عدوان عام 1967 ولدعم المجهود الحربي العربي، الا ان عبد الناصر كمرجعية قومية فضل عدم طرح هذا المشروع القومي الثوري علي مؤتمر القمة لاعطاء العمل السياسي فرصة ولالتقاط الانفاس بعد ان صمتت المواقع ولاعادة بناء وخطوط الدفاع العربية وخاصة في جبهة قناة السويس. كما زارعبد الرحمن عارف فرنسا وقابل الرئيس شارل ديغول لنفس الغرض وبطلب من الرئيس عبد الناصر أيضاً، ولربط بعض المصالح الفرنسية اقتصادياً ومالياً ببعض المصالح العربية. ووقع عارف هناك اتفاقية تزويد الجيش العراقي بطائرات الميراج المتطورة وهي المرة الأولي التي تزود فرنسا إحدي الدول العربية بمثل هذا النوع من الطائرات، كما وقع عارف اتفاقيات نفطية مع شركات النفط الفرنسية (ايراب) للتنقيب والاستثمار في حقول النفط العراقية الغير مستثمرة وكان يستعد لمنح امتياز الكبريت للشركة البولندية المشهورة في هذا الحقل، الأمر الذي أثار المصالح الاحتكارية الكبري في الولايات المتحدة التي تحتكر أسواق إنتاج الكبريت في العالم. فهرع أندرسن وزير الماليـــــة الأمريكي السابق الي بغداد للاستطلاع والضغط للحصول علي امتياز واستخراج الكبريت. ولدي اعتراف لا يقبل الشك أو الطعن لأحد ضباط 17 تموز الكبار أن البكر قد استدعاه وطلب منه أن يكون مرتدياً بدلته العسكرية واجتمع في احد البيوت البغدادية مع السيد أندرسن وبحضور السيد لطفي العبيدي الشخصية المشهورة والمثيرة للجدل. وحدث هذا الاجتماع قبل أشهر من قيام انقلاب 17 تموز. كان عبد الرحمن عارف يعقد بين الفينة والأخري مؤتمرات في القصر الجمهوري للساسة العراقيين للتدوال في الشؤون العراقية والعربية الملتهبة بعد أحداث حرب حزيران (يونيو)، ويستمع الي المشورة ويأخذ بالكثير مما يقال في تلك المؤتمرات. وحضرت واحدة منها وكان حاضراً البكر أيضاً وصاحبه عماش، ثم امتنعت عن الحضور بعد ذلك الاجتماع وزارني بعدها البكر وعماش ليحثاني علي المشاركة. وهذه الحماسة لحضور تلك المؤتمرات لا تحتاج الي ذكاء خارق لمعرفة الهدف من ورائها الذي كان التستر وتغطية النشاط التآمري الذي يقوم به البكر وجماعته. والسؤال الذي يطرح نفسه سابقاً والآن، هل كان هناك مبرر واحد للانقلاب علي عبد الرحمن عارف عدا شهوة السلطة والتسلط وتفكيك الجبهة الشرقية وعزل الرئيس عبد الناصر داخل حدود مصر؟ وهو ما فشلت حرب حزيران (يونيو) في تحقيقه وما جري بعد ذلك لا يحتاج الي تفصيل.غدر عارف للبعثثالثا: أما الموقف الذي يسجل علي عبد السلام عارف ويحسب ضده وعليه فهو غدره وخيانته للبعث كمؤسسة قومية رعته أيام محنته وعمل في صفوفها واختارته ليكون رئيساً للجمهورية ليتم التواصل مع ثورة الرابع عشر من تموز (يوليو). وانا أقدر ما عاني في الأسبوع الذي سبق الثامن عشر من تشرين الثاني (نوفمبر)، بدءاً من صواريخ الونداوي الغادرة، التي كانت جزءاً من مؤامرة واسعة لضرب الحزب والوحدة الثلاثية، الي قطع الماء والكهرباء عن القصر الجمهوري لأيام عديدة، حتي وصول أمين الحافظ وميشيل عفلق ومرافقيهما الي بغداد دون القيام ولو بزيارة بروتوكولية واحدة كما تقتضي بذلك الأعراف الدولية، إذ كان الحافظ رئيساً للدولة السورية وزيارته واجبة لرأس الدولة العراقية التي حل في عاصمتها وإلا فإن حالة من العداء أو قطع العلاقات او الحرب ستنشب بين الدولتين كما حدثني المرحوم صلاح الدين البيطار بعد سنين من تلك الأحداث.وللتاريخ فقد أدان الأستاذ ميشيل عفلق في كلمته بتاريخ 2 شباط (فبراير) 1964 خلال جلسات المؤتمر الاستثنائي تلك الزيارة المشؤومة واعتبرها من الأسباب الرئيسية التي أثارت الهيجان داخل المؤسسة العسكرية العراقية اضافة للتصرفات الغوغائية لمجموعة صغيرة من أزلام السيد السعدي والعناصر الغير منضبطة في الحرس القومي وأكدَ علي الخطأ الفاضح في عدم زيارة الرئيس عارف كما تقضي بذلك الأعراف والبروتوكولات. الا أن ذلك لا يعطي عذراً لعبد السلام عارف لقيامه بتلك الحملة المسعورة لضرب البعث والتهجم ليل نهار عليه وعلي قادته التي شملت حتي أقرب الناس اليه من عسكريين ومدنيين. حتي الرئيس عبد الناصر لامه وعاتبه علي ذلك السلوك كما نقل لي الشهيد المهدي بن بركة عام 1964 أثناء زيارته للقاهرة بعد عقد مؤتمر القمة الذي دعا الي عقده الرئيس عبد الناصر وحضره عارف. أكثر التزاما وإخلاصاما زلت مؤمناً الي يومنا هذا أن عبد السلام عارف كان اكثر التزاماً وإخلاصاً بحزب البعث من كثيرين تسللوا الي صفوف هذا الحزب من أمثال البكر وعماش وحردان وحماد وأضرابهم أو من الزمر المتصارعة حتي الموت في سورية منذ الثامن من آذار (مارس) 1963 الي يومنا هذا. كان عارف مستعداً لان يجود بنفسه في سبيل البعث بعد ثورة تموز والحكم عليه بالإعدام وكما فعل يوم الثالث من تموز فتوجه مع مرافقه الوحيد للسيطرة علي معسكر الرشيد أثناء تمرد مجاميع من الجنود وضباط الصف. كان حضوره صاخبا أمام الرئيس عبد الناصر وكنت برفقته في نهاية شهر آب (اغسطس) عام 1963 للقيام بآخر محاولة إنقاذ مخلصة لميثاق السابع عشر من نيسان (ابريل) للوحدة الثلاثية، وتلاسن مع المشير عامر دفاعاً عن سورية والبعث حتي خشيت من زعل الرئيس عبد الناصر وفشل مهمتنا كما هاجم الأستاذ محمد حسنين هيكل علي مقالاته المؤججة لصراع الأخوة، فمن قادة الحزب وقف مثل هذه الوقفة بحضرة الرئيس عبدالناصر وبين ايدينا وثائق مباحثات الوحدة الثلاثية والتي حضرها كبار قادة البعث، فماذا حوت تلك الوثائق؟ كانت مواقف الاستاذ ميشيل عفلق دفاعية في مجموعها امام النقد اللاذع للرئيس عبدالناصر للقيادة البعثية السورية، اما مواقف المرحوم صلاح البيطار فأقل ما يقال عنها انها كانت ضعيفة واعتذارية بسبب ضعف موقفه لتوقيعه مع سياسيين اخرين علي ما سمي وثيقة الانفصال. هذا عن موقف القادة السوريين اما الوفد العراقي فسوف لا نعثر علي جملة واحدة مفيدة لرئيس الوفد السيد احمد حسن البكر. اما المرحوم علي السعدي فقد اعرب عن استعداده متطوعا للتوقيع للرئيس عبد الناصر علي شيك من بياض، وتناسي المرحوم السعدي انه لا في الدين ولا في السياسة ولا حتي في التجارة يوجد ما يسمي التوقيع علي بياض. وانقلب بعد اسابيع ذلك الصك الابيض الي حملات اعتقال ونفي وقتل لانصار الرئيس عبد الناصر ونصب اذاعة سرية للتحريض عليه وعلي نظامه.الا أن عبد السلام عارف أخذ يسمع اشاعات كثيرة عن بعض قادة الحزب وتصرفاتهم، بعضها صحيح والبعض الآخر غث ومفبرك، كما أن بعضهم لم يحظَ باحترامه وتقديره مثله مثل البكر وقادة آخرين من سورية والعراق كان من ضمنهم الأمين العام الأستاذ ميشيل عفلق الذي هاجمَ في كلمته الآنفة الذكر أولئك القادة وتصرفاتهم بطريقة أمضي وأقسي من تلك التي مارسها عارف والبكر وعماش وآخرين من داخل الحزب، عدا الفئات والجماعات والأفراد من خارج الحزب. كانت لعارف صورة اخري للمناضلين البعثيين الذين تعرف عليهم في ثورة 14 تموز وأثناء التحضير لحركة الثامن من شباط (فبراير) وأمضي سنتين مع بعض قادة البعث في سجن رقم واحد منتظرين تنفيذ قاسم لاحكام الاعدام الصادرة بحقهم. وكان معجباً بهذا النمط من الرجال الا أن هذا الاعجاب والانبـــهار بدأ بالانحسار بمرور الأيام وجاءت صواريخ الونداوي وقاتل الشهيد الشواف الطيار يونس محمد صالح بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، علماً أن ما جري يوم الحادي عشر من تشرين الثاني (نوفمبر) اثناء انعقاد المؤتمر القطري لا علاقة لعبد السلام عارف به وكان من تدبير ومكر أحمد البكر وباعتراف نادر ومتأخر لكنه موثق يذكر السيد منذر الونداوي الذي قاد عملية قصف غرفة عارف وغرفتي في القصر الجمهوري، أن أحمد البكر هو الذي أوعز له بذلك يوم الثاني عشر من تشرين الثاني (نوفمبر)، فإذا صحت هذه الرواية وأنا أميل لصدقيتها بإدراك متأخر فإن البكر كان ضالعاً في ضرب الحزب والإجهاز علي مشروع الوحدة الثلاثية الذي كان يلفظ أنفاسه الأخيرة بعد اكتشاف الإذاعة السرية الموجهة ضد الرئيس عبد الناصر من بغداد، والتي قام بنصبها المرحوم علي السعدي دون علم وموافقة الحزب ومجلس القيادة. وأدت تلك الاذاعة خدمتها الجليلة بأن ألغي الرئيس عبد الناصر زيارته المقررة الي بغداد في شهر تشرين الاول (اكتوبر) التي بذل كاتب هذه السطور وعارف جهداً كبيراً لإقناع قائد الأمة الرئيس عبد الناصر بإتمامها ولربما غيرت في حالة إتمامها من مسار الأحداث في المنطقة العربية. كان الرئيس عبد الناصر متردداً بالقيام بتلك الزيارة كما صرح في حينها أنه لكثرة الطعنات التي تلقاها من البعث السوري ومناوراته فإنه يخشي من أن زيارتنا له هي مناورة تكتيكية أخري وهو ما نفيته ودحضته فمال الي تصديقي أو أقنع نفسه بذلك لإنقاذ ما يمكن إنقاذه لكي لا يكون بديل الوحدة جحيم الشقاق والاقتتال.كان هذا ما تسعي اليه القيادة السورية ولجنتها العسكرية السرية للانفراد والاستحواذ بحكم سورية رافعة الشعار اليساري بظاهره الانتهازي الانفصالي في واقعه ألا وهو شعار حكم الحزب الذي يعني اول ما يعني عملياً وواقعياً عدم قيام الوحدة وهي أول أهداف البعث ربما لحين ظهور المهدي المنتظر عجل الله فرجه. وهذا ما حصل فعلا بعد أحداث تشرين الثاني (نوفمبر) في بغداد حيث دُفنت بعد تلك الأحداث مشاريع الوحدة علي ما يبدو الي الأبد. بن غوريون يستنجد بالرئيس جي إف كينديولم تقدر تلك الزمرة في سورية أو العراق المعشعشة في حزب هدفه الأول تحقيق وحدة الأمة ذلك الهدف المقدس الذي ناضل العرب من أجله طويلاً وتحقق مرتين الأولي في شباط (فبراير) 1958 والثانية في 17 نيسان (ابريل) 1963، فوضعت مصالحها الفردية والانتهازية والصبيانية الضيقة فوق مصالح الأمة وأهداف الحزب وعشرات الألوف من الشهداء في المغرب والمشرق فسعت حثيثاً لوأد ميثاق السابع عشر من نيسان (ابريل) الوحدوي الذي وحد عواصم الأمويين والعباسيين والفاطميين. ان تلك العناصر بانتهاجها تلك السياسة التي ماثلت وتطابقت مع سياسات قاسم والحزب الشيوعي وعصابة الانفصال في سورية ومخططات الدول الكبري الطامعة وأولها تكريس الاحتلال الاستيطاني الصهيوني لفلسطين العربية. ولمن أصاب العمي بصره وبصيرته ولأجيال الشباب العربي الذي عاش بعد تلك الأحداث أشير الي ما نشرته جريدة القدس العربي الغراء قبل سنين عن كتاب أمريكي حول سعي إسرائيل الي الحصول علي القنبلة الذرية ومستنداً علي الوثائق الأمريكية والإسرائيلية. ويذكر الكاتب فيه أن يوم توقيع ميثاق نيسان الوحدوي بين مصر وسورية والعراق كان يوماً أسود في إسرائيل ونزل كالصاعقة علي يافوخ بن غوريون فهاتف الرئيس جون كنيدي وقال ما نصه يا سيادة الرئيس ان اسرائيل تختنق الآن فقد تمكن الرئيس عبد الناصر وحلفاؤه مرة أخري من توحيد ثلاثة دول، وعما قريب ستحيط جيوش هذه الدول بدولة إسرائيل ولا قدرة لنا علي صدها . ويقول الكاتب مستنداً علي الوثائق الأمريكية أن الرئيس جون كنيدي طمأن بن غوريون وهدأ من روعه وثم شحن الي إسرائيل فوراً كتائب صواريخ هوك ، وكانت من أحدث ما في ترسانة الحرب الأمريكية تلك الأيام. فرية القطار الأمريكييجب الإقرار بعد كل ما تقدم أن عارف لم يتطرف بالقول والافتراء أو الاختلاق الدعائي التشهيري في حملته علي البعث وحركة شباط مثلما فعل الحزبيون الملتزمون !! فأطلق أحدهم أو بعضهم فرية أنهم وصلوا الي السلطة بقطار أمريكي لا وجود له إلا في نفوسهم المنهارة وشخصياتهم المهتزة وبذلك فقد خانوا حزبهم الذي ادعوا الحرص عليه وحركة شباط مرتين وصدق الأستاذ ميشيل عفلــــق عندما وصفهم بالأطفال الأشرار في خطابه بالمؤتمر القطري الثامن الذي كرسه لفضح أعمالهم المشـــــينة في العراق ويساريتهم الزائفة، علما ان تلك الفــــرية، او الكذبة الكبري لم يطلقها حتي اعتي خصوم البعث وحركة الثامن من شباط (فبراير)، ولم اسمعها من احد الي يومنا هذا ونشرت علي المـــلأ جميع الوثائق السرية للدول الكبري الغربية والشرقية ولم تحو علي ذرة او معلومة عن تلك الفرية الفاجرة، عدا ما نسب لمجموعة الاطفال الاشرار، بعد ان طـــــردهم الحزب واستغنت عن خدماتهم اللجنة العسكرية الســــرية في سورية، ومن يومها اضحي هؤلاء في كل واد يهيمون ويفعلون عكس ما كانوا يقولون ويدعون….. سامحهم الله جميعاً. 7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية