وما آفة الأخبار إلا رواتها من أوراق حازم جوادہ: حركة 8 شباط المغدورة بين الحقائق والتشويه (14)

حجم الخط
0

وما آفة الأخبار إلا رواتها من أوراق حازم جوادہ: حركة 8 شباط المغدورة بين الحقائق والتشويه (14)

ميشيل عفلق أوصي بانتخاب طالب شبيب لعضوية القيادة القومية بعد تصفيته للركابي والريماويكان غريبا عن الحزب وكان الحزب غريبا عنه والركابي ندم علي مطب تعيينه شبيب في القيادة القطرية وما آفة الأخبار إلا رواتها من أوراق حازم جوادہ: حركة 8 شباط المغدورة بين الحقائق والتشويه (14)بعد اكثر من اربعين سنة علي وقوع حركة شباط المعروفة في التاريخ العراقي (1963) قرر حازم جواد قائد هذه الحركة وأحد الرموز المهمة فيها العودة اليها، ووضع النقاط علي الحروف. ويقدم جواد عرضا تاريخيا للاحداث وتقييما للشخصيات التي لعبت في هذه الحركة والظروف العراقية والاقليمية. وهي شهادة مهمة لانها تصدر عن واحد من اهم صناع هذه الحركة. وفي هذه الحلقة يتحدث عن شخصية يقول انها مثيرة للجدل، وهي طالب شبيب وعلاقته معه، ورؤيته للاحداث ومشاركة الشبيب فيها. القدس العربي شخصية سادسة مثيرة للجدل: طالب شبيبلم يطرق سمع أحد في حزب البعث فرع العراق اسم السيد طالب الشبيب الا بعد ثورة الرابع عشر من تموز المجيدة بأسابيع، عندما طرح المناضل المرحوم خالد علي الصالح وكان مسؤولا عن تنظيمات البعث جنوب بغداد (الكرادة الشرقية، بغداد الجديدة، تل محمد، سلمان باك) اسم السيد الشبيب ورفيق له هو الأستاذ حسين الحلاق (سوري) القادمين من لندن ومعهم توصية أو ورقة نقل من منظمة الحزب في المملكة المتحدة حيث كانا يدرسان وقد عادا للتو الي العراق ويرغبان في وضع نفسيهما تحت تصرف الحزب وقد وقع شهادة النقل السيد عزيز المشهداني وهو صديق للسيد خالد علي الصالح وكان مسؤولاً أو أحد مسؤولي منظمة الحزب في المملكة المتحدة.وبعد أسابيع من اقتراح المرحوم خالد تقرر انتظامهما في إحدي منظمات الحزب جنوب بغداد المسؤول عنها المرحوم خالد نفسه الذي طوّر علاقة شخصية بهما نظراً لدماثة خلقهما وثقافتهما العامة الجيدة لإقامتهما في المملكة المتحدة لعدد من السنين.ولم نعد نسمع باسم السيد شبيب منذ ذلك الحين بسبب التطورات السياسية المتسارعة في العراق التي أصابتنا باللهاث وتقطّع الأنفاس لمتابعتها أو محاولة فهمها.بعد انتقالي الي سورية وبأشهر وعندما بدأ قاسم يكبح فرامل ماكنة الإرهاب والقتل الجهنمية في صيف 1959 علمت أن الحزب في العراق قد بعث السيد طالب الشبيب الي بيروت للتحضير وحضور المؤتمر القومي المزمع عقده هناك. وقد عجبت للسرعة التي وصل فيها السيد الشبيب لهذه المكانة ولم أجد مبرراً لها الاّ انشغال كوادر الحزب بالمحنة التي مرت علي العراق والحركة القومية منذ خريف عام 1958، علماً بأنني كنت حينها في دمشق عندما بدأت التحضيرات لذلك المؤتمر الذي أراد عقده المرحوم ميشيل عفلق بعد أن وجد نفسه بلا عمل في دولة الوحدة العتيدة وانفضّ رفاق الأمس عن مجلسه بسبب قرار حلّ الحزب ومنع الأعضاء السابقين من أي نشاط ممكن أن تحسبه الأجهزة الأمنية في الجمهورية المتحدة علي أنه نشاط حزبي، الا أن الأستاذ ميشيل عفلق استطاع أن ينال موافقة الرئيس عبد الناصر باستثنائه من قرار الحل وتجميد النشاط الحزبي فللأستاذ عفلق واجبات حزبية قومية في الأقطار العربية الأخري تتطلب منه نشاطاً لا علاقة له بالحزب السابق في سورية. ووافق الرئيس عبد الناصر علي هذا المطلب وأوعز للأجهزة الأمنية السورية بقيادة العقيد عبد الحميد السراج بغض النظر عن نشاطات الأستاذ عفلق ومكتب الاتصال القومي الذي افتتحه في احدي العمارات القريبة من مسكنه وأوكل إدارته الي شخصيتين عربيتين متناقضتين هما سعدون حمادي الهارب دائماً من العراق بلا سبب والدكتور جمال الشاعر المناضل البعثي الأردني وقد رجاني الأستاذ ميشيل عفلق أن أكون ثالثهم فطلبت اعفائي من هذه المهمة لانشغالي بالهم العراقي الداخلي أولاً ولعدم انسجامي للسيد حمادي نفسه الذي وجد له وظيفة في دمشق في حين كان المئات بل الألوف من البعثيين والقوميين يعانون الأمرين أثناء موجة الإرهاب الشيوعي ـ القاسمي. كما كنت لا أريد أن أثير حساسية القيادة في العراق وأمينها القطري لكوني تقدمت باستقالة من عضويتي في القيادة ولم أبلّغ حينئذ بقبولها أو رفضها، وأخيراً اقتنع المرحوم عفلق بحججي وأعفاني من مهمة العمل في مكتب الاتصال القومي الذي لم أدخله قطّ، ثمّ انتقلت الي مدينة دير الزور للمساهمة في الخطة التي وضعت في (ج.ع.م) لدعم الحزب والحركة القومية في العراق.لم ألتق بالأستاذ طالب شبيب في بيروت التي زرتها مرتين أو ثلاثة للاجتماع بالأستاذ عبد الوهاب شميطلي رئيس تحرير جريدة الصحافة الناطقة باسم البعث في لبنان فقد كنت أقوم بتغطية أخبار العراق فيها من دمشق كما أصدرنا عدداً خاصاً منها بمناسبة الذكري الأولي لثورة الرابع عشر من تموز (يوليو) جلب عليها السباب والشتائم من المهداوي وطاقم محكمته التي استأنفت بالنظر في قضية ثورة الشواف بمحاكمة الشهداء الطبقجلي ورفعت الحاج سري ورفاقهما بعد أن توقفت ماكنة الإعدام في ساحة أم الطبول لأسابيع قليلة.تصفية جناح عبد الله الريماويحضر السيد شبيب المؤتمر القومي الثالث الذي عقد في نهاية صيف 1959 مندوباً عن الفرع العراقي ولعجب الكثيرين وأنا منهم فقد انتخب عضوا في قيادة الحزب القومية وهي القيادة التي لم تجتمع لسنين طويلة سابقة، الاّ أن الأستاذ ميشيل عفلق أراد علي ما يبدو تصفية أحد الأجنحة البعثية التي كانت تتحدي زعامته وهو جناح المرحوم الأستاذ عبد الله الريماوي الشخصية السياسية الأردنية البارزة وأمين سر فرع الأردن الذي دخل في خصومة ومنافسة مع السيد عفلق حول الموقف من قيادة الرئيس جمال عبد الناصر التي بدأت علاقتها بالبعث السوري السابق بالفتور والنقد المتبادل وان كان علي نطاق ضيق بينه وبين قيادة الرئيس الناصر. وانتهي ذلك المؤتمر بفصل الأستاذ الريماوي وجماعة من محازبيه، أعقبه انشقاقه علي الحزب القومي وتشكيل حزب البعث القيادة الثورية.قصة صعود طالب شبيبعندما عدت الي بغداد بعد آخر مذبحة لقاسم للضباط القوميين في العشرين من ايلول (سبتمبر) وقبيل التصدي له في شارع الرشيد التقيت بعدها الأستاذ الركابي وسألته عن قصة الأستاذ طالب شبيب وصعوده السريع غير المسبوق في تاريخ الحزب، خاصة أن السيد شبيب لم يكن آنئذ عضوا في المؤتمر القطري للحزب الذي يؤهل صاحبه لشغل المراكز القيادية العليا، فأجاب المرحوم الركابي أنه اضطر لإضافة اثنين أو ثلاثة أعضاء الي عضوية القيادة بعد التطورات المتسارعة في العراق في خريف 1958 وللاستعاضة عن الثلاثة الذين جمدت عضويتهم لهذا السبب أو ذاك ككاتب هذه السطور والسيد علي السعدي وكلانا قد اعتقل وسعدون حمادي الذي فر الي دمشق لأنه لا يتحمّل ظروف العمل النضالي الشاق أو الاعتقال وان المرحوم خالد علي الصالح هو الذي أوصي بترقية السيد شبيب الي هذا المركز العالي في الحزب خارقاً بذلك الأنظمة والتقاليد الحزبية كافة. أما العضوان الآخران فهما السيدان اياد سعيد ثابت ومدحت ابراهيم جمعة وكلاهما من الأعضاء القدامي في الحزب ومن مناضليه المعروفين وهما كذلك من خارج هيئة المؤتمر القطري لكن يشفع لهما ماضيهما الحزبي العريق. ويقول الأستاذ الركابي أنه ندم بعد فترة وجيزة علي هذا المطب الذي أوقعه به المرحوم خالد علي الصالح وأقر بخطئه كنوع من النقد الذاتي وعندما طلب السيد الشبيب في شتاء أو ربيع 1959 وبعد حركة الشواف السفر الي الخارج لعلاج السيدة عقيلته سارع أمين السر بإعطاء الموافقة الفورية له ولم يمانع بعد ذلك حينما فوتح بترشيح الأستاذ طالب بالعمل في بيروت للتحضير الي المؤتمر القومي. وكان أكثر ما يأخذه الأستاذ الركابي علي السيد طالب الشبيب أنه كان يستضيف في بيته، أثناء فترة ما يسمي المد الأحمر عام 1959، فاضل المهداوي وهاشم عبد الجبار وأظن ماجد محمد أمين وهم رؤساء التحقيق والادعاء والمحاكمة في تلك الأيام السوداء من تاريخ العراق قبل وبعد فشل حركة الشواف وما أعقبها.الاّ أن المرحوم طالب شبيب وللأمانة ذكر لي بعد أن واجهته بذلك وبعد أن توطدت علاقتي معه بعد سنين أن الثلاثة المذكورين وربما غيرهم كانوا أصدقاء لخاله العقيد خلف الجنابي وكان يحضرهم معه لقضاء بعض الأمسيات او لتناول العشاء في دار السيد شبيب، وأنه خطرت له فكرة القاء القبض عليهم وخطفهم أو اغتيالهم في إحدي الأماسي وأنه أبلغ الحزب وأمين السر بذلك منتظراً تعليماته واستشهد بعضو القيادة آنئذ المرحوم مدحت ابراهيم جمعة الذي كان صلة الوصل بين السيد شبيب والمرحوم فؤاد الركابي. وللأمانة ايضاً والتوصل الي الحقيقة فقد فاتحت المرحوم مدحت شخصياً بما يقوله السيد شبيب فأكد لي ما رواه طالب لي وانه شخصياً نقل اقتراحه الي الحزب. وقد غادر طالب شبيب العراق بعد أن يئس من استلام التعليمات المطلوبة للقيام بتلك العملية والتي سيكون صداها مدوياً فيما لو تمت. ولم أكتف بمفاتحة الرفيق مدحت فقط وفاتحت الأستاذ عبد الله الركابي مؤخراً الذي كان عضواً في قيادة الحزب آنذاك وباتصال يومي مع أمين السر لكن الأستاذ عبد الله لم يعطني جواباً قاطعاً بالنفي أو الإيجاب.المؤتمر القومي الرابع 1960عندما استلمت مسؤولية الحزب في العراق لم أعد اسمع بأخبار السيد شبيب الذي لم ارتبط به بعلاقة شخصية أو حزبية لحين انعقاد المؤتمر القومي الرابع في بيروت عام 1960 والذي حضرته شخصياً مع وفد كبير نسبياً من العراق. اتفقنا في قيادة العراق أن الوقت قد حان لإنهاء وتلافي الخطأ الذي قام به المرحوم فؤاد الركابي وقيادته بترقية الأستاذ شبيب. فقد كانت هذه النقطة إضافة الي امور أخري تثار ضد الرفيق فؤاد الركابي لكن في الجلسة الأخيرة للمؤتمر وأثناء إعداد البيان الختامي وطرح قائمة القيادة القومية علي المؤتمر للتصويت وكنت جالساً في قاعة المؤتمر أتحدث مع أحد الرفاق اللبنانيين علي ما أذكر جاءني الرفيقان علي السعدي و فيصل خيزران ليخبراني ان نجاح المؤتمر وختامه متوقف علي موقف واحد مني، وعند سؤالي لهما عن هذا الموقف أجابا أنه يتعلق بعضوية الأستاذ طالب الشبيب في القيادة القومية، ونحن نعلم أن قراراً اتخذ بعكس ذلك الاّ ان الأستاذ ميشيل عفلق يطلب بقاءه بجانبه ويلّح في ذلك فيبدو أن الأستاذ كان منسجما تماماً مع الرفيق طالب الشبيب ورجاؤنا لك أن توافق فرفضك لترشيح الأخ طالب سيضعنا ويضع المؤتمر في حرج لا نظن أنك تريده ونحن نتعهد لك ان لا يكون للأخ طالب أي علاقة بشؤون القطر العراقي حاله حال أي عضو من لبنان أو الأردن… الخ. أوضحت لهما أن المسألة ليست شخصية علي الإطلاق مع الأخ طالب واذا كانا والأستاذ عفلق والآخرون راغبين بعضوية طالب فعلي الخير والبركة وفقاً للشرط الذي ذكرتموه بأن لا تكون له علاقة بالشؤون العراقية. وهكذا انتهي الفصل الأول أو الثاني من علاقة الأستاذ طالب الشبيب بقيادات الحزب.عندما عدت لقيادة الحزب مرة ثانية نهاية عام 1961 أسر لي السيد محسن الشيخ راضي أن الأستاذ طالب الشبيب قد عاد الي العراق قبل إطلاق سراحي وأنه أضيف الي القيادة القطرية بطلب و اقتراح من السيد علي صالح السعدي الذي طلب ذلك من القيادة القومية، وأنهما يعملان بانسجام تام، ولم أعلق علي الموضوع اطلاقاً سعياً وراء فسحة من الوقت للتأمل ومراقبة الوضع قبل اصدار حكمي علي هذه التطورات.علمت بعد ذلك أن السيد شبيب استلم مسؤولية المكتب المهني، وهو المكتب المسؤول عن شؤون التكنوقراط في الحزب من أطباء و مهندسين واقتصاديين…الخ، نظراً لدماثة ورواق خلقه ودراسته في الخارج، وقد تعرفت عليه بصورة أكثر منذ بداية عام 1962 وعمل معي بانسجام تام واحترام و محبة متبادلة وكان متحمساً للتغيير ورافقني مرات عدة لاجتماعات المكتب العسكري الهامة وقد أحبّه العسكر لسعة صدره واعتماده علي الحوار الهادئ وحسّ الدعابة لديه ولا بد أن أشير الي أن أفراد عائلته جميعاً ارتبطوا بالحزب كأعضاء أو أنصار وكانت دارهم في العطيفية بجانب الكرخ أشبه بمقر للقاءات واتصالات قيادة الحزب.رافقني طالب مرة أو مرتين لزيارة عبد السلام عارف فقد وجدت من الضروري أن يتعرف أحدهما علي الآخر وكان الإعجاب متبادلاً بينهما طالب لحصافته وحذقه وعارف لشجاعته وصموده وانضباطه.طالب ينقذني من رجال الأمنقبل أسبوع أو أكثر من تنفيذ حركة شباط (فبراير) قام طالب بعملية إنقاذ شاقة و سريعة لي من الوقوع في قبضة رجال الأمن والتي لو تمّت لما حدثت حركة شباط (فبراير) بعد أن كبست الأجهزة الأمنية دارهم والقت القبض علي من فيه بمن فيهم إثنان من أشقائه هما المهندس بهاء الشبيب و الضابط بالسلاح الجوي عماد الشبيب. كنت يومها في طريقي لعقد ندوة لعناصر مختارة من الحزبيين في قاطع الكرخ وفي بيت المناضل البعثي صباح محمد يحيي الذي لا يبعد كثيراً عن دار السيد شبيب. عرجت في طريقي علي بيت طالب وأوقفت سيارتي التي استعرتها من مكتب الطلبة والاتحاد الوطني وتركت أوراقي في الدار علي أن أراه بعد ساعتين حال انتهاء الندوة. خرج المرحوم من داره لشأن خاص وعاد بعد أقل من ساعة وركن سيارته في الشارع كعادته لكنه انتبه الي أن الأجواء داخل الدار لم تكن طبيعية، فأسرع في مشيته متجنباً الدار والنظر اليه واتصل بمنزله من أقرب تلفون في المنطقة وتيقّن من الصوت الغريب وأجوبته أن الدار قد كبست وان كمينا نصب بداخله وكان عليه أن يقوم بمهمة واحدة فقط وهي العثور علي قبل أن أتوجه الي دارهم، لكنه لا يعرف موقع الدار الذي أنا فيه ولا اسم صاحب الدار ولا حتي أي بعثي في المنطقة فالأستاذ طالب قليل الاحتكاك والعمل والاتصال بقواعد الحزب ومنظماته وظل الي الأخير غريباً عن الأجواء الحزبية والمنظمات الحزبية غريبة عنه بالمقابل. كان طالب يحسب الوقت بالثواني تلك الليلة لأنه يعلم علم اليقين أن جميع خطط التغيير التي تم وضعها واستنزفت منا ومن الحزب ذلك الجهد و المشقة والتضحيات معرضة الآن لخطر الفشل والضياع وربما الانكشاف. عندها تذكر بالكاد منزل المرحوم جعفر قاسم حمودي الذي يعمل بمعيتي فلم يضيّع وقتاً وأوقف سيارة تاكسي للبحث عن دار الأستاذ جعفر الكائن في الأعظمية عبر نهر دجلة. ولم يكن جعفر متواجداً الا أن شقيقه السيد سعد قاسم حمودي العضو النشط في الحزب والذي يرتبط معي بعلاقة حزبية خاصة كأحد خطاطي جريدة الاشتراكي استطاع ومن باب الاحتمال ان يحدد البيت المتواجد فيه فعاد طالب وسعد الي منطقة العطيفية.كنت علي وشك الانتهاء من مهمتي و أجبت علي أسئلة الحاضرين عندما نودي علي صاحب الدار الرفيق صباح محمد يحيي من قبل أهله وعاد بعد دقيقة ليهمس لي أن طالب وسعد يريدانني لأمر هام. كان الأمر لغزاً لي فليست هناك أية علاقة بين سعد وطالب فأسرعت للقائهما عند عتبة الدار وكان الارتباك واضحاً علي الإثنين وأنبأني طالب بما حدث واستلمت الأخبار بهدوء لكي لا تشي حالتي للرفاق المجتمعين واستأذنت منهم بضرورة تركي للاجتماع لامر عاجل.مازلت أذكر الوضع النفسي للأخ طالب تلك الليلة فقد كان أشبه بالطفل الذي ضاع في الزحام ثم عثر علي أمه فهو لا يصدق أنني بخير وسلام وليس في قبضة رجال الشرطة. أحصينا خسائرنا التي من الممكن ان تنتج عن التقارير المكتوبة التي تركتها في دار طالب ولم يكن فيها اي شيء نافع للسلطات حول العمل الحاسم وانما هي مجرد تقارير إخبارية عن المناطق وبعض المحافظات والعمل الروتيني في الحزب، لكن طالب شك أن الرقم التلفوني (22925) المسجل في قائمة التلفونات المعلقة قرب التلفون ربما قد وقع في أيديهم وهذا الرقم يعود الي أهم أعضاء المكتب العسكري وهو المرحوم عبد الستار عبد اللطيف ولم نضيع وقتا فانتقلنا فورا الي منطقة الصليخ حيث يسكن عبد الستار وقد تجاوزت الساعة منتصف الليل، وكان ستار نائماً وخرج لنا بملابس النوم وهو في مثل هذه الحالات تكون ردود فعله باردة وهادئة علي العكس من طبعه الناري، وطلبت منه مغادرة داره فوراً والانتقال الي دار أخري لكنه رفض وقال إن النظام يلفظ أنفاسه وهو في طريقه الي مزبلة التاريخ والسلطة الأمنية تحتاج الي وقت لتحليل ما وجد في البيت علي افتراض أن رقم التلفون كان هناك، فاضطرني عبد الستار لأن أصدر له أمراً بمغادرة البيت فبعد الذي حدث في بيت طالب لست مستعدا لأخبار محبطة أخري. وجد ستار حلاً وسطاً وذلك بقضاء ما تبقي من ساعات الليل في بيته والانتقال الي دار أحد أخوته في الصباح الباكر وسيترك عنوانه مع السيدة عقيلته أم صلاح وهو ما تم بالفعل لحين قيام حركة شباط (فبراير).أقام طالب معي في داري بمدينة اليرموك وكنا ننام علي سرير واحد وشارك معي ببعض اللقاءات الليلية خشية من خروجه نهاراً وقد اكتشفنا بعد نجاح حركتنا واعتقال قادة وكوادر الحزب الشيوعي أن داري كانت مراقبة من قبل الحزب الشيوعي العراقي وكانت التقارير ترفع من بنات جارنا عن كل ما يمكنهن الحصول عليه من معلومات الي سكرتير الحزب مباشرة وتم اعتقال المخبرة أو المخبرتين وتوسطت والدتي الحاجة أم كاظم لإطلاق سراحهن وهو ما تم فعلا. وتلك دلالة علي سعة شبكة الاستخبارات والمعلومات المنظمة للحزب الشيوعي.اندفع طالب للعمل بزخم أكبر بعد حادث كبس داره وقرر بصورة نهائية المشاركة في عملية السيطرة علي معسكر ابو غريب وفرحت كثيرا لذلك وسألني يوم السابع من شباط (فبراير) عن كيفية الانتقال من دارنا الي ابو غريب الذي لا يبعد كثيراً عن دارنا فقد فَقد هو سيارته الأوبل وصادرها رجال الأمن أما سيارة الاتحاد الوطني الزودياك التي استعملتها لأيام قليلة فقد صودرت هي الأخري ولم نعد نملك الاّ سيارة مطبعة الحزب البليموث وقد خصصت لنقل الرشاشات من مخازنها الي طريق ابو غريب لتنتظر هناك قبل ربع ساعة من التنفيذ، ويكون المسؤول عن العملية الرفيق نجاد الصافي ليقوم بتوزيع الأسلحة علي مجموعات زمر التنفيذ العسكرية. وقد أجبت طالب علي سؤاله أن هناك حلّين لانتقالنا الي أبي غريب إما مشياً علي الأقدام أو استئجار سيارة تاكسي. أجابني طالب انه يرفض المشاركة بدون سيارة خاصة وأنني أغرب شخصية التقي بها أو قرأ عنها في الكتب: فها إنك تجند الناس عسكراً و مدنيين للقيام بانقلاب علي أعتي نظام دكتاتوري في المنطقة وأنت لا تملك حتي سيارة للتنقل فأرجوك أن تؤمن لنا سيارة أحد الحزبيين وتستعيرها منه. وهذا ما تم فعلاً فقد تبرع لنا الدكتور فائق البزاز بسيارة عائلتهم وركنها في دارنا ليلة 7ـ 8 شباط (فبراير).حضر معي الأستاذ شبيب لقائي الأخير بقيادة بغداد المدنية ورغم ثقتي بنجاح الحركة فقد عينتهم كقيادة قطرية للحزب إذا ما فشلت الحركة أو كشفت وأوصيتهم خيراً بعوائلنا وعوائل العسكريين وقد تركت لهم مبلغ 540 ديناراً عراقياً هي كل يملكه حزب البعث العراقي تلك الليلة أمانة عند أم كاظم . قبلتهم جميعاً وافترقنا بعد أن توضحت لهم واجباتهم نهار اليوم التالي وقاموا بتنفيذها بمستويات تصل الي حدّ الكمال.غادرت داري برفقة الأستاذ طالب ورافقنا الضابط المرحوم رياض قدو كمرافق والذي أبلغته قبل خروجنا من دارنا بدقيقتين أن العمل الحاسم بعد نصف ساعة من الزمن وطلبت من طالب أن يسوق بنفسه السيارة لأتفرغ للمراقبة ومررت بسيارة الأسلحة وهي في وضعها المطلوب، وتوقفنا لثواني لسؤال نجاد عن الموقف فقال انه وزع معظم حصص زمر التنفيذ وبقيت لديه حصتان فقط فطلبت منه العودة الي منطقة الأعظمية فور تسليمه الحصتين.شارك طالب بجميع الفعاليات ابتداء من الساعة التاسعة، وقد كرر بعدي إذاعة بعض البيانات والنداءات وكان يستلم الميكرفون عندما أترك محطة الإرسال لاستطلاع الوضع وإعطاء التعليمات لقادة التنفيذ.كان طالب يحمل مسدساً ذلك اليوم وقال لي انه سيطلق النار علي نفسه في حال الفشل فهو لا يطيق الاعتقال والتعذيب … الخ.قصة البيان 13شارك طالب بجميع القرارات التي اتخذت في دار الإذاعة بالصالحية وكان سريع المبادرة لكنه ارتكب خطأ واحداً ولم يستمع الي نصيحتي وظل نادماً عليه لسنين طويلة قادمة وهو تحرير بيان رقم 13 .كانت بعض الجيوب التي سميت مقاومة تطلق الرصاص في بعض المناطق من بغداد فتردّ قوات الجيش بأضعاف المرات وبردود فعل غير متوازنة. ويبدو أن الحزب الشيوعي استطعم هذا التكتيك للإيماء لجماعتهم ولقاسم المحصور في ثكنته ورجال الإعلام أن هناك مقاومة حقيقية لحركة الانقلاب ثم وصلت معلومات عن طريق الجيش أن قاسماً قام باتصالات في ليل الثامن من شباط (فبراير) بكتيبة دبابات خالد لمحاولة تحريكها وهو لا يعلم أن هذه الكتيبة انضمّت الي الحركة وسيطر الضباط الصغار البعثيون والقوميون علي مقرها.وتوصل العسكر الي تقييم أنه ما دامت هناك المقاومة المضخمة وردود الفعل غير المتناسبة من قبل قواتنا فان قاسم سيبقي في مقره متشجعاً علي المقاومة ورافضاً الاستسلام. لذلك فعلي قيادة الحركة المجلس الوطني لقيادة الثورة إصدار بيان انذاري نهائي الي الشيوعيين بانهاء المقاومة فوراً وإلا فان اجراءات قاسية وبضمنها اطلاق النار الفوري وبدون إنذار مسبق علي كل من يقاوم أو يحاول المقاومة أو يخرق نظام منع التجول وما الي ذلك من تفاصيل لا أتذكرها الآن. انشغلت بأمور أخري لدقائق وبعدها وجدت البيان جاهزاً وهو الذي يحمل رقم 13 ومنشئه الأستاذ طالب الشبيب والذي يذكر اسم الشيوعيين صراحة في البيان فاقترحت شطبها واحلال كلمة الفوضويين مكانها وهو المصطلح الذي كان يستخدمه قاسم وصـــحافته لوصف الشيوعيين وأصبح هذا المصطلح يعني شـــعبياً ورسميا منذ شهر حزيران (يونيو) 1959 بعـد الركلة الأولي للحزب الشيوعي من قبل قاسم.الا أن الأخ طالب رفض وبعناد علي العكس من طبعه المعتاد، تغيير تلك الصفة وقال امام جميع الحضور يجب أن يكون واضحاً لقيادة الحزب الشيوعي دونما لبس أو إبهام أنهم هم وحدهم المعنيون وكذلك الجيش والشعب العراقي وكان جميع الحاضرين في صف طالب. أذيع البيان كما أعدّه السيد شبيب ولم يقدم أو يؤخر في الواقع وعلي الأرض فاستمر التكتيك الشيوعي برمي الإطلاقات بهدف أو بدونه ترد عليها مئات الإطلاقات من رشاشات الدوشكا العسكرية واستمر الوضع علي حاله حتي اليوم التالي وإعدام قاسم.ظلت أجهزة الإعلام الغربية والشرقية علي وجه الخصوص تقيم الدنيا ولا تقعدها علي بيان الإبادة هذا كما وصفوه والذي لم يرفع عدد ضحايا المقاومة أو الثوار علي الإطلاق فقد أذيع بعد الساعة الثامنة مساء، وكان نظام منع التجول مفروضاً وما سميّ مقاومة كانت جيوباً معزولة هنا وهناك. أما منطقة وزارة الدفاع فقد توقف القتال فيها نهائياً بعد غروب الشمس يوم الثامن من شباط (فبراير) واستؤنف بعد الساعة السابعة صباح يوم التاسع بعد أن خرق قاسم اتفاق الهدنة واستشهاد الرائد محمد علوان الضابط في الانضباط العسكري وعدد من جنوده فانفتحت أبواب جهنم علي حصنه مجدداً حتي استسلم.ہ أمين سر القيادة القطرية الأسبق ورئيس المجلس الوطني لقيادة الثورة الأسبق7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية