وما آفة الأخبار إلا رواتها من أوراق حازم جواد: حركة 8 شباط المغدورة بين الحقائق والتشويه (16)

حجم الخط
0

وما آفة الأخبار إلا رواتها من أوراق حازم جواد: حركة 8 شباط المغدورة بين الحقائق والتشويه (16)

رفضت كل حجج طالب لقبوله منصبا في لندن.. واعلنت انتهاء علاقتي به واعتبرت فعله تخلياً عن الحزبقصة الإذاعة السرية المفبركة التي كشف عنها الملك حسين لهيكل والتابعة لوكالة الاستخبارات الأمريكية وما آفة الأخبار إلا رواتها من أوراق حازم جواد: حركة 8 شباط المغدورة بين الحقائق والتشويه (16)بعد اكثر من اربعين سنة علي وقوع حركة شباط المعروفة في التاريخ العراقي (1963) قرر حازم جواد قائد هذه الحركة وأحد الرموز المهمة فيها العودة اليها، ووضع النقاط علي الحروف. ويقدم جواد عرضا تاريخيا للاحداث وتقييما للشخصيات التي لعبت في هذه الحركة والظروف العراقية والاقليمية. وهي شهادة مهمة لانها تصدر عن واحد من اهم صناع هذه الحركة. وفي هذه الحلقة يتحدث عن شخصية يقول انها مثيرة للجدل، وهي طالب شبيب والفصل الاخير في العلاقة، كما يتحدث عن مقابلة الملك حسين التي اجراها معه محمد حسنين هيكل، ويرد علي بعض المعلومات التي وردت في كتاب هاني الفكيكي اوكار الهزيمة . القدس العربي بدأ طالب شبيب يضيق ذرعا بالذي يجري حولنا وهو غير معتاد علي هذه الأجواء من رقابة واقامة اجبارية ومنع السفر يضاف الي ذلك الهجوم الدائم عليه من قبل الحزبيين في العراق وفي سورية بدرجة اقل.وقد جاءه الفرج عندما عين عبد السلام عارف الأستاذ المرحوم عبد الرحمن البزّاز رئيساً للوزراء بعد فرار عارف عبد الرزاق الي القاهرة. وقابل طالب البزّاز ليثير معه مسألة حجزنا الغير مبرر وقد وعده المرحوم البزاز خيراً فعين بعد شهر أو أكثر شقيق المرحوم طالب المهندس بهاء الشبيب المنفي هو الآخر الي القاهرة بوظيفة في بغداد وأصدر له جواز سفر نافذا وقد احتجّ عارف علي تلك المبادرة من رئيس وزرائه الجديد. الا أن المرحوم البزّاز كان رجلا يعتد برأيه ويدافع عنه وهو رجل قانون وقد قطع وعدا لطالب فضرب عرض الحائط باعتراضات رئيسه عارف الذي غدا وحيداً في قصره تلك الأيام.اقترح البزّاز أثناء زيارة أخري الي القاهرة علي طالب ان من الأفضل معالجة امر الثلاثة الباقين وهم (طالب, عماش، وأنا) كل علي انفراد وعلي فترات متباعدة لتجنب إثارة عارف الذي أصابته حمي البارانويا حتي أصابت شكوكه أهل بيته والمقربين منه فاقترح البزّاز علي طالب أن يعيّنه مديراً لمكتب الجامعة العربية في لندن عندها تغلب الضعف الإنساني في شخصية طالب مرة أخري علي التزاماته السياسية والحزبية فوافق فوراً علي عرض المرحوم البزاز.ولم أوافقه علي ذلك فقد كان المئات من أعضاء الحزب وأنصاره من عسكريين و مدنيين يقبعون في معتقلات عبد السلام عارف وعلي طالب أن يقدر ردود أفعالهم عند سماع خبر تعيينه حتي وان كان المنصب يتبع جامعة الدول العربية، خاصة أن طالب لا يتمتع بشعبية داخل الجهاز الحزبي في العراق وهو ظلّ غريباً عنه حتي رحيله. كما ان المنصب المعروض عليه لا يليق برجل مثله ساهم في حدث الثامن من شباط (فبراير) وتسلم منصب وزير خارجية العراق. وقد رفض طالب جميع حججي وكنت آمل أن يغير موقفه في قادم الأيام. في هذه الأثناء قضي الرئيس عارف بحادث الطائرة وحلّ محله شقيقه الوديع عبد الرحمن عارف. عندها توقع الجميع أن ينتهج عبد الرحمن عارف سياسة جديدة لا ترتبط بسياسات شقيقه الانفعالية والانتقامية الصبيانية وقطعاً تصبح عودتنا واجبة.سافر طالب الي بغداد بعد ذلك لاستلام أمر تعيينه وعاد ليقنعني مرة أخري بصواب رأيه وأخبرني أنه قابل السيد أحمد حسن البكر وقد وافق وبارك البكر منصب طالب الجديد ولم يكن طالب صادقاً في ذلك فعند عودتي بعد شهرين أو ثلاثة والتقيت بالبكر فسألته عن موافقته والحزب المزعومة لطالب فأنكر حتي رؤيته لطالب وقال إن شقيقته حضرت وأخبرته بالقصة، وقال لي: يا حازم أنا متعود علي استلام الأوامر والتعليمات منكم وها ان طالب يرسل شقيقته لي بطلب الموافقة فماذا عساني ان أقول له غير انه هو الذي يقدر الموقف الذي وضع نفسه فيه وعلي الخير والبركة.حاول المرحوم طالب شبيب إقناعي بموقفه للمرة الأخيرة قبل مغادرة القاهرة الي لندن فجاء الي شقتي بمعية الصديق العقيد حسن النقيب وشقيقه الأصغر المرحوم صلاح الشبيب في محاولة لانتزاع موافقتي التي لم أمنحها له ورددّت أمام الجميع المثل العراقي هذا حدّنا وياكم ، واعتبرت قبوله هذا المنصب الصغير اهانة لنفسه قبل غيره وهي في اعتقادي خيانة للبعثيين القابعين في السجون وما زال حسن النقيب يتذكر ذلك اللقاء. كما أبلغت طالب أن علاقتي السياسية قد انتهت معه منذ ذلك اليوم من أيام شهر ايار (مايو) عام 1966 وسأعلن عن ذلك عند سؤالي من أي جهة في العراق أو خارجه. وقد سمح الرئيس عبد الرحمن عارف بعودتي الي العراق بعد سنتين ونصف علي اقامتي في القاهرة، وحينها بعثت برقية الي قائد الأمة ورئيس العربية المتحدة جمال عبد الناصر شكرتُه فيها علي حسن ضيافتة ورعايته واعربت عن أملي في أن تبقي جمهوريتنا العربية المتحدة قلعة باسلة للوحدة والحرية والإشتراكية وكان غرضي من تلك البرقية أن لا يشعر الرئيس عبد الناصر انني كنت غاضباً من معاملة الأجهزة ومراكز القوي لنا وما جري للسيدة الوالدة من اعتداء صارخ اثار ضجة في وقتها حتي بين الناصريين المتواجدين في القاهرة، كالعقيد جاسم علوان والمقدم اكرم الصفدي والصديق محمد كبول وطلعت صدقي وآخرين من الأجهزة المصرية نفسها وسفير العراق الصديق رجب عبد المجيد، فلهم مني التقدير والمحبة والرحمة للراحلين منهم والاحياء.قام الأستاذ طالب الشبيب مراراً وتكراراً بمحاولات تسعي إلي إعادة شكل من أشكال العلاقة السياسية معي، ولم أتجاوب إطلاقاً مع محاولاته تلك لكنني احتفظت بعلاقتي الشخصية به وبعائلته، رغم أن النظام الجديد بعد انقلاب السابع عشر من تموز (يوليو) حاول استخدامه ضدي لكنني لم التفت الي تلك الصغائر ولي في ذلك أسوة بأبي الطيب المتنبي حيث يقول:وتَعظمُ في عين الصغير صغارها وتصغر في عين العظيم العظائمُالمشاركة في القطار الأمريكيعُين السيد شبيب في مراكز مختلفة هو وأشقاؤه في السنين الأولي من انقلاب 17 تموز (يوليو) ثم أقام في نيويورك وانقطعت أخباره عني لسنين وانضم بعد ذلك لما يسمي قوي المعارضة العراقية وشدّ الرحال الي صلاح الدين لحضور مؤتمر المعارضين الذين جندتهم دوائر الاستكبار الاستخباراتية من كل فجّ عميق للتهيؤ لغزو العراق وانتخب في قيادة ما سمي المؤتمر الوطني العراقي بقيادة السيد أحمد الجلبي، ثم دخل معارك حامية بعدها لأسباب مجهولة مع الجلبي ونائبه المرحوم هاني الفكيكي فقد نقلا ـ شبيب والفكيكي ـ عداواتهما السابقة في حزب البعث الي المؤتمر الوطني العراقي بنفس الحدة والشراسة لكنهما ظلا في قيادته حتي توفاهما الله علي التوالي في عامي 1996 و1997 فلهما المغفرة والرحمة.طالب الشبيب وإيليا زغيبسمعتُ للمرة الأولي باسم السيد إيليا زغيب عندما كتب الأستاذ محمد حسنين هيكل أمده الله بالصحة والعافية والعمر المديد في إحدي مقالاته الاسبوعية المشهورة بعنوانها بصراحة التي يكتبها في عدد الأهرام ليوم الجمعة ودأب علي كتابتها منذ عام 1956 لحين تركه مؤسسة جريدة الأهرام بعد حرب تشرين الاول اكتوبر .وقد اشتدت في حينها حملة الإعلام في مصر علي البعث بصورة عامة والبعث السوري بصورة أخص منذ بدأت انحرافات تطبيق ميثاق 17 نيسان (ابريل) الوحدوي وتصاعدت تلك الحملات حتي وصلت الذروة غداة فشل المحاولة الانقلابية للعقيد جاسم علوان وما أعقبها من قمع دموي لعناصرها اتهم الرئيس عبد الناصر وأجهزته بتدبيرها، لكن الأيام فضحت أن المدبرين والمحرضين والمستدرجين لها هم أحد أجنحة القيادة السرية العسكرية في سورية لتوريط بعض الضباط الموالين للرئيس عبد الناصر فيها لإلقاء تبعات فشل ميثاق الوحدة الثلاثية علي قيادة عبد الناصر ولتستأثر القيادة السورية بحكم سورية لوحدها بعد أن تدفن مشاريع الوحدة. غني عن القول ان في كل حملة إعلامية في مثل تلك الظروف يختلط الغث بالسمين والانفعال بالهدوء والطيش بالحكمة. فدارت ماكنة الإعلام العربية مصر علي مدار الساعة في هجوم غير مسبوق وغير عادي علي حزب البعث وأفكاره وتاريخه وقادته وشملت الحملة البعث في سورية بالدرجة الاولي ويليها البعث العراقي وبعد أن كان الرئيس عبد الناصر سقاه الله وطيّب ثراه يميز بين الفرعين فإنه دمجهما بعد أحداث يوم 18 تموز (يوليو) الدامية في دمشق وردّاً علي شعار البعث البعث واحد لا بعثان ، في مثل تلك الأجواء المشحونة قابل الأستاذ محمد حسنين هيكل المرحوم الملك حسين في مدينة باريس وفي فندقها الكريون المشهور حيث أجري المقابلة معه بعد طول حرب وانقطاع بين الملك حسين والرئيس عبد الناصر وهي المقابلة التي اصابت بالذهول والدهشة جميع الأطراف المتصارعة في مصر وسورية والعراق. ويبدو أن الرئيس عبد الناصر بدأ يتهيأ لحرب طويلة مع البعثين في سورية والعراق بعد انسحابه من ميثاق 17 نيسان (ابريل) أو أنه بدأ يهيئ المسرح لعقد مؤتمر القمة العربي بعد طول توقف لبحث محاولات اسرائيل تحويل نهر الأردن. الا انني أرجح الاحتمال الأول بسبب المقالات النارية المؤججة للاقتتال التي كان يكتبها الأستاذ هيكل ونردّ علي بعضها بـ حديث الخميس الذي يكتبه الأستاذ طارق عزيز بالتشاور مع القيادة.وما يهمنا الآن هو المقالة التي تحدث فيها الملك حسين للأستاذ هيكل وأظنها كتبت في شهر آب (اغسطس) إذا لم تخني الذاكرة وخلاصتها ان الملك حسين كان مرتاعا مما يجري في بغداد منذ الإطاحة بقاسم وهي تشي بطريقة غير مباشرة كم كان قاسم أثيراً عند تلك الأنظمة، وأطلع الملك حسين الأستاذ هيكل علي سر يبدو أنه لا يعرفه أحد غيره وهو أنه كانت هناك إذاعة سرّية تتبع وكالة الاستخبارات الأمريكية تذيع يوم الثامن من شباط (فبراير) الرابع عشر من رمضان بيانات الي قادة الحركة بأسماء وعناوين قادة الحزب الشيوعي العراقي وكوادره فتقوم قيادة حركة شباط (فبراير) باعتقال هؤلاء أو اعدامهم، ويبدو أن استاذنا هيكل نقل أخبار هذا الاكتشاف الملكي وفق القول المأثور ناقل الكفر ليس بكافر وإلا هل يعقل انسان أن إعلامياً كبيراً بحجم الأستاذ هيكل يدير أضخم مؤسسة إعلامية في العالم العربي آنئذ وقريب جداً من صانع القرار العربي الرئيس عبد الناصر لا يعلم بهذه المعلومة السرّية للغاية وينقلها كما هي من المرحوم الملك حسين الذي حاول ان يتقمص شخصية احد بقادة الكومنترن أو الشيوعية الدولية؟ ولماذا لم يسمع الشيوعيون العراقيون بهذه الإذاعة كما سمعناها نحن ويهربون ويختفون، ولماذا لم تفضحها أجهزة التنصت السوفييتية؟ بل لماذا لم يسمعها الأستاذ هيكل نفسه وهو المتابع للأخبار علي مدار الساعة. وليتصور القارئ العزيز بأننا كنا في أبو غريب أو الصالحية وأزيز الرصاص من حولنا وهدير الدبابات ومدافعها يصمّ الآذان نضع السماعات Head Phone علي آذاننا لنلتقط تلك الإذاعة القادمة من المريخ ولعلم القراء الأعزاء أنه لم يجر اعتقال أي شيوعي عضواً أو مناصراً لا في يوم الثامن أو التاسع والعاشر وحتي اليوم العشرين من شباط (فبراير) عندما انهار الشخص الثاني في الحزب الشيوعي وقام بخيانة حزبه ورفاقه. انتقل الملك حسين بعد تزويد الأستاذ هيكل بهذا الخبر الدسم الي اكتشاف آخر وهو أنه علم أن هناك في بغداد شخصية جامعية لبنانية تعمل مع وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية وهي تنشط حالياً في بغداد تحت غطاء التدريس، وتقوم بمهمات أخري مع بعض قادة النظام العراقي وهنا أيضاً نصب المرحوم الملك حسين من نفسه مطاردا وصائدا لعملاء وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية!!!قصة الفكيكي المفبركةوقد استمعت قبل أسابيع للأستاذ هيكل في مقابلة مع قناة الجزيرة بأن الأستاذ هيكل يعتقد كما قال أن الملك حسين كان ينقل أخبار الجبهات العربية وقرارات صناع القرار العربي وخاصة أثناء حربي حزيران (يونيو) و تشرين الاول (اكتوبر) الي العدو الصهيوني كما ورد في تقرير اغرانات ومذكرات عزيرا .أثناء إعداد الردّ علي مقالة الأستاذ هيكل مع الأخ طارق عزيز سألت المرحوم طالب الشبيب إن كان عرف أو سمع باسم السيد إيليا زغيب الذي يعيّرنا به الملك حسين بواسطة الأستاذ هيكل، فأجابني أنه يعرفه عندما كان مقيماً في لبنان ويعمل هناك بمعيّة الأستاذ ميشيل عفلق وأن السيد زغيب كان صديقاً حميماً لعفلق وبعض قياديي حزب البعث في لبنان وعندما وصلت الأنباء من دمشق الي بيروت أن أمراً ما يدبّر ضد الأستاذ عفلق وكان ذلك قبيل جريمة الانفصال ـ ولم يكن ذلك صحيحاً أو معقولاً ـ فإن ميشيل عفلق قضي اسبوعاً علي ما أظن في دار السيد زغيب للاختفاء واستهزأ السيد شبيب باتهام زغيب الوارد في مقالة الأستاذ هيكل. ونسيتْ جميع الأطراف بعد ذلك قصة هذا الطنطل كما نقول باللهجة العراقية الي أن أصدر السيد هاني الفكيكي كتابه الموسوم بـ أوكار الهزيمة ولا أعلم هدف السيد هاني من تلك التسمية فبيوتنا كانت بيوت الجهاد والنضال والنصر في العراق وسورية ومصر وفلسطين ولم تكن ابداً بيوتاً او أوكاراً للهزيمة والخذلان. فقد ذكر الفكيكي معلومة فبركها ودسّها في كتابه ضد السيد طالب الشبيب، ومفادها أنه رأي وثيقة من بين وثائق قاسم التي عثرنا عليها في مكتبه، معنونة الي قاسم من مدير الأمن العام الذي اتضح انه كان علي علاقة مع دوائر المخابرات البريطانية وفقا لما نشرته وثائق الخارجية البريطانية، يطلب فيها إبعاد إيليا زغيب الذي كان يدرس في جامعة بغداد، وأن قاسم وافق علي اعتقاله ثم ابعاده قبيل حركة الثامن من شباط (فبراير)لكن الحركة قامت وجمّد طالب الشبيب أمر الإبعاد والآن وقد رحل الإثنان عن الحياة الدنيا وهما بيدي الله سبحانه وتعالي فأنا انفي نفياً قاطعاً وجود مثل تلك الوثيقة، وجميع وثائق مكتب المرحوم عبد الكريم قاسم كانت في حقيبة حديدية كبيرة Trunk في غرفتي بعد أن سلمتها بي اللجنة المكلفة بجرد مكتب قاسم برئاسة المقـــــدم محمــــد يوسف طه آمر فوج في اللواء الثامن الذي طوّق ثكنة وزارة الدفاع، وهو ضابط قومي واشترك معه في الجرد السيد جعفر قاسم حمودي عضو الحزب وآخر ثالث لا أتذكر اسمه الآن، وإن قصة السيد الفكيكي مفبركة من أولها الي آخرها والغرض منها استمرار الطعن بالسيد شبيب لأسباب نجهلها فكلاهما كانا عضوين نشطين في حزب السيد الجلبي و ما فيش حدّ أحسن من حدّ كما يقول أهلنا في مصر الحبيبة.لكني وبعد أربعة عقود علي تلك الاحداث أجد في نفسي الشجاعة والصراحة لأذكر لـ قراء القدس الكرام أن عندي شهادتين لا تقبلان الدحض ولا النقض، وكلاهما تؤكدان أن العلاقة بين المرحوم طالب شبيب والسيد إيليا زغيب كانت أكثر مما باح به طالب عام 1963 وربما أنها كانت أكثر تعقيداً أو حميمية ودفئاً مما روي لنا. فهل تطورت العلاقة في لبنان لتأخذ منحي آخر؟ علم ذلك عند الله والراسخين في العلم وأنا لست واحداً منهم.اتصل بي طالب شبيب بعد سنوات من الانقطاع وبعد صدور كتاب أوكار الهزيمة وكان ثائراً و مهتاجاً مما ذكره السيد الفكيكي وطلب شهادتي في هذه القضية فوجدتني مضطراً لأقول له لماذا لا يقطع الشك باليقين ويصدر بياناً لا لبس فيه حول اللغط الذي يدور حوله، وذكرت له إحدي الشهادتين اللتين معي فأقسم بشرفه أنه يسمع بما أقوله للمرة الأولي، فطلبت منه أن يحقق بما قلته ويستغل علاقته هو والسيد الفكيكي بالأوساط الأمريكية في تلك الايام الوقت للوصول الي الحقيقة، ونشرها للرأي العام ولم أسمع من أبو مازن بعد ذلك الاّ قبل نقله الي المستشفي بمرضه الأخير بيومين حيث تواعدنا أن نلتقي علي الغداء يوم الأربعاء وهو اللقاء الذي لم يتمّ وكانت إرادة الله هي الغالبة ولا رادّ لإرادة الله. عندما .. يسقط المناضللعل هذه المقدمة الطويلة عن تفاصيل الرجال والمواقف والمحطات التي سبقت حركة 8 شباط (فبراير)، وما حصل فعلا في صبيحة ذلك اليوم، بأمل استرجاع ذكريات من شهد الحدث، سماعاً او مساهمة، ولتعريف القارئ غير المطلع بتلك الاحداث، بفعل البعد الزمني عن الحدث. أعود بهذا الفصل لمناقشة تفاصيل ما ورد في مقالتي السيد فارس نعمة علي ضوء ما ورد اعلاه. والكتاب كما يقال يقرأ عادة من عنوانه. لذلك فاني توقعت او حزرت ما سيرد في المقال من مغالطات، حالما اطلعت علي العناوين الرئيسية للمقالة الاولي، ومع ذلك تمنيت ان لا اجد نفسي مجبراً للرد عليه. وهذا قرار قديم ألزمتُ نفسي به وهو ان اتلافي اللجوء للعنف او تصفية الحسابات حتي من خلال الكتابة مع رفاق الامس، اولئك الذين شاركوني او اشتركت معهم في التخطيط والتنفيذ لانجاز تلك الحركة التي اردنا لها ان تكون خطوة حاسمة لتجاوز الانتكاسات التي مرت بها امتنا العربية في تلك المرحلة التاريخية، ولمنع المزيد من تلك النكسات انطلاقا لتحقيق أهداف أمتنا العربية وتطلعات شعوبها للحرية والوحدة والعدالة الاجتماعية والوصول لمرحلة من التقدم والتطور تتناسب مع ما وصلت له البشرية، وتضع الامة العربية في مكانتها التي تليق بها كواحدة من اعظم الامم التي اسهمت في نمو وتطور المسيرة الحضارية الانسانية. ما زالت صورة الـ 200 مناضل من البعثيين أو أكثر بقليل وهم يتجمعون متهيئين للاشارة من اجل الانطلاق لدك صرح الديكتاتورية، وانجاز تلك الاهداف القومية الكبري. لا شك ان الامال والتطلعات والايمان كان يملأ قلوبهم، ويعمرها بالشجاعة والاقدام، متناسين أو مهملين كلياً المخاطر الكامنة التي تواجه مثل هكذا تحركات. وتقبلوا تنفيذ واجباتهم الفدائية الاستشهادية بحماس ورحابة صدر نادرة ولم يتخاذل أو يعتذر الاّ ثلاثة منهم، واحد من الجهاز المدني واثنان من الضباط. كانوا جميعاً كوكبة من الابطال، المؤمنين بحق امتهم واجدادهم العظام عليهم للتضحية، والوفاء لذلك التراث الحضاري العظيم. وحق الاجيال القادمة في العيش الحر الكريم .. كل منهم كان ايضا شحنة من الاستعداد الثوري للتضحية من اجل الاخر. التزام بالمعايير الثورية والاخلاقيةووفاء لتلك الذكري، ومعانيها الثورية والأخلاقية، عاهدت نفسي أن التزم بقية عمري بتلك المفاهيم، لاثبات كم كانت هذه المعاني تتميز عن الكثير من التجارب الثورية الاخري، التي انحرف قادتها اول من انحرف عن معانيها المعلنة علي الاقل. لعل تجربة 14 تموز (يوليو) 1958 تقدم افضل مثل علي حجم هذه الانحرافات، فتحولت تلك الاهداف العظيمة التي انطلقت من اجلها مجرد تمجيد لـ زعيم اوحد وجمهوريته الخالدة ، لا هم له غير أن ينفس عن عقد دفينة من الاحساس بالنقص، لايشبع ولا يكل من سماع التصفيق والهتاف، والاغاني والأناشيد التي تمجد بزعامته مهما كانت رخيصة ومنحطة في معانيها الفنية او الادبية. وقوي سياسية تخلت عن اهدافها وانشغلت بالقتل والدمار والتصفيق والهتاف لانحرافات الزعيم الاوحد. لذلك لم اكن وفي عزّ انتصارات الحركة ممن يرغب في التسابق علي رفع الصور الشخصية، او اللجوء لأي من عمليات تمجيد الذات، ووضعها فوق الاخرين او فوق الاعتبارات الأخلاقية والثورية للحركة، لكني كنت آمل أن يكون الآخرون، كل واحد من تلك الكوكبة التي شاركت في صنع الحدث، وحققت انتصار إرادة الخير والعدل والحرية، ان وفياً لذكراها، اميناً في وصف احداثها وتفاصيلها، كحدث مقدس من الاحداث العظام في تاريخ مسيرة حركة التحرر العربي. لكن هذا لا يعني، أن علي أن اسكت عن أية عملية تزييف وتشويه لتلك الحركة، التي إن لم اكن بطلها الاساسي أو الرئيسي، كنت أحد ابطالها المفعمين ايضاً بروح التضحية والاستعداد الكامل من أجل المبادئ التي تحمل معانيها، وإلاّ كنت الزمت نفسي في عدم المشاركة في أية مماحكات حول المسؤوليات، او عمليات تضخيم الادوار لهذا الطرف او ذاك. لكنني ومن نفس المنطلق الاخلاقي، والحرص علي ان يكتب تاريخنا، وما فيه من محطات مشرقة في مسيرة الحركة الثورية العربية. اجد نفسي ملزما في ان أتصدي لأي تشويه يمكن أن يمس من قدسية الحركة وصورتها النبيلة، خاصة اذا صدر من واحد ممن شاركوا في الحدث تنفيذاً او تخطيطاً، ولم اتبجح به في حينها أو بعدها رغم محاولات دفعي لذلك من قبل المنافقين والانتهازيين، حتي ما يخص دوري، وانا كما قلت افخر به، كما افخر ولله الحمد باني ما زلت وفيا لذلك الدور التاريخي، وكما ذكرت ان الفخر والتفاخر بالاعمال الطيبة والمجيدة، خاصية عربية .. وما لعبته من دور كان من اجل خدمة قضايانا العربية الكبري، ولم يكن دوراً في صفقة تجارية او موقفاً تآمرياً ضد بلدي او امتي، فهو موضوع للفخر، ولا أرتضي او أقبل المساس به او الانتقاص منه، خاصة عندما يكون ذلك لصالح ادوار مشوهة يريد البعض ان يتكسب علي حسابها، كما حصل في كتاب دبابات رمضان الذي كتب خصيصاً من اجل تصنيع تاريخ ثوري بطــولي زائف للملازم عدنان طلفاح . خزين الدكتور علاويوما جاء فيه من تزييف ساهم به للاسف ضباط مثل السيد نعمة فارس نفسه، وعذرته في حينها بسبب سيادة حالة القمع والارهاب التي كانت تسيطر علي العراق، او بحكم كونه ضابطا يريد ان يحافظ علي موقعه او ان يحسنه. اما ان يكتب هو أو غيره الان فالحكم مختلف. ما يجعلني أبدو وكأنني متشدد في مواجهة مغالطات نعمة فارس ، هو ما بدأ به نعمة فارس حديثه عن الكتب والمصادر التي تناولت الحركة، وما ورد بها من مغالطات وتشويه وتزييف للحقائق، وطرح نفسه في موقع او موقف من ينبري لتصحيح هذه المغالطات والتشويهات، ليستخدم هذه المقدمة كوسيلة لتضليل القارئ وتمرير تشويهاته. فالموقف الموضوعي يفرض علي الانسان أن يترفع عما يعتبره عاراً أو انحرافاً عن المعايير الاخلاقية عند الاخرين، والا سيغدو ما عاهدت عليه نفسي في ان الامتناع عن المشاركة في تلك المماحكات الكلامية بين بعض من كتبوا عن الحركة، وهو أن السيد نعمة خرج علي مبادئ واخلاقيات الحركة، وتلك المثل العليا التي تضمنتها. فمن الواضح ان السيد نعمة استمر في الخدمة طيلة فترة حكم البكر ـ صدام، وحاز علي اعلي منصب رتبة يمكن ان يصلها ضابط في الجيش العراقي ـ فريق ركن ـ، وشغل عدة مناصب عسكرية رفيعة ثم نسب لمنصب سفير فوق العادة والي أواخر أيام النظام، وعندما نقل الي بغداد استنجد برئيس النظام لإبقائه خارج العراق وفي فيينا نفسها بحجة معالجة السيدة عقيلته من مرض طارئ. وقام السيد صدام بتعيينها وزيرة مفوضة في سفارة العراق في النمسا ليكون ذلك غطاء للسيد نعمة وعائلته للبقاء هناك، وليستمر بنشاطاته التآمرية المعروفة. ولا يخفي علي عاقل انه ما كان يمكن ان يصل لهذه المناصب والرتب ما لم يكن النظام مطمئنا من ولائه، او هكذا كان يعطي الفريق نعمة الانطباع عنه، لدي رؤسائه. لذلك فان انتقاله المفاجئ علي الاقل وفي العلن الي معسكر الاحتلال الاميركي ـ البريطاني ـ الصهيوني، وادواته العراقية، يثير الدهشة والغرابة، ويعطي الانطباع علي ان الانسان يقف امام نموذج من تلك التي تتلاعب بالمبادئ والشعارات وتطرحها كبضاعة للبيع والاستثمار. وهذا ما يجعلني في حل عما عاهدت عليه نفسي والتزمت به من الامتناع عن الرد علي بعض الكتابات التي ظهرت هنا او هناك، لما حوته روايته من قصص واحداث، لا تكشف فقط جهله المطلق بالمقدمات التنظيمية، والعلاقات المتشابكة التي سبقت الحدث. بل كشفت ايضا توجها متعمدا للتشويه والتزوير، ولن اجافي الحقيقة ولا مفاهيم اللياقة الأدبية للقول ان روايته ما هي الا فبركة رخيصة، ورواية ساذجة لم يتقن صياغتها، رغم مرور اربعين عاما، وما اكتسبه من خبرات مفترضة ونضج بحكم العمر والعمل العسكري والدبلوماسي والسياسي. ولأسباب ودوافع لا زالت مجهولة الا اللهم لتحسين صورته عند جماعة البنتاغون من اليمين المتطرف، ولربما اللوبي المتحالف مع الصهيونية، والتي تبين انها سبق ان استخدمته كمستشار منذ زمن بعيد كما جاء في مقالة نيويورك تايمز الامريكية التي نشرت في خريف 2004. والحظوة برضي الدكتور اياد علاوي، او لتحسين موقعه في كتلته الذي انضم اليه السيد نعمة وهو لا زال سفيرا في السفارة العراقية في النمسا. الا اني أعتقد ان الخيبة ستلاحق نعمة فارس هنا ايضاً، فالدكتور علاوي يمتلك خزيناً كبيراً من المعلومات عن البعث ورجاله وادوارهم وتاريخهم، تراكمت عنده من خلال صلاته الواسعة التي اقامها خلال ثلاث عقود خلت. عند مراجعتي لقوائم المرشحين لما يسمي بانتخابات الجمعية الوطنية، وجدت ان رقم السيد نعمة ورد تحت رقم 60 علي القائمة العراقية التي تمثل حزب او حلفاء الدكتور علاوي. ربما هذا هو السبب الاساسي في يقظة ذاكرة السيد نعمة فارس، ليثبت انه كان لاعباً في تخطيط الثورة وتنفيذها، وشاهدا وليس فاعلاً ، يبدو ان السيد نعمة فارس، تصور او راهن علي صمتي، مستفيداً من كون اغلب الشهود من القادة قد ودعوا الحياة الدنيا، وكان اخرهم السيد عبد الستار عبد اللطيف، الذي كان في معيتي عندما استلمت مجموعة الكتيبة الرابعة، وكان السيد نعمة واحداً منهم، التعليمات بالشروع بتنفيذ الصفحة الاولي من حركة شباط (فبراير) في الساعة التاسعة من صباح الثامن منه، وفق ما خطط لها المخططون.الحركة بدأت الساعة السابعة في الحبانيةولكن الكثير من المنفذين والمشاركين وأبناء الشعب والقوات المسلحة لا يعلمون أن الحركة بدأت في الحقيقة قبل ذلك التوقيت بساعتين ليس في أبو غريب وإنما في الساعة السابعة صباحاً وفي قاعدة الحبانية (سن الذبّان) بالأنبار. وعكس ما هو شائع من أن نقطة الشروع ومكانه كان من مقر الكتيبة الرابعة في الساعة التاسعة صباحا وإنما الساعة السابعة صباحاً في قاعدة الحبانية، الواقعة بالقرب من مدينة الرمادي، لحمايتها من اي هجوم مضاد، وللبدء باعداد الطائرات التي ستشارك بالهجوم، وتعبئتها بالوقود، وتسليحها بالعتاد المطلوب، والانطلاق بها لمهاجمة وكر الدكتاتور. وما يتناقله البعض عن رواية مفادها ان مرور الطائرات او انطلاقها سيكون الاشارة للبدء بالتحرك، وهذا خطأ تاريخي وقع فيه جميع من أرّخوا للحركة. نجم هذا الخطأ علي ما اعتقد بسبب محاولات البعض تضخيم ادوار بعض المشاركين، والتعتيم علي ادوار اخرين، في لحظات التزاحم في البحث عن دور لهذا او ذاك.وفق الخطة الموضوعة بتفاصيلها الدقيقة، والتي شارك فيها وتعهد بتنفيذها وضمان نجاحها، المرحوم الشهيد حامد جواد المسؤول الحزبي في قاعدة الحبانية ورفيقه السيد منذر الونداوي، المسؤول الحزبي للقوات الجوية، ونخبة من ابطال القوة الجوية والضباط الحزبيين من اللواء الثامن. ولم تنطلق الطائرات المكلفة بضرب وزارة الدفاع وقاعدة الرشيد الجوية الا بعد ساعتين من السيطرة علي قاعدة الحبانية. وكانت تلك وفق التقديرات من قبل المسؤولين عن الضربة الجوية وتعهدا بإنجازها وهما الضابطان البعثيان منذر الونداوي وحامد جواد كما أسلفت. وكان قاسم وقائد الفرقة الرابعة القاسمي وآمر القاعدة يغطون في نومهم العميق في ذلك اليوم المجيد. 7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية