وما آفة الأخبار إلا رواتها من أوراق حازم جواد: حركة 8 شباط المغدورة بين الحقائق والتشويه (4)
البكر كان نموذجاً لازدواجية الشخصية والقدرة علي التلون الماكر ولا زلت أحتفظ برسالة اعتذاره لي عما بدر منه !العودة من دمشق سراً ثم اعادة تنظيم الحزب وايقاف حمي المحاولات الفاشلة.. وقرار للتحرك وضرب الديكتاتورية وما آفة الأخبار إلا رواتها من أوراق حازم جواد: حركة 8 شباط المغدورة بين الحقائق والتشويه (4) بعد اكثر من اربعين سنة علي وقوع حركة شباط المعروفة في التاريخ العراقي (1963) قرر حازم جواد قائد هذه الحركة وأحد الرموز المهمة فيها العودة اليها، خاصة ان ذكراها حلت في هذا الشهر، شباط (فبراير) ووضع النقاط علي الحروف. ويقدم جواد عرضا تاريخيا للاحداث وتقييما للشخصيات التي لعبت في هذه الحركة والظروف العراقية والاقليمية. وهي شهادة مهمة لانها تصدر عن واحد من اهم صناع هذه الحركة. وفي هذه الحلقة يواصل حديثه عن العلاقة بين قاسم والشيوعيين ووضع حزب البعث وهروبه الي سورية. القدس العربي أسباب تحفظ قاسم علي البكرمن الصعب تحديد الاسباب التي حدت بعبد الكريم قاسم ان يتحفظ علي البكر ومجموعة العسكريين الذين اوقفوا معه في سجن باب المعظم، بدلا من السجن رقم واحد المخصص عادة للعسكريين، والواقع في معسكر الرشيد. ان سجن باب المعظم المخصص للمدنيين، هو واحد من بقايا وآثار العهد العثماني، ويقع بالقرب من بناية وزارة الدفاع، عرين قاسم كما كانوا يطلقون عليها. يلعب الحظ، او الصدفة والقدر دوره، ليصبح حجز البكر في سجن باب المعظم المخصص للمدنيين، سببا في تحقيق نقلة جديدة في حياة البكر، كان لها بلا ادني شك اكبر الاثر علي حياته الخاصة، كما علي تاريخ العراق عامةً، حيث قام قاسم باعتقال مجموعة من البعثيين، كان كاتب هذه السطور واحداً منهم في قضية مؤامرة عبد السلام المزعومة والمفبركة.تم حجزي في مركز شرطة السراي، علي ان يتم نقلي فيما بعد الي سجن باب المعظم، كما اخبرت بذلك من قبل الضابط المسؤول عن مركز شرطة السراي. الا اني تمكنت من الفرار من المعتقل والهرب الي سورية. اما بقية الرفاق فقد تم حجزهم في معتقل باب المعظم وفي نفس القاووش (قاعة السجن) الذي اعتقل فيه البكر، كان منهم علي صالح السعدي، فيصل حبيب الخيزران، عبد الستار الدوري، وآخرون لا اتذكرهم. كانت التحقيقات جارية للجميع بمن فيهم الكاتب امام لجنة تحقيقية واحدة، برئاسة هاشم عبد الجبار ـ آمراللواء العشرين ـ وعضوية العقيد المعروف حسن عبود، والمقدم حسين خضر الدوري، والقاضي هاشم شبيب، وجميعهم ممن ركب الموجة الشيوعية في خريف 1958. كانت هذه اللجنة هي نفسها التي حققت مع عبد السلام عارف ايضا، اضافة للبكر وانا ورفاقي البعثيين. تعرضنا جميعا الي مختلف الاهانات والشتائم، وعلي عبد السلام عارف، ولم يوفر المحققون فرصة لشتم عبد الناصر، والجمهورية العربية المتحدة الا استثمروها. جرت هذه التحقيقات في شهر تشرين الثاني (نوفمبر). نفس الهيئة التحقيقية، التي اثارت اعجاب قاسم، ببطلانها، وتزويرها الحقائق بما يرضي غروره، هي التي عيّنها قاسم لتتولي التحقيق مع الضباط القوميين في اعقاب حركة الشواف، والتي تمادت في ارضاء غرور وسادية وجنون سيدها، بما كانت تمارسه من تعذيب، وتنفذه من احكام اعدام بحق المناضلين، في سجن ابو غريب، والسجون الاخري، ايام المد الشيوعي الشعوبي الدموي طيلة عام 1959.بالعودة لقصة البكر، فان علاقة حميمة نشأت بين الموقوفين المدنيين من اعضاء الحزب وقياداته، والبكر ومجموعته من العسكريين. كان البكر قد حاز اعجاب الجميع بدماثة خلقه، وتواضعه في خدمة الآخرين، وبساطته في المأكل والملبس وغيرها من السمات التي تثير الاعجاب، فتم كسبه كصديق او نصير للحزب. ولا يفوتني ان اذكر هنا الدور الذي لعبه المقدم صالح مهدي عماش الذي كان علي علاقة مع الحزب وميالاً لتبني افكاره، والذي تم اعتقاله بنفس السجن بعد عودته الي بغداد من مكان عمله في واشنطن حيث كان يشغل منصب معاون الملحق العسكري. تعزز ارتباط عماش ايضا بالحزب، بل ان العلاقة اخذت شكلا تنظيميا جديداً.اطلق سراح الجميع فيما بعد وتصاعد الخلافات بين قاسم والشيوعيين بسبب مذابح كركوك ظاهراً، والتي اعقبت مجزرتهم التي نفذوها في الموصل علي اثر فشل ثورة الشواف. ويعتقد القيادي الشيوعي زكي خيري، حين ذاك، أن ضرب وتحجيم الحزب الشيوعي تم بناءاً علي نصيحة السفير الامريكي لقاسم، كما كتب في مذكراته صدي السنين . الا اني اعتقد ان الخلاف بين الشيوعيين وقاسم كان نتيجة لتصاعد مخاوف قاسم من الشيوعيين، الذين بدأوأ يطالبون بالمشاركة في الحكم، كما ان الحاجة لهم انتهت كما اعتقد قاسم علي ما يبدو بعد ان استخدمهم في القضاء علي القوي القومية واحباط مشروع وحدة العراق مع الجمهورية العربية المتحدة. واعدام مصادر التهديد من الضباط القوميين، واخراج الاخرين من الخدمة بما يشل قدرتهم علي التحرك من جديد، أو اعادة تنظيم صفوفهم وقواهم للانقضاض عليه ثانية، فاراد ان يلعب بهم لعبته العكسية، باستخدامهم لضرب الشيوعيين والحد من طموحاتهم للمشاركة في الحكم. لم يدرك قاسم ان الحزب او التنظيم العسكري للحزب تمكن من كسب مجموعة او نخبة من خيرة الضباط، الذين يتحلون بشجاعة عالية وروح ثورية، كانت بحجم من القوة بحيث مكنتهم من التحرك والمساهمة في خطط الحزب لاسقاطه، وهم خارج الخدمة، كما حصل في حركة 8 شباط. اما ملخص تقييمي بعد هذه التجربة الطويلة مع البكر، وما يراكم العمر من خبرات وتجارب يجعل الانسان اكثر دقة وقدرة علي فهم الناس وتقييمهم بشكل اقرب للواقع. أقول ان البكر كان نموذجاً لثنائية الشخصية، أي القدرة علي التلون الماكر، واستبطان النوايا الشريرة، والمناورة، في نفس الوقت الذي يظهر فيه البساطة والانفتاح في الرأي. ناور كثيراً مع الحزب، وهنا لا استطيع ان انفي او اجزم بتأثير صالح مهدي عماش عليه إلاّ انه كان جليّاً لا يحتاج الي سبر للأغوار واستمر هذا التأثير بعد ذلك أثناء التحضير لانقلاب 17 تموز وما أعقبه في الصراعات والتصفيات الداخلية. رسالة البكر لحازم جوادلذلك قدم البكر استقالته اكثر من مرة من الحزب لتمرير هذا الموقف او ذاك، وكما سأفصل ذلك فيما هو قادم من الحديث. ولا زلت احتفظ برسالة ارسلها لي وانا في القاهرة، يعتذر فيها عما بدر منه اثناء ازمة تشرين الثاني (نوفمبر) 1963، ولا اعلم بالضبط ما يقصده بعبارة ما بدر منه ، وما هي الادوار الخبيثة التي لعبها في التآمر عليّ وعلي الحزب، التي دفعته للاعتذار دون أن يطلب أحد منه ذلك. وقد استعدَّ السيد صدام حسين لذلك مستفيداً من تجربتنا في نظام حركة شباط (فبراير) والتي كتبتها له تفصيلا بالاشتراك مع المرحوم طالب الشبيب أثناء اقامتنا الاجبارية في القاهرة وبعد أن طلبها صدام شخصياً أثناء التحضيرات لمحاولة الانقلاب في 5 أيلول (سبتمبر) 1964. وقد عثرتْ قوات الأمن العامة علي المخطوطة بصفحاتها المئة في الوكر الذي اختفي فيه صدام في منطقة الصليخ واعترف للعقيد رشيد محسن مدير الأمن العام وقتئذ بأنّي كاتبها ومرسلها. كما أخبرني المرحوم رشيد محسن أنه قام بطبع نسخ محدودة من المخطوطة ووزعها علي أعضاء مجلس قيادة الثورة وقيادة تنظيمه القومي في العراق.ثالثاً ـ الملازم (الفريق الركن) نعمة فارس، ودور الكتيبة الرابعة في حركة 8 شباط 1963 : فجر عبد السلام عارف زلزال 14 تموز (يوليو) 1958، والمعروف عن تموز انه شهر انتظار نتائج الثانوية العامة للطلاب العراقيين. في ذلك الصيف كان طالب الدراسة الثانوية نعمة فارس المحياوي مثله مثل بقية الطلاب العراقيين، ينتظر نتائج الثانوية العامة، فالنظام التعليمي الجامعي في العراق يعتمد عادة علي المعدل العام او المفاضلة لتحديد نوع وطبيعة الكلية التي سيدخلها الطالب. في صيف 14 تموز (يوليو) 1958، كان نعمة فارس ينتظر مع المنتظرين نتائج المرحلةالثانوية ليقدم بعد حوالي الشهر اوراقه للكلية العسكرية، ومن المصادفات الغريبة أن يبدأ دوام الدورة التي قبل فيها الطالب نعمة فارس في يوم الخامس من تشرين الثاني (نوفمبر) 1958، وهو نفس اليوم الذي تم فيه اعتقال العقيد عبد السلام عارف، بعد عودته الي بغداد من المانيا التي ابعد لها تحت عنوان سفير العراق هناك. عندها نظم الشيوعيون والمعادون للوحدة والحركة القومية مظاهرات صاخبة انطلقت من ساحة التحرير الي وزارة الدفاع ـ مقر قاسم ـ عبر شارع الرشيد ورافقتها من بداية انطلاقها حتي نهايتها، وكانت تردد شعارين (هتافين) لا ثالث لهما: خمسة بالشهر ماتت البعثية، خمسة بالشهر ماتت القومية ، كص (اقطع) رأس الخاين يا قاسم . ذكرتني هذه المظاهرة بمظاهرة اخري، جرت بعد ذلك بـ 45 عاما، عندما اعتقل الغزاة الأمريكان صدام حسين وأذاع الرفيق بريمر تلك البشري، قاد الشيوعيون مظاهرة انحصرت بساحة الفردوس، وتحمل الاعلام الحمراء والمطرقة والمنجل وهي تهتف صدام انلزم موتوا يا بعثية ، وهو الشعار المشابه لهتافهم يوم 5 تشرين الثاني (نوفمبر) 1958، مع الفارق بين الرجلين. صدام حليفهم المحبوب في جبهتهم العتيدة معه في السبعينات، مع انه لم يغير من سلوكه لا قبل تشكيل الجبهة ولا خلالها او بعدها، ومع ذاك ارتضوا لان يكون بمنزلة قائد الضرورة ، مثلما كانوا يطلقون شعار الزعيم الاوحد علي عبد الكريم قاسم. بعد تصاعد الصراع بين الحركة القومية عامة وعبد الكريم قاسم، وبلغ ذروته بعد فشل ثورة الشواف في اذار (مارس) 1959، وما تلاها من مجازر وحشية اقترفها الحزب الشيوعي بحق القوي القومية ومؤيديها، من قتل وسحل الاجساد في الشوارع، والتي اعترف بها القادة الشيوعيون في مذكراتهم بعد عقود من الانكار، كما جاء في مذكرات بهاء الدين نوري ص 270 ـ 271. تعرضت المؤسسة العسكرية ككل لعمليات تصفية، ومراقبة شديدة، ولم تستثن الكلية العسكرية من تلك التصفيات، في وقت كان ما زال فيه السيد نعمة فارس طالبا في الكلية. بل قد تكون حصة الكلية العسكرية هي الاكبر من هذه الحملة الارهابية، بسبب كونها تحت امرة العقيد عبد اللطيف الدراجي، احد انشط منفذي ثورة تموز المجيدة، والصديق الشخصي المقرب من العقيد عبد السلام عارف، كما كان ايضا صديقا لعبد الكريم قاسم، وان بدرجة اقل تماسكا من صداقته مع عبد السلام عارف. اتهم العقيد عبد اللطيف الدراجي بالنية للمشاركة في ثورة الشواف، كما اتهم الكثير من الضباط من ذوي الاتجاه القومي. لم تكتف اجهزة قاسم باعتقال العقيد عبد اللطيف والتحقيق، واحالته علي التقاعد، بل شملت الحملة ضده طلاب الكلية العسكرية، فتم اجراء ما يشبه الاعتقال الجماعي لطلاب الكلية في داخل بناية الكلية نفسها، خاصة الصف المستجد (الاول) الذي كان السيد فارس طالبا فيه. أفرج عن الطلبة بعد انحسار المد الاحمر، وتخرجوا فيما بعد بالمواعيد المحددة لتخرجهم. عندما تخرج السيد نعمة فارس من الكلية العسكرية برتبة ملازم ثان في شهر تموز (يوليو) عام 1961، كان عبد السلام ما زال في زنزانته الانفرادية في سجن رقم واحد، ينتظر هو وبعض البعثيين، ولمدة تقارب الثلاث سنوات، تنفيذ حكم الاعدام الذي اصدرته بحقهم محكمة المهداوي سيئة الصيت. وكان احد الحيثيات الأساسية لهذا الحكم هو علاقة المرحوم عبد السلام عارف بحزب البعث وتآمره معه علي الحاق العراق بالجمهورية العربية المتحدة. وفي الوقت الذي اجتمع فيه عبد السلام عارف بقادة الحزب في شتاء 1961، في دار ناظم جواد، واتفقوا علي مواصلة العمل من اجل الاطاحة بقاسم، كما سبق ان ذكرنا اعلاه، كان السيد نعمة فارس متخرجا حديثاً من الكلية العسكرية، يتدرب علي سلاح الدبابات في مدرسة الدروع في ابو غريب، أي انه لم ينسب بعد للعمل في اي من الوحدات العسكرية الفعالة. ومع ذلك لم يتردد السيد نعمة فارس عن القول انه كان من المشاركين في التخطيط لحركة 8 شباط (فبراير) 1963، وينفي هذه المشاركة عن عبد السلام. لااستطيع أن احدد بالضبط الوقت الذي ارتبط فيه السيد نعمة فارس بالحزب. ومهما كانت درجته الحزبية عند تخرجه، لم يكن كونه عسكريا معنياً بتنظيمات الحزب الاخري، حيث انتهج الحزب سياسة خاصة في التعامل مع العسكريين، ومنذ ايام المرحوم فؤاد الركابي، امين سر القيادة القطرية الاسبق، وظل هذا النهج ساريا حتي بعد مغادرته القطر في نهاية خريف 1959، علي اثر محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم في شارع الرشيد. ويتلخص هذا المنهج بعزل الحزبيين العسكريين عن الجناح المدني للحزب، حتي اذا صادف وانتسب احد الحزبيين الي السلك العسكري تقطع علاقته بالجناح المدني فوراً. والعلاقة مع العسكريين محددة بأمين سر القطر ـ المرحوم فؤاد ـ، ولا يعني ذلك ان هذه العلاقة تتخذ شكلا فضفاضاً وارتباط كل العسكريين مباشرة بأمين سر القطر، بل يتم هذا الارتباط ضمن اطار تسلسل حزبي وتنظيمي. كما تظل خلايا العسكريين الحزبية مفصولة عن بعضها البعض تلتقي جميعها بأمين سر القطر، بحيث لا تعرف كل واحدة من الخلايا المنفصلة شيئا عن بقية الخلايا. والغاية من ذلك هي الحرص علي حماية الجهاز العسكري لصغره في حينها أولاً، ولتجنيب الحزب من تهمة العمل داخل القوات المسلحة، التي تنص القوانين العراقية عليه بعقوبة الاعدام. سياسة ضرب القوي السياسية ببعضهاكان عبد الكريم قاسم يتبع نهج استخدام القوي السياسية والاجتماعية ضد بعضها البعض لمشاغلتها بصراعات جانبية معتقدا انه يمكن ان يتخلص منها بهذه الطريقة، ويبعد أذاها عنه، ويضمن بقاءه الأبدي في الحكم. لذلك وبعد ان اعتقد بانه تخلص من كل معارضيه النشطين من الضباط من ذوي الميول القومية، باعدامهم او سجنهم او احالتهم للتقاعد وزال عنه خطر الجمهورية العربية المتحدة ورئيسها، عاد، بعد ان استخدم الشيوعيين لمساعدته ضد التيارات القومية وحزب البعث من اهمها واكثرها شعبية، ليستعين ببــــعض الضباط القوميين للتخلص من تهديدات الحزب الشيوعي التي تصاعدت مع مطالبة الحزب بالمشاركة بالحكم. قام اولا بطرد الضباط المحسوبين علي الحزب الشيوعي، ومن ضمنهم امراء كتائب الدبابات الخمس الموجودة في بغداد، واعاد للخدمة بعض الضباط القوميين وسلم بعضهم مناصب حساسة ومهمة في الجيش. طالت هذه السياسة كتيـــبة الدبابات الرابعة (موضوع حديثنا)، فعين العقيد الركن خالد مكي الهاشمي، وهو من الضباط الاحرار، من ذوي الاتجاه القومي، آمراً للكتيبة. ومن المصادفات الجميلة تم تنسيب 5 او 6 من الضباط المتخرجين حديثا، من المنتسبين لحزب البعث او الموالين له، للعمل في نفس الكتيبة. كان خالد الهاشمي نفسه قد انتمي لحزب البعث ايضا. في شهر نيسان (ابريل) 1962، عندما استلمت مسؤولية المكتب العسكري، بدأنا، في قيادة الحزب ومكتبها العسكري، دراسة امكانات الحزب العسكرية والمدنية للاطاحة بقاسم، وتقييم ولاءات الضباط، واماكن عملهم في الوحدات العسكرية. كانت الكتيبة الرابعة من اوائل الوحدات، وليست الوحدة الوحيدة، التي يمكن الاعتماد عليها لاستخدامها كرأس نفيضة او طليعة للحركة الموعودة، لتواجد عدد لا يستهان به من الضباط البعثيين العاملين في هذه الكتيبة. فاضافة لآمرها العقيد الركن خالد الهاشمي، كانت تضم بين منتسبيها كل من النقيب محمد وهيب، مساعد آمر الكتيبة، والنقيب هاشم السامرائي، الضابط الاداري للكتيبة، اضافة لعدد من امراء الرعائل والسرايا، مثل النقيب كامل حسين النعمة، الملازم الاول مظفر الدبوني، الملازم محمد اسماعيل الويس، الملازم نعمة فارس المحياوي، وغيرهم من الضباط، وضباط الصف الذين لا اتذكر اسماءهم، وجميعم كانوا مرتبطين بالحزب بهذا المستوي أو ذاك. كان النقيب كامل حسين النعمة هو المسؤول المباشر للمنظمة الحزبية داخل الكتيبة، يعمل تحت امرة آمر الكتيبة العقيد خالد مكي الهاشمي، الذي كان قد وصل الي درجة عضو عامل، ثم عضو في المكتب العسكري ايضا. ان المكتب العسكري المقصود هنا هو غير اللجنة العسكرية التي كانت تدير وتشرف علي كافة النشاطات العسكرية للحزب، والتي حلها الحزب بعد تطور نشاطاته وتوسع تنظيماته العسكرية، مستبدلا اياها بالمكتب العسكري. كانت اللجنة العسكرية مكونة من مجموعة من الضباط القدامي. تشكل المكتب العسكري في اواخر عام 1960 وروعي فيه اختيار الضباط من ذوي الرتب العالية نسبيا. كان امين سر القطر السابق المرحوم فؤاد الركابي قد عين المناضل صفاء محمد علي كضابط ارتباط بين التنظيم العسكري والقيادة قبل مغادرته العراق في خريف 1959، وكان المقدم صالح مهدي عماش ضابط الارتباط بالسيد صفاء محمد علي. إشرافي علي الحزب والتنظيم العسكري بعد خروج الركابيبعد خروج المرحوم فؤاد الي سورية علي اثر محاولة الاغتيال الفاشلة لعبد الكريم قاسم في شارع الرشيد، كُلفت من قبل القيادة المجتمعة في دمشق بالعودة بشكل سري الي العراق في أواخر عام 1959، وتولي مسؤولية الحزب والاشراف علي التنظيم العسكري. عدت فعلا في شهر كانون الثاني (يناير) 1960 لاستلام المسؤولية الاولي في الحزب. كان التوجيه الاول لي الذي قدمته لقيادة التنظيم، هو تجميد حُـمّي التفكير بالعمل علي الاطاحة بالنظام التي اصابتنا طيلة السنتين الماضيتين، فتجربتنا لا تحتمل أي فشل اخر، وعليهم الاهتمام مرحليا باعادة تنظيم الحزب وبناء خلاياه بشكل متماسك، والعمل علي استيعاب الاعدادالكبيرة من الانصار في جميع انحاء العراق، الذين أقبلوا يطلبون الانضمام للحزب. وتجاوز ظروف واحباطات المحن التي مر بها الحزب خلال السنتين الاخيرتين، والتي كان اخرها فشل محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم. ظل هذا التوجيه والتوجه ساريا حتي نهاية عام 1960 وبداية 1961، وهي المدة المقدرة لاعادة بناء تنظيمات الحزب. عندما استلمت مسؤولية الحزب كاملةً مرة ثانية في بدايات 1962، الامر الذي وضعني في المركز الاول والمسؤول مباشرة عن قيادة المكتب العسكري، وقيادة تنظيم بغداد، والاجهزة الحزبية السرية الاخري. عند ذاك بدأنا بالتفكير والاعداد والتحضير للتحرك وضرب النظام الدكتاتوري واسقاطه، في تنسيق مع فرع الحزب في سورية ليتحرك بنفس الاتجاه لتقويض حكومة الانفصال، واعادة بناء الجمهورية العربية المتحدة بتوحيد الاقطار الثلاثة مصر، العراق، سورية. واستقر الرأي علي ان نبدأ في العقدة الاصعب، بالنظام الدكتاتوري في العراق، لان النظام الانفصالي في سورية كان منهكاً بسلسلة الانقلابات والانقلابات المضادة التي حصلت ومنذ الشهر الاول للانفصال حتي سقوطه في 8 آذار (مارس) 1963. كان قرار الاستعداد والتحرك لضرب الديكتاتورية في العراق قد تم باقتراح مني ، وايدني ضباط المكتب العسكري، كالسادة احمد حسن البكر، وعبد الستار عبد اللطيف بقية اعضاء المكتب، بحماس. وبانتهاء صيف عام 1962، كانت تنظيمات الحزب العسكرية والمدنية جاهزة للتحرك وتنفيذ الحركة. (ان تفاصيل ذلك سأقدمها بالشهادات والتواريخ والاحداث والرجال في مذكراتي الرئيسية). بالعودة لدور الكتيبة الرابعة، اعيد تأكيدي في انها كانت بآمرها وضباطها، القوة الرئيسية والاساسية لتنفيذ خطة الحزب. وتم تبليغ آمرها وضباطها علي ضرورة اتخاذ الاستعدادات اللازمة لذلك. يبدو ان نشاطات تنظيم الحزب في الكتيبة وثرثرة البعض اثارت انتباه الحزب الشيوعي، فسرّبَ الخبر الي عبد الكريم قاسم، الذي كان يعرفها من مصدر آخر علي ما يبدو، عرض الحزب الشيوعي علي قاسم متطوعاً اعادة التحالف وتوجيه ضربة جديدة للبعث والحركة القومية عامة، تحت لافتة الدفاع عن الجمهورية والزعيم المهترئة، لكن قاسم قابل اقتراحات ومحاولات الشيوعيين للتقرب منه وخدمة نظامه بالازدراء والصدّ، كما يذكر زكي خيري في كتابه صدي السنين ، معتبراً أن قاسم فضل الانتحار علي التعاون معهم، ولسان حاله يقول: اقتلوني واقتلوا مالك معي. استدعي قاسم آمر الكتيبة العقيد خالد مكي الهاشمي، وواجهه بالمعلومات التي عنده، وحسب رواية العقيد الهاشمي، كان بعض هذه المعلومات دقيقا وبعضها غثاً ولا وجود له. اثرّ هذا الاستدعاء علي معنويات العقيد الهاشمي واثار مخاوفه، فأرسل رسالة شفوية للحزب بواسطة عضو المكتب العسكري الضابط عبد الستار عبد اللطيف، يبلغنا فيها تجميد نشاطاته الحزبية كليا، ويرجو التوقف عن الاتصال به. بعد فترة، التقيت صدفة بالعقيد خالد الهاشمي فروي لي تفاصيل لقائه بقاسم، وطلب مني عدم احراجه بحضور الاجتماعات، وأنه جاهز للتحرك بشرط إبلاغه قبل ساعة واحدة من التنفيذ !!. الا انه بعد الاطاحة بالنظام الدكتاتوري تبين لنا ان رواية العقيد الهاشمي ينقصها الكثير من المصداقية، كما ظهر في اوراق التحقيق الخاصة مع اللواء أحمد صالح العبدي، رئيس أركان الجيش والحاكم العسكري العام أيام نظام قاسم. بعد تجميد نشاط العقيد الهاشمي، أوكلتُ مسؤولية الاشراف علي تنظيم الكتيبة للاستاذ علي صالح السعدي. وكان قد عاد مؤخرا من سورية بعد قضاء عدة اشهر بإجازة. وبحكم مسؤوليته لتنظيم الكتيبة الرابعة، وتوليه سابقا مهمة الاشراف علي المكتب العسكري قبل ان تنتقل لي، اشركته معي ببعض اجتماعات المكتب، رغم أن بعض أعضاء المكتب سبق وان قدموا استقالاتهم تذمراً.واحتجاجا علي سلوكياته في نيسان (ابريل) 1962، ومنهم البكر نفسه وعبد الستار عبد اللطيف، الا اني تدخلت لاقناع المستقيلين علي سحب استقالاتهم في حينها، وطلبت عقد اجتماع للمكتب العسكري، وتم الاجتماع في بيت احمد حسن البكر، حضره كل من: صالح مهدي عماش، عبد الستار عبد اللطيف، حردان التكريتي، خالد مكي الهاشمي، اضافة لي والبكر. وتم الاتفاق علي اعادة هيكلة الاتصالات، والعلاقات داخل المكتب، وبينه وبقية تنظيمات الحزب. لا شك ان تجميد العقيد خالد مكي الهاشمي لنشاطاته، فيما بعد، خلق حالة من الارباك، وتخلخل المعنويات بين ضباط الكتيبة، المعدة لتنفيذ الضربة الاولي لوكر الديكتاتور، والسيطرة علي بعض المؤسسات الحيوية، وعندما تم انتداب السيد علي صالح السعدي للاشراف علي نشاطات تنظيمنا العسكري داخل الكتيبة، لم يغير من حالة التخلخل هذه. فالعقيد الهاشمي عدا عن موقعه التنظيمي الحزبي، هو ضابط محترف، من الضباط الاحرار، كان رئيس أركان رتل الهادي المتواجد في الاردن عند قيام ثورة 14 تموز (يوليو)، قام مع الضابط القومي الحر عبد الكريم فرحان والاخرين بعملية شاقة من التضليل لسحب الرتل الي بغداد وافشال محاولة استخدامه ضد الثورة بالتعاون مع القوات البريطانية التي نزلت في الاردن بعد يوم أو يومين من ثورة 14 تموز، هذا اضافة الي انه كان محبوبا من قبل ضباطه، وهم يكنون له الاحترام، الذي امتزج مع تطلعاتهم لان ينفذوا الحركة تحت قيادته. وها هو الحزب ينسب بدلا منه مندوبا مدنيا لا يعرفونه من قبل، وربما لم يسمعوا باسمه من قبل، مع ما يرافق هذا من الحساسيات المهنية التي تجعل العسكريين العراقيين اقل خضوعا، ومطاوعة لقيادة مدنية، خاصة في مهمّات هي اقرب لواجب عسكري ـ قتالي، يتضمن الكثير من المخاطر، ويتطلب الكثير من الخبرات المهنية والتضحيات. 7