وما آفة الأخبار إلا رواتها من أوراق حازم جواد: حركة 8 شباط المغدورة بين الحقائق والتشويه (6)
لم يكن قاسم شيوعيا.. بل كان اقرب للتصالح مع التوجهات المحافظة والانفصالية التي تصب في مصالح الامبرياليةصداقتي مع السعدي قامت علي انتمائنا السياسي والابعاد الانسانية حتي بدأت انفعالاته تتفجر بحالات هياج غير مبرر وما آفة الأخبار إلا رواتها من أوراق حازم جواد: حركة 8 شباط المغدورة بين الحقائق والتشويه (6)بعد أكثر من أربعين سنة علي وقوع حركة شباط المعروفة في التاريخ العراقي (1963) قرر حازم جواد قائد هذه الحركة وأحد الرموز المهمة فيها العودة اليها، خاصة ان ذكراها تحل اليوم، 8 شباط (فبراير)، ووضع النقاط علي الحروف. ويقدم جواد عرضا تاريخيا للاحداث وتقييما للشخصيات التي لعبت في هذه الحركة والظروف العراقية والاقليمية. وهي شهادة مهمة لانها تصدر عن واحد من اهم صناع هذه الحركة. وفي هذه الحلقة يواصل جواد حديثه عن علاقة قاسم بالشيوعيين، وصدامه معهم، وهروب الكاتب الي سورية، وعلاقته مع علي صالح السعدي التي يقول انها قامت علي الابعاد الانسانية والانتماء السياسي قبل ان تبرد. ويشير الي البرقية المفبركة، ومذبحة التركمان في كركوك. القدس العربي الباب الثاني: تجربتي مع علي صالح السعديالفصل الاول: البدايات.. وتجربة العمل المشتركتعرفت علي السيد علي صالح السعدي وللمرة الاولي في شوارع بغداد خلال الايام الثلاثة العاصفة التي شهدتها العاصمة العراقية، في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) 1952، وهي الايام التي عرفت بانتفاضة تشرين في أدبيات الحركة الوطنية العراقية. وكان السعدي من العناصرالفعالة في احداث تلك الايام الثلاثة وكذلك كاتب هذه السطور، حيث كنت قد اكتسبت درجة عضو عامل في حزب البعث، حديثاً، ومسؤول عن تنظيم طلبة الاعدادية المركزية، ولعبت مع تنظيمي المتواضع في تلك المدرسة دورا تحريضيا منذ اليوم الاول لتلك الانتفاضة، والذي صادف يوم الخميس، التاسع عشر من تشرين الثاني (نوفمبر). لازلت احتفظ بالذكريات المحفورة في ذاكرتي عن تلك الاحداث، التي عبر فيها العراقيون مرة اخري عن مدي غضبهم وسخطهم من النظام التابع للأجنبي والجاثم علي صدورهم بالقوة، وكيف سيطرت الجماهير علي عاصمتهم المحبوبة، وهروب او انسحاب جلاوزة العهد الملكي وشرطته العلنية والسرية وبعد قتال ثلاث ايام من معارك الشوارع. لم تجد الطغمة الحاكمة سوي الجيش كملاذ اخير للسيطرة علي الشارع في بغداد والمدن الاخري واعلان حالة الطوارئ، المعروفة في العراق باسم الاحكام العرفية، التي قضت بحل الاحزاب العلنية واغلقت الصحف وعطلت المدارس في كافة انحاء العراق، وفرضت نظام منع التجول، وتم تكليف رئيس اركان الجيش نور الدين محمود بتشكيل الوزارة. كان للحزب الشيوعي العراقي دور اساسي في تلك الانتفاضة بقيادة سكرتيره العام بهاء الدين نوري. الا أن هذه الانتفاضة كانت باكورة نشاطات حزب البعث حيث شارك فيها العشرات من اعضاء الحزب وانصاره ومؤيديه من الطلبة العراقيين والعرب، والفئات الاخري ايضا. استمر ارتباط بعضهم بالحزب الي سنين متأخرة في حين ان البعض الآخر ترك الحزب لهذا السبب او ذاك خلال مسيرة الحزب الطويلة. مما لفت انتباهي في تلك الاحداث، ما رأيته من سلوكيات السيد علي صالح السعدي الذي كان يشترك بحماس في المظاهرات، تارة ضمن مواكب القوميين، واخري مع مجموعات حزب البعث، واحيانا ضمن تجمعات الحزب الشيوعي العراقي وحلفائهم وانصارهم برفقة صديقه الكادر الشيوعي عبد اللطيف العاني، الامر الذي اثار فضولي للسؤال والاستفسارمن رفاقي البعثيين عنه، فقيل لي انه مناضل قومي مستقل، يعمل الحزب علي كسبه وضمه لصفوف حزب البعث الوليد. وفعلا تم كسبه او ضمه للحزب بعد اشهر من الانتفاضة، ضمن شروط وتعهدات بأن يلائم سلوكه السياسي والعام مع منهج الحزب ونشاطاته وسلوكياته. منذ تلك الايام قامت بيني والمرحوم علي صالح السعدي علاقة صداقة تداخلت فيها وحدة انتمائنا السياسي، مع الابعاد الانسانية العامة التي يتضمنها مفهوم الصداقة في اعرافنا العربية، التصقنا ببعض سنين طويلة، حتي بدأت انفعالاته تتفجر بحالات هياج غير مبرر مع الكثير من رفاقه بمختلف مستوياتهم عام 1961 ـ 1963. ما يهمني أن هذه الانفعالات لا تتناسب مع حجم وامتداد ما بيننا من صداقة متينة وتجربة نضالية مشتركة، توحد من امالنا، وهمومنا، ويفترض ان تخلق حالة فكرية مشتركة او قريبة من بعضها البعض بما يكفي لابعاد اي اختلافات بيننا، ويقارب من سلوكنا وطريقة تعاملنا مع الاشياء والواقع السياسي من حولنا. في عام 1955 جرت اول انتخابات قطرية للحزب، وكنت في حينها قد وصلت في ترتيبي ومهماتي الحزبية الي عضو قيادة تنظيم بغداد، ما اهلني للمشاركة في مؤتمر الحزب القطري، ونفس الأمر حصل مع السيد السعدي. عام 1956 تسلمت قيادة المكتب الطلابي، وكان الطلاب يمثلون القطاع الاكبر من اعضاء الحزب وانصاره. ومثلت الحزب في القيادة العليا للجبهة الطلابية الموحدة، أو قيادة الميدان كما يسميها البعض، من ممثلي الحزب الشيوعي، الاستقلال، الوطني الديمقراطي، والبارتي.في مساء يوم 29 تشرين الاول (اكتوبر) 1956، هاجمت القوات الاسرائيلية سيناء، وما تلاها في اليوم الثاني من صدور الانذار الثنائي البريطاني ـ الفرنسي لمصر لسحب قواتها العسكرية مسافة محددة من ضفاف القناة وتسليم ادارة القناة لقوات الدولتين. في تلك الليلة حضر لمنزلي في الاعظمية، بدون موعد مسبق امين سر القيادة القطرية المرحوم فؤاد الركابي، الذي اصطحب معه السيد السعدي، لتبليغي بتكليف الحزب لي لقيادة الانتفاضة الوشيكة التي ينوي الحزب والقوي الوطنية الاخري تفجيرها، استنكارا للاعتداء علي البلد الشقيق مصر، ولاظهار الدعم الشعبي في العراق للرئيس عبد الناصر، واجبار نوري السعيد، الحاكم الحقيقي للعراق سواء اكان داخل السلطة او خارجها، علي تجميد حلف بغداد والحد من اندفاعه في تأييد المخططات الغربية المعادية للأمة العربية وطموحاتها القومية. يجد القارئ وصفاً لهذه الاحداث في كتاب الاستاذ هادي حسن عليوي المعنون دور حزب البعث العربي الاشتراكي في العراق والمطبوع عام 1986. دامت الانتفاضة المجيدة مدة شهرين فهي ما أن هدأت في بغداد حتي انفجرت في النجف الاشرف، وانفجرت في الموصل بعد ان هدأت في النجف، وهكذا مع بقية المدن العراقية. واطلقنا عليها في ادبيات الحزب انتفاضة الشهرين. كانت هذه الانتفاضة، وحجم مشاركة الحزب فيها، المؤشر الاول للشعب العراقي، ولحكومة نوري السعيد بنمو قدرات الحزب وقدرته علي تحريك الشارع، كقوة سياسية اساسية في العراق يحسب حسابها. كالعادة قامت حكومة نوري السعيد باغلاق المدارس والجامعات معتقلة العديد من العمال والطلبة والسياسين، كان من بين المعتقلين القائد فؤاد الركابي، امين سر الحزب. بدأتُ بتنفيذ تعليمات الحزب بتنظيم المظاهرات، ومواصلتها واستمرارها ، التي كانت تنطلق من المناطق الشعبية، كباب الشيخ، ومنطقة سوق السراي لتعذر تنظيمها في الشوارع والساحات الرئيسية التي كانت مطوقة بقوات الشرطة والأمن التي تمنع تجمهر اكثر من ثلاثة اشخاص بعد تعطيل الكليات والمدارس الثانوية. كانت آخر مظاهرة ساهمت بتنظيمها تلك التي انطلقت من سوق الشورجة في شارع الرشيد التي اخترقت الشارع الرئيسي في المدينة بغداد ، باتجاه منطقة الباب الشرقي، رفعت المظاهرة شعارات الحزب التي تضمنت لأول مرة شعار نفط العرب للعرب ، وطالبت بمقاطعة دول العدوان، بريطانيا وفرنسا، والخروج من حلف بغداد واسقاط حكومة نوري السعيد العميلة. كانت هذه المظاهرة هي اخر مظاهرة ينظمها الحزب أثناء تلك الانتفاضة، حيث غادرنا بعدها بغداد هروبا من مطاردة الشرطة واجهزة الامن، انا والسيد علي صالح السعدي، ورفيق آخر اسمه ضيف الله المطلوب ايضا من قبل الشرطة السرية، ذهبنا للاختفاء في بستان يعود لعائلة الرفيق السعدي في ناحية هبهب، في لواء ديالي (بعقوبة)، بقينا هناك مدة شهرين والي حين الغاء الاحكام العرفية. عدنا بعدها الي بغداد لنواصل مسيرة النشاط الحزبي. شهد الحزب في هذه الفعالية تطورا واضحا، وجلب انتباه الكثير من الشباب المستاء من الحكم الملكي ـ السعيدي. كانت هذه الانتفاضة تشكل قفزة نوعية في ارتقاء الحزب لواحد من اهم القوي السياسية العراقية التي تشهد تأييدا شعبيا ملموسا. لكنا وجدنا قراراً بالفصل من الجامعة ينتظرنا انا والرفيق السعدي. ان هذه الانتفاضة كانت تعبيرا عن مدي التلاحم بين شعوب الامة العربية في العراق ومصر وسورية وفلسطين ولبنان والاردن والجزيرة العربية، ووحدة همومها، وآمالها وتطلعاتها.في كانون الاول (ديسمبر) من 1957، عقد المؤتمر القطري الثاني للحزب وارتقيت في درجتي التنظيمية لأصبح عضوا في القيادة القطرية للحزب، كما ارتقي السيد السعدي لنفس الدرجة الحزبية، ومنذ الاجتماعات الاولي للقيادة القطرية ، اي مع بداية عام 1958، علمت بشكل رسمي بالنشاطات الجارية بين ضباط الجيش للتحضير للثورة ضد النظام الملكي ـ السعيدي، وشاركت وبانسجام تام مع كل اعضاء القيادة، في جميع الفعاليات الحزبية.في يوم الاحد الثالث عشر من تموز (يوليو)، كنت يومها في الحلة بالفرات الاوسط، عدت منها مباشرة الي بغداد، بعد استدعائي من قبل امين سر القيادة القطرية، بواسطة الرفيق مسؤول الحلة السيد عبد الامير عباس. في بغداد تم تبليغي من قبل الرفيق أمين السر باحتمال تحرك الجيش عند الفجر لازاحة النظام الملكي ـ السعيدي، كان السيد السعدي من بين اعضاء القيادة المبلغيين، ايضا، اضافة الي رفيقين آخرين هما خالد علي الصالح وشمس الدين الكاظم، وكنا نحن الخمسة الوحيدين من المدنيين الذين بلغوا بساعة الصفر التي حددها الضباط الثوار للتحرك وتنفيذ الثورة وتفاصيل قيامها بشكل واضح. خطة قاسم التآمرية السريةشهدت انا وعلي التطورات المتسارعة التي حصلت بعد ثورة 14 تموز، والتجاذبات والصراعات التي نشأت بين القوي السياسية العراقية. وكانت قيادة الحزب منسجمة في مواقفها مع الاهداف الحقيقية للثورة، وموقفها من الوحدة مع الجمهورية العربية المتحدة، وكنت انا وعلي في طليعة المتوجسين، لا بل المتطيرين من تصرفات عبد الكريم قاسم، المستبطن لعداء، اشد وأمضي من عداء نوري السعيد، لكل من الجمهورية العربية المتحدة ورئيسها جمال عبد الناصر، رغم وقوفها بدون تحفظ مع ثورة تموز ومنذ ساعاتها الاولي، اضافة الي ما قدمته من استعداد للمساعدات في الاتصالات السابقة للتحرك وتنفيذ الثورة. وانحدر قاسم بسرعة نحو الانفراد بالحكم، وضرب القوي التي تقف في سبيل تحقيق نزعاته المريضة هذه. فمن الواضح ومنذ الايام الاولي انه تمكن من اخفاء ما يستبطنه من نوايا خبيثة حتي علي صديقه ورفيق دربه السيد عبد السلام عارف، وجميع رفاقه من الهيئة العليا وبقية الضباط الاحرار. لذلك كنت انا وعلي من اوائل الذين أثاروا الانتباه لانحرافات قاسم وضرورة التعامل بحذر معها قبل فوات الاوان، الا ان موقفنا هذا كان يقابل بالدعوة للتريث والتروي من قبل السيد فؤاد الركابي وبعض الأعضاء الآخرين، الي ان كشف قاسم بضربته المباغته الخسيسة الاولي 11 أيلول (سبتمبر) باقصائه رفيقه عبد السلام عارف، من منصب نائب القائد العام للقوات المسلحة، بطريقة تآمرية مكشوفة ، تثير الكثير من القرف والاشمئزاز، فقد تم اعلان اعفاء عبد السلام من منصبه هذا عن طريق الاذاعة، بينما كان يحضراجتماعاً لمجلس الوزراء في وزارة الدفاع، ولم يبلغ رسميا وهو بالاجتماع، ليكتشف او يفاجأ بالخبر بعد تركه الاجتماع. بذلك يكون قاسم قد حقق الصفحة الاولي من خطته السرية للثورة المضادة لثورة الرابع عشر من تموز، التي استمر في تنفيذ بقية مراحلها والي آخر لحظة من حياته. اجتماع خطير للقيادة القطريةعلي اثر تصرف قاسم هذا عقد اجتماع طارئ لقيادة الحزب شهر أيلول في دار خالة المرحوم السعدي في الوزيرية، وبعد استعراض الموقف، والتطورات المتسارعة ضد التوجه القومي للثورة، وافتضاح توجهات قاسم ضد مشروع انضمام العراق للجمهورية العربية المتحدة، توصلنا في هذا الاجتماع الي قرار يقضي بضرورة التخلص السريع من قاسم. اذكر هذه التفاصيل للرد علي بعض روايات الهواة والمرجفين والجاهلين الذين يؤرخون لحركة الانقضاض علي قاسم وكأنها كانت وليدة عامها، او وقتها، أو انها كانت قراراً ابن لحظته لم يتخذ الا بفترة قصيرة قبيل تنفيذها في 8 شباط (فبراير) 1963.بعد ايام قليلة وجه قاسم ضربته المباغته الثانية 30 أيلول (سبتمبر) وبنفس الاسلوب بإعفاء عارف من جميع مناصبه، وإعفاء وزير آخر هو السيد جابر عمر، كما تم إعفاء فؤاد الركابي من وزارة الاعمار، وتعيينه وزيراً للدولة. اجتمعت القيادة هذه المرة في دار عضوها شمس الدين الكاظم واتخذت القيادة قرارا بضرورة استقالة ممثلها في السلطة الامين القطري، فؤاد الركابي. الا ان الأمين العام سحب استقالته التي ذهب ليقدمها الي قاسم، بقرار واجتهاد شخصي منه اتخذه خلال اجتماعه بقاسم الذي قدم نفسه للسيد فؤاد الركابي كوحدوي اكثر من صاحبه عارف، وأن عارف أثار رعب خصوم الوحدة وفزعهم دونما داعي برفعه لشعارات متطرفة خاصة تلك التي وردت في خطبه النارية في الكوت، الناصرية وترديده لشعار نهاية عهد الاقطاع. وانه ـ اي قاسم ـ في طريقه لدعوة المشير عبد الحكيم عامر ، نائب رئيس الجمهورية العربية المتحدة، والقائد العام للقوات المسلحة لزيارة بغداد، ليوقع معه ابتداءً وكدليل علي حسن النوايا مشروع اتفاقية الوحدة العسكرية بين البلدين، التي ستكون هي الاساس الاول لقيام الوحدة السياسية الكاملة بين الجمهورية العربية المتحدة والعراق. وكان الهدف واضحا من هذا التكتيك القاسمي الذي يتجه الي عزل عارف عن اصدقائه ومناصريه، واولهم واكثرهم قوة وتأثيراً هو حزب البعث. والهدف الآخر من مناورة قاسم هذه انه كان يريد ان يَمتص ردة فعل عبد الناصر، كسباً للوقت فلم يكن قاسم قد هيأ اسلحته للحرب ضد عبد الناصر بعد. ويعرف قاسم جيداً ان الرفيق فؤاد الركابي سيقوم بنقل تفاصيل هذا اللقاء الي الرئيس عبد الناصر في اليوم التالي ان لم يكن في اليوم نفسه، وستساهم هذه المعلومات المضللة في تبريد ردة فعل عبد الناصر.اثارت خطوة المرحوم فؤاد انقساما حاداً داخل القيادة، فقدمت استقالتي، كما قدم المرحوم علي صالح السعدي استقالته ايضا. وتسارعت الاحداث بزخم اكبر مما كانت تجري عليه فتم تسفير السيد عبد السلام عارف الي خارج العراق، كسفير في المانيا، الا انه عاد منها بعد ثلاثة أسابيع كما جري الاتفاق بينه وبين عبد الكريم قاسم، وقام قاسم باعتقاله متهما اياه بانه جاء ليعد العدة لمؤامرة او انقلاب ضده، بعد أن كانت بعض الاشاعات انتشرت في بغداد، قبل عودة عبد السلام بأيام، اشاعات يبدو انها كانت مدروسة ومنظمة داخل بغداد، تروج أن شيئاً ما سيحدث يوم الخامس من تشرين الثاني (نوفمبر)، وهو موعد انتهاء اجازة عبد السلام التي تم الاتفاق عليها مع قاسم. وسير قاسم بالتعاون مع الشيوعيين، وكافة القوي الانعزالية والشعوبية في العراق مظاهرات صاخبة في العاصمة تطالب بإعدام عارف، وترفع شعار الموت للبعثيين قام بعدها قاسم بحملة اعتقالات لبعض من قادة الحزب كنت من بينهم، اضافة للسيد علي صالح السعدي، وفيصل حبيب الخيزران والسيد عبد الستار الدوري وغيرهم ممن لا اتذكر اسماءهم. استغناء قاسم عن خدمات الحزب الشيوعيواستطعت الفرارمن السجن والهرب الي سورية، كما مر ذكره عند الحديث عن بدايات علاقة البكر بالحزب التي وردت اعلاه. اطلق سراح السيد علي صالح السعدي في أواخر صيف عام 1959، مع اول بدايات تحرك قاسم للاستغناء عن خدمات الحزب الشيوعي التطوعية لاجهاض مشروع الوحدة وشنه الحرب علي عروبة العراق، ويبدو انه كان يريد ان يوحي لحزب البعث بهذا التغير ويدفعه لمواجهة الشيوعيين في الشارع، وبذلك تنشغل القوي الوطنية بالصراع ضد بعضها ليوفر قاسم لنفسه ضماناً بإبعاد مخاطرهما عنه.يروي الاستاذ خالد علي الصالح في كتابه علي طريق النوايا الطيبة عن أحداث تلك الأيام: ان القيادة جمدت نشاطات السيد علي صالح السعدي في خريف نفس العام ـ 1958، اما حازم جواد فقد اعتقل، الا ان عضويته في القيادة ظلت قائمة، ولم تجمد عضويته (كما ورد ذلك في الصفحات 262، 277).يبدو ان قاسم بدأ يشعر بأمن اكثر، وهدأت مخاوفه من خطر القوي القومية، وحزب البعث في مقدمتها بعد فشل حركة الشواف، واعدام كبار الضباط القوميين في ساحة ام الطبول، وبعد ان اطلق عنان الحزب الشيوعي في حملة ارهاب منظمة لم يشهدها تاريخ العراق، طالت جميع القوي العروبية في العراق، بقتل الناس وسحلهم في الشوارع، الا ان قاسم خاف علي ما يبدو ان تطال سكين الارهاب رقبته فاتخذ من المجزرة البشعة التي ارتكبها الشيوعيون، وبعض المتعصبين من الاكراد في ابشع عملية تطهير عنصري ضد التركمان في كركوك حجة لتوجيه الركلة الاولي للحزب الشيوعي بهدف تقزيمه وإعادته الي حجمه الطبيعي. مذبحة الاخوة التركمان في كركوكوالتركمان كمجموعة عرقية عراقية كانوا من اكثر المجموعات بحثاً عن عوامل التفاعل والتعايش الوطني مع بقية ابناء الشعب العراقي، والذين ظلوا دائما مخلصين للمصالح الوطنية العراقية وبما يعززها من المصالح القومية العربية، التي كانوا يرون بها عنصرا مهما من عناصر تعزيز الامن الوطني العراقي، الذي يعزز امنهم الخاص كمجموعة اثنية تعيش في دولة عربية لم تجد في طول فترة تعايشها مع العرب ما يهدد وجودها او حتي هويتها الثقافية. اعتمد التركمان علي جهودهم في الاسهام بعملية البناء الوطني دون ان تخيفهم التوجهات القومية العربية، فحققوا لانفسهم مكانة اقتصادية جيدة ومستوي من الرفاهية التي ساعد في نموها ركونهم للتعايش مع ابناء وطنهم دون اية حساسيات اثنية او ثقافية.يبدو أن هذه النجاحات الاقتصادية، والمشاركة الفعالة في ادارة الدولة مع بقية العراقيين من خلال انكباب بعضهم علي الدراسة والمضي فيها لأعلي المستويات، اثارت حسد بعض الاقطاعيين الاكراد، الذين التقت مصالحهم في تحالف شعوبي غريب مع الحزب الشيوعي العراقي، وتطلعات شركات النفط الاحتكارية، لتمزيق قوي الشعب العراقي، وانهاك الحزب الشيوعي نفسه وتشويه سمعته بجرهِ لمثل هذه المواقف اللاأخلاقية واللاوطنية، فكانت مجزرة كركوك التي لم يقدم اي من هذه القوي عذرا واحدا لتبريرها وطنيا، او انسانيا ورغم مرور اكثر من حوالي 46 سنة عليها.البرقية المفبركة التي أهملها كتاب المذكرات الشيوعيون وحنا بطاطولم يكن قاسم شيوعيا يوما، بل هو اقرب للتصالح مع التوجهات المحافظة والانفصالية التي تصب في النهاية في خدمة المصالح البريطانية والصهيونية في المنطقة، بل مع اية قوة تضمن له استمراره، كما تبينَ ذلك منذ اليوم الرابع لثورة تموز، وبعد أن سَربت له الدوائر الاستخباراتية لبريطانيا وحلف بغداد، نص البرقية المفبركة من القائم بالاعمال العربي الي القاهرة، ونقل اقوال مزعومة نسبت الي رفيقه عبد السلام. وسنفرد للقارئ العزيز نص تلك البرقية وقصتها في ملحق نهاية هذا الفصل، التي تتجاهلها وتغفلها الكثير من المصادر التي كُتبت عن ثورة 14 تموز وحركة 14 رمضان التصحيحية. كما أغفلها بصورة متعمدة كتاب المذكرات من قادة الحزب الشيوعي العراقي مثل الأستاذ عزيز الحاج الذي افتتح رسمياً الحملة الموجهة ضد الجمهورية العربية المتحدة في مقالاته بجريدة صوت الأحرار، كذلك فعل زكي خيري وبهاء الدين نوري وعزيز سباهي والعشرات من كتاب الحزب داخل العراق وخارجه. إن ذلك التجاهل والإهمال لم ينج منه حتي الدكتور حنا بطاطو في كتابه العراق… الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية الذي استحق عليه ثناءً مبالغاً فيه، فهو لايشير الي تلك البرقية لا من قريب أو بعيد في حين أنها ـ لأي مؤرخ أو باحث منصف ـ كانت السبب المباشر وحجر الزاوية فيما حدث بعدها من انحرافات واستبداد واقتتال من أجل تنصيب قاسم زعيماً أوحد في جمهورية خالدة من صنع خياله وتشجيع ودعم من حزب الشيوعيين العراقيين وبعد مضي أيام معدودة علي قيام الثورة ومثل هذه الزعامة الأوحدية الطموحة تحتاج الي سنين لتكريسها وإقناع الناس بها بالترغيب أو الترهيب. إن تلك البرقية المزيفة تفضح الدور التخريبي المشبوه لحزب الشيوعيين العراقيين لثورة 14 تموز في زرع بذور الشقاق الداخلي والانشقاق العربي الثوري ومساهمته المتعمدة خدمة لأهداف لا تخدم العراق والأمة العربية وكانت في محصلتها النهائية اجهاض أهداف ثورة تموز الوطنية والقومية خدمة لأهداف الاستكبار والصهيونية وقبل أن تمارس حكومة الثورة مسؤولياتها في إدارة البلاد. بادر قاسم بعدها بإصدار بيان يطمئن فيه الغرب، ويتعهد بالحفاظ علي المصالح الاقتصادية للغرب، وكأن ليس هناك من هدف للثورة غير تغيير الوجوه، وتنصيب قاسم تحت شعارات وطنــية، بديلا عن نوري السعيد. فلا الوحدة العربية تحققت، ولا الاحتكارات النفطية ضربت، ولم يسقط حلف بغداد، الي ان شن الرئيس عبد الناصر حملته الشعواء علي قاسم وحلف بغداد، خلال زيارة عبد الناصر للاقليم الشمالي عام 1959، بعد مذابح الموصل وفشل حركة الشواف. كما نجح قاسم في تهدئة مخاوف الغرب من انتشار الشيوعية من خلال جر الشيوعيين لمعارك ومجازر وحشية اثارت ردات فعل قوية حتي عند حلفائهم ومؤيديهم. وعزلهم بما يحقق مبدأ ايزنهاور، ويحقق الغاية من بناء حلف بغداد، وهو منع انتشار النفوذ السوفييتي الي الوطن العربي.الركلة الأولي للشيوعيينلذلك كانت مجزرة كركوك المبرر الاخلاقي او الموضوعي ليوجه اول ركلة للحزب الشيوعي. الا أن قاسم ، كان علي ما يبدو لا زال يحمل بعض المخاوف من ان يتمكن القوميون التحرك ضده وازاحته من السلطة. وهو يدرك اكثر من غيره ايضاً حقيقة النوايا الانتهازية والنفعية التي تحرك مجموعة الضباط القريبين منه، والذين حسبوا علي الحزب الشيوعي، استجابة لرغبة قاسم نفسه علي ما يبدو مثل وصفي طاهر، والمهداوي وغيرهم من الضباط الذين اطلق عليهم وصف القاسميين، كأحسن توصيف لانتهازيتهم كالجدة والعبدي وقاسم الجنابي، أي انه لا يعاني من عقدة الخوف من تغير ولائهم له بسبب انقلابه هذا علي الحزب الشيوعي. لذلك تأتي خطوة قاسم لاطلاق سراح المسجونين من البعثيين والقوميين، كوسيلة لتحقيق التوازن مع الشيوعيين في الشارع العراقي، بعـــــــد ان اعتقد او ظن بانه انهك حزب البعث بما يكفي للتخلص من شره ويطفئ طموحاته للسيطرة علي السلـــــطة، الا ان الحزب ما زال كما يعتقد قاسم قادرا علي التأثير في الشارع بما يكفي لمواجهة الشـــيوعيين وانصارهم. ثم انه اعتقد علي ما يبدو بأن تهيئة الساحة لتصعيد الصدامات بين البعثيين والشيوعيين، ستنهك الشيوعيين وتضعفهم، وتقـــــضي علي او تستهلك تماما ما بقي عند البعثيين من قدرات للتحرك، وتخلصه من المخاطر التي يمثلها حزب البعث علي حياته وسلطته، كـــــما اثبت الحزب قدرته علي ذلك من خلال محاولة التصدي له في شارع الرشيد، في محاولة اغتـــــيال جريئة، نجــا منها قاسم بأعجوبة.7