وما آفة الأخبار إلا رواتها من أوراق حازم جواد: حركة 8 شباط المغدورة بين الحقائق والتشويه (7)

حجم الخط
0

وما آفة الأخبار إلا رواتها من أوراق حازم جواد: حركة 8 شباط المغدورة بين الحقائق والتشويه (7)

هكذا ذاق قاسم من نفس الكأس الذي سقانا اياه عندما تآمر علي الثورة وحولها الي انقلاب يمجدهلقاء عبد الناصر في انشاص .. حضوره كان طاغيا.. ودعوته لي وللركابي اثارت حفيظة اكرم الحوراني وما آفة الأخبار إلا رواتها من أوراق حازم جواد: حركة 8 شباط المغدورة بين الحقائق والتشويه (7)بعد أكثر من أربعين سنة علي وقوع حركة شباط المعروفة في التاريخ العراقي (1963) قرر حازم جواد قائد هذه الحركة وأحد الرموز المهمة فيها العودة اليها، ووضع النقاط علي الحروف. ويقدم جواد عرضا تاريخيا للاحداث وتقييما للشخصيات التي لعبت في هذه الحركة والظروف العراقية والاقليمية. وهي شهادة مهمة لانها تصدر عن واحد من اهم صناع هذه الحركة. وفي هذه الحلقة يواصل جواد محاولة اغتيال قاسم، واعادة تنظيم حزب البعث، وزيارته للقــاهرة، بعد ان عاد للعراق متسللا، وعلاقته بعلي صالح السعدي. القدس العربي العودة من سورية ودوي الرصاصفي شارع الرشيدلم يكن الحزب غائبا او غافلا عن معرفة النوايا الحقيقية لقاسم، لذلك عدت متسللا الي العراق من سورية، تحدوني الرغبة في المشاركة الفعالة مع بقية رفاقي لتجاوز محنة العشرين من ايلول التي اجبر بها الحزب علي التحرك ليس بدافع او موقف الدفاع عن الذات فقط، بل الدفاع عن الانتماء العربي للعراق. حضر السيد السعدي لزيارتي في داري بمعية السيد فيصل حبيب الخيزران ، بهدف ان ينقلا للحزب خبر عودتي اولا، ولكي يؤمنا ايصال حقيبة صغيرة تحتوي علي مجموعة من الاسلحة الخفيفة كنت جلبتها معي من سورية. اخبرت في هذه الزيارة ان فدائيي الحزب يترصدون الآن موكب عبد الكريم قاسم ومن المحتمل مهاجمته في اي ساعة يمكن ان يمر بها في شارع الرشيد. كما اخبرني السعدي انه لازال مجمداً وان الرفيق عبد الله الركابي عضو القيادة القطرية يلتقي به من حين الي اخر بصورة فردية. وفعلا دوت اصوات رصاص الفدائيين البعثيين في شارع الرشيد مستهدفة الدكتاتور مساء السابع من تشرين الاول (اكتوبر) 1959. أي بعد مرور اسبوعين علي دوي رصاص الغدر في ام الطبول، عندما اعدم الجزار قاسم نخبة من خيرة كبار القادة العسكريين من ذوي الاتجاهات القومية، الذي اتهموا بالتأمر، علي النوايا من دون ان يشاركوا فعلا في حركة الشواف في الموصل في اذار (مارس) 1959، ذلك ان الضباط المشاركين فعلا في الحركة قتلوا من قبل الشيوعين وسحلت جثثهم في الشوارع، وهرب الناجون منهم الي سورية، فاصدرت عليهم المحكمة المهزلة – محكمة المهداوي احكاما بالاعدام، صادق قاسم علي تنفيذها فوراً. وكان من بينهم القائد البطل العميد ناظم الطبقجلي والعقيد رفعت الحاج سري، واحد عشر ضابطا اخرين معظمهم من مدينة الموصل البطلة. هكذا ذاق قاسم من نفس الكأس الذي سقانا اياه منذ بدأ يتآمر علي الثورة في الايام الأولي لانطلاقها، وتحريفها من ثورة قومية تحررية الي مجرد انقلاب يمجد زعامته التي لم يكن لها طعم ولا لون. ان هذه العملية البطولية لفدائي البعث، دعتني للاستمرار بالاختفاء بانتظار الصفحة الثانية من العملية التي لم تجر بسبب تردد بعض العسكريين الذين وعدوا الحزب بالتحرك والسيطرة علي مقاليد الأمور، فور تنفيذ الحزب للعملية. شنت السلطة حملة واسعة من المداهمات لبيوت البعثيين والقوميين من التيارات الاخري، وقامت باعتقال مجموعة من القادة الحزبيين وبعض الشباب المنفذين، التجأ الاستاذ فؤاد الركابي الي دار اهلي للاختفاء بانتظار ما ستفرزه الظروف ، ثم قرر بعد ايام مغادرة بغداد الي مدينة الفلوجة طلباً للامن، ومن هناك بدأ يخطط للنزوح الي سورية تجنبا للاعتقال، وما يترتب عليه من المزيد من التعقيدات للحزب، فغادر كل من الاستاذ فؤاد والسيد عبد الله الركابي، وكاتب هذه السطور، ورتبت منظمة الحزب القوية مسألة اقامتنا هناك لحين اكتمال الاعداد لعملية الهروب الي سورية. حللنا ضيوفا علي دار المرحوم الحاج طالب عريم. وعند وصولنا لدار هذا الرجل الشجاع الكريم فوجئنا بوجود السيد علي صالح السعدي الذي سبق الجميع علي مايبدو في اللجوء لتلك الدار، وعلمنا انه يرغب ايضا بالذهاب الي سورية لاحتمال اعتقاله اذا بقي في بغداد. استمرت اقامتنا في الفلوجة حوالي العشرة ايام غادرنا بعدها الي سورية عبر الصحراء الغربية، ووصلنا الي هناك بحدود منتصف شهر تشرين الثاني. يصف الاستاذ فؤاد الركابي تلك الايام، وتلك الرحلة الجميلة عبر الصحراء الغربية بكتابه المختصر الحل الأوحد ، الذي كتبه بسرعة، وبقدر ما سمحت به ظروفه الخاصة ليصف ويناقش فيه هذه التجربة محاولة اغتيال قاسم في شارع الرشيد . تشكيل قيادة قطرية مؤقتة في دمشقبعد استراحة قصيرة للمحاربين في سبيل الحق والعدل والحرية، في مدينة دمشق، عاصمة الاقليم الشمالي للجمهورية العربية المتحدة، في ذلك الوقت، اجري المرحوم فؤاد الركابي بعض المشاورات مع القادة العراقيين الموجودين في دمشق، وتم علي اثرها تشكيل قيادة قطرية جديدة ومؤقتة في المنفي. ويشهد من بقي علي قيد الحياة من شهود تلك المرحلة علي الدور المميز لي في اقناع الاستاذ فؤاد الركابي، والاستاذ ميشيل عفلق بضم السيد علي صالح السعدي لهذه القيادة، واعادة الاعتبار له بعد ان كان مجمدا. ضمت القيادة القطرية الجديدة التي تشكلت في دمشق كل من السادة:فؤاد الركابي، صالح شعبان، فيصل حبيب الخيزران، مدحت جمعة، علي صالح السعدي، عبد الله الركابي حازم جواد، وربما واحدا او اثنين آخرين لاتحضرني اسماؤهم الآن.كانت باكورة اعمال هذه القيادة هي ترفيع درجة صدام حسين الي درجة عضو عامل بالحزب، بناء علي ترشيح المرحوم فؤاد الركابي، وتزكية مني. كان هدف المرحوم فؤاد هو تكريم صدام علي مشاركته في محاولة اغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم في شارع الرشيد. وادي صدام يمين الاخلاص للحزب والامة العربية بحضور القادة الاخرين، واستاذن بعد ايام للسفر الي القاهرة لاكمال دراسته هناك، كما جاء تفصيل ذلك في الحلقةالاولي من سلسلة حازم جواد يتذكر التي نشرها الاستاذ غسان شربل في جريدة الحياة عدد 8 شباط (فبراير) 2004. تعيين حازم جواد مسؤولا اول عن العراقكان القرار الاخر للقيادة الجديدة، وبعد مناقشة الظروف الجديدة، وما تفرضه من استراتيجيات جديدة، ايضا، للعمل في العراق، هو تكليف حازم جواد بمسؤولية قيادة التنظيم في العراق، والاشراف علي نشاطاته هناك، علي ان اغادر الي هناك، متسللاً الي بغداد ثانية، في اقرب فرصة’ ممكنة، بعد السفر للقاهرة للتدرب هناك علي نوع جديد ومتطور من اجهزة الارسال، وبعض اساليب التخفي. تحسبا للجوء قاسم الي قطع العلاقات الدبلوماسية مع الجمهورية العربية المتحدة، بعد اتهامها بالمساهمة في محاولة الاغتيال، وحاجتنا لتنسيق الجهود والنشاطات بين الحزب والقيادة في الجمهورية العربية المتحدة، وقيادة الحزب هناك. وفعلا انجزت المهمة في القاهرة خلال شهر واحد، شهر كانون الاول (ديسمبر) 1959، كما هو محدد. أطلعتُ في القاهرة علي الشرخ الكبير المؤسف في العلاقة بين الحزب والقيادة السياسية في دولة الوحدة وقائدها جمال عبد الناصر، والذي انعكس بشكل واضح ومعلن باستقالة الوزراء البعثيين من الحكومة المركزية في القاهرة وكذلك الاقليمية في دمشق. كانت هذه الاستقالات الجماعية لقيادات الحزب دلالة او اشارة لتخلي الحزب عن دعم تجربة الوحدة ودولتها الوليدة، بل هي بالاحري استقالة من الوحدة نفسها، اعز وأغلي اهداف حزب البعث، ووصفته السحرية لأنقاذ الأمة وتحرير فلسطين. واختار المستقيلون محاكمة أبطال الحزب أمام محكمة المهداوي لتقديم استقالاتهم في حركة تكتيكية واضحة لتجنب غضب الرئيس عبد الناصر، وبدأ البعض منا يستوعب تلك التكتيكات السورية صغيرها وكبيرها بمرور الأيام من أجل خدمة الأهداف الضيقة للقيادة السورية.كما تشرفت في القاهرة بلقاء الرئيس جمال عبد الناصر، في حفل خاص ضمَ بعض القادة الاخرين بمناسبة تخرج دورة جديدة من قوات الصاعقة المصرية، جري في قاعدة انشاص، بحضور المشير عامر وبعض القادة من الجيشين الاول والثاني. جلس الشهيد الركابي علي يمين عبد الناصر وأنا علي يساره وبجانبي المشير عامر. كان حضور عبد الناصر طاغياً حتي علي تمرينات المناورة، وهذه هي المرة الثانية التي أري فيها عبد الناصر عن قرب، وكانت الأولي في دمشق غداة فشل حركة الشهيد الشواف وقد خرج خطيباً في الجماهير التي تجمعت أمام قصر الضيافة وخاطب الجماهير بقوله يا أصحاب الرسالة الخالدة ، وأطلق وصف قاسم العراق للمرة الأولي علي عبد الكريم قاسم. يبدو أن دعوتنا ومشاركتنا هذه أثارت حفيظة أكرم الحوراني والوزراء المستقيلين، من دون أن نكون واعين بذلك، كما اتضح بعد عقود من الزمن كما كتب الحوراني في مذكراته اخيرا.محكمة المهداوي تصدر احكامهاعدت بعد انقضاء الدورة التدريبية الي دمشق، ومن هناك الي المدينة الحدودية ـ بوكمال ـ. خلال وجودي هناك انتظر الفرصة للدخول الي العراق، اصدرت محكمة المهداوي احكامها بحق المتهمين بالمشاركة في محاولة اغتيال قاسم، ولم يرد بحقي اي اتهام او تجريم. عبرت في فجر اليوم التالي الحدود العراقية ـ السورية، وهذه هي المرة الرابعة التي اجتاز بها هذه الحدود، ذهابا وايابا. ووصلت بغداد في اليوم التالي بعد استراحة قصيرة في مدينة حديثة، وفي دار مسؤولها الحزبي الاستاذ شكري الحديثي، ودعوت الموجودين في العراق من اعضاء القيادة المؤقتة للاجتماع عن طريق عضوها المناضل صفاء محمد علي. وحضر هذا الاجتماع كل من الرفاق: صفاء محمد علي، دحام الالوسي، محسن الشيخ راضي، حميد خلخال، وعبد الحسين عبد الصاحب. وأُبلغوا بتعيين الكاتب حازم جواد بقرار القيادة توليه قيادة الحزب في القطر العراقي. استقبل الجميع الخبر بالترحاب، وتعهدوا بالتعاون التام، وتقديم كل ما يستطيعون من مساعدة لانجاز مهمتي في اعادة بناء المنظمات الحزبية ووضعها في الاتجاه الصحيح للدفاع عن عروبة العراق، والنضال ضد الدكتاتورية، مع التركيز علي المهمة الجديدة والملحة وانقاذ القادة البعثيين المحكومين بالاعدام. ولم المس من هؤلاء الرفاق الا التفاني والاستعداد للتضحية، ونكران الذات من اجل خدمة اهداف الحزب. بعد عدة اشهر عاد السيد علي صالح السعدي من سورية، واعتقد انه وصل في شهر اذار (مارس) ان لم تخني الذاكرة، وانضم للقيادة المؤقته العراقية بطلب من القيادة التي سبق ان تشكلت في الشام. انحلت القيادة القطرية المؤقته في الشام، بعد ذلك التاريخ بقليل. واتخذت عندئذ قيادة العراق، اسم القيادة القطرية، وسمي الكاتب حازم جواد اميناً لسر القيادة القطرية، وتم تعيين السيد علي صالح السعدي، باقتراح مني، نائبا لأمين السر وبحضور جميع الاعضاء الآخرين في القيادة المذكورة اسمائهم في اعلاه. وتم تحديد وتوزيع المهمات التنظيمية بينهم. من ضمنها تكليف السيد صفاء محمد علي بالاستمرار في تولي مهمة الاتصال الفردي بالمقدم صالح مهدي عماش، بسبب تجميد نشاطات الحزب داخل القوات المسلحة بتعليمات مني مباشرة حال وصولي الي بغداد في شهر كانون الثاني، هذا اضافة لمهمات الاخ صفاء السرية الاخري، منها الاشراف علي مطبعة الحزب السرية، والاتصال السري بممثل الجمهورية العربية المتحدة في بغداد. ساهم الكاتب حازم جواد بنشاط مكثف بانتخابات اتحاد نقابات العمال لانتزاعها من احتكار الحزب الشيوعي، وكانت سياستنا تتركز علي اساس تدعيم القوائم الانتخابية المستقلة. كما لعب مكتب عمال الحزب الذي تشكل حديثا بقيادة الرفيق شكري الحديثي دوراً بارزاً في تحقيق نجاح خطة الحزب تلك. ما ان تم استكمال بناء منظمات الحزب حتي تم اجراء الانتخابات العامة للحزب في نهاية تموز واوئل اب (اغسطس) من ذلك العام 1960. استطاع الحزب، خلال هذه الفترة من استيعاب الاعداد الكبيرة من المنتظمين المنتسبين الجدد له. كما استطاع اعادة بناء منظماته المناطقية في جميع المدن الاخري خارج العاصمة، وتأمين الربط بينها. وبدات نشاطات الحزب تجري بشكل شبه علني بالقدر الذي تسمح به الظروف، خاصة بعد تعمق الشرخ بين عبد الكريم قاسم والحزب الشيوعي. كما يبدو ايضا ان قاسم استوعب درس محاولة الاغتيال وتعرف علي مدي استعداد الحزب لمواجهة توجهاته الدموية كلما حاول تصعيدها ضد القوي القومية، وقدرة الحزب علي رد الضربة بضربة. لذلك بادر بتأجيل تنفيذ احكام الاعدام الصادرة بحق بعض اعضاء الحزب، وازال بذلك كابوسا ثقيلا من علي صدورنا. المؤتمر القطري الثالثثم عقد المؤتمر القطري الثالث في شهر آب (اغسطس) برئاستي، في بستان المناضل البعثي العضو احمد زبير، الكائن في الراشدية. وقضي اعضاء القيادة والكوادر الحزبية والمندوبون من المدن الاخري ليلتين او ثلاثة في ذلك البيت الآمن والمضياف بكرم يندر مثيله. القيتُ في هذا المؤتمر التقرير السياسي، وطلبت من المؤتمرين الموافقة علي اضافة اسماء رفاقنا المسجونين في سجن رقم واحد العسكري كاعضاء عاملين في المؤتمر وهم: اياد سعيد ثابت، خالد علي الصالح، سمير عزيز نجم، سليم عيسي الزيبق، احمد طه عزوز اضافة لثلاثة آخرين مسجونين في سجن بعقوبة الذي كان يضم عشرات الحزبيين، وهم: حمدي عبد المجيد، غانم عبد الجليل، وثالث لا اتذكر اسمه. وايد المؤتمرون هذه الاقتراحات، وابلغت منظمة الحزب في السجن بهذه القرارات، ورحب الاخوة في السجن بهذه القرارات عندما قام الرفيق محسن الشيخ راضي، عضو القيادة، بنقل التبليغ.اصبح السيد محسن الشيخ راضي فيما بعد من اقرب اصدقاء السيد علي صالح السعدي بعد العام 1963 بسرعة قياسية، كما انفض عنه بنفس المستوي من السرعة. وضمت القيادة الجديدة الاعضاء التالية اسمائهم: علي صالح السعدي، محسن الشيخ راضي، دحام الالوسي، عبد الحسين عبد الصاحب، حميد خلخال، صفاء محمد علي، تحسين معلة وحازم جواد.انتخاب حازم جواد امينا للسر عقدت القيادة اجتماعها لانتخاب أمين السر. ولا يتم عادة ترشيح اسم محدد لانتخاب امين السر، فكما تقتضي تقاليد الحزب يعتبر جميع اعضاء القيادة مرشحين لهذا الدور. ففاز حازم جواد بسبعة اصوات من مجموع ثمانية. وصوت واحد للسيد علي صالح السعدي، هو صوته هو فقط لا غير. كان ردة فعل السيد علي صالح السعدي لهذ النتجة مثيرة للدهشة كما هي مثيرة للعجب، فما ان بدأ احد اعضاء القيادة، اعتقد انه دحام الألوسي، بقراءة نتائج الاقتراع، بدات الانفعالات تظهر علي وجهه ـ السعدي ـ مع قراءة اختيار كل ورقة. وما انتهي السيد دحام من قراءة اوراق الاقتراع الثمانية، حتي انفجر السيد السعدي غضبا في واحدة من نوباته الهياجية، بصوت متشنج وعال صارخاً : يبدو ان هناك تكتل سري ضدي . فاستنكر الجميع هذا التعبير السمج منه، والغريب انه انتقد من اقرب اصدقاءه اليه كصفاء محمد علي، ودحام الالوسي، وهم علي علاقة جيدة به ومن اقرب اصدقائه. هذا لا يعني ان علاقتي كانت سيئة بهم، لكن صلاتهم بالسعدي كانت اكثر واوثق مما هي مع اي من اعضاء القيادة الاخرين. لكنهم بانتخابهم لأمين السر ارتقوا فوق مشاعرهم الخاصة واخضعوها لمصلحة الحزب متجاوزين علاقاتهم وصداقتهم الشخصية القوية مع السيد السعدي. مع اني لم اسع لذلك، او استحث احداً علي انتخابي، وجاءت اختيارات الجميع علي اساس قناعات فكرية وعقلية تشكلت من خلال التجربة المشتركة الطويلة بيننا، ومعرفتهم بتاريخي الحزبي. لا اخفي ان هذا الموقف الضعيف، هز صورة المناضل علي السعدي عند رفاقه، كما عندي، واستغربت لها الموقف، لان علاقتي به كانت ايضا متينة وقوية، ولم اشك يوما بمحبته لي. والامور جرت امامه من دون ان يكون هناك اي تكتل او تامر، فهو حضر كل جلسات المؤتمر وشارك فيها دون ان يفوته امراً يمكن ان يدفعه للشك او التصور ان هناك تكتل او تآمر سري ضده. حاولت تلافي الاحراج الذي وضع الاخ علي نفسه فيه، فقلت : اذا كان الاخ علي يعتقد بأهليته لتولي هذا الموقع، او اني فشلت في شيء في اعادة تنظيمات الحزب ونشاطاته بعد محنته التي تلت عملية اغتيال قاسم الفاشلة، أو كان يعتقد انه اكفأ مني في تحمل هذه المسؤولية، فاني مستعد للتنازل له عن مسؤولية الامانة العامة. اعترض جميع الرفاق الآخرين، واصروا علي ان يحترم الجميع نتيجة الانتخاب مؤكدين انهم وضعوا ثقتهم المطلقة بقيادتي للحزب، لما لي من ماض نضالي. التزم الرفيق السعدي بالصمت ولم يعلق بكلمة واحدة . مع ذلك عقبت باني اعلن امامكم جميعا ان لا فرق بيني وبين الاخ علي، وكلنا امناء سر وكلنا اعضاء قيادة نعمل بشكل جماعي لخدمة اهداف الحزب وتطلعات امتنا العربية المجيدة . وانتهي الاجتماع علي هذه الصورة، واعيد توزيع المهام التنظيمية، وتم بعد ذلك نقل مسؤولية التنظيم العسكري من الاخ صفاء محمد علي، لتصبح جزءا من مهمات الاخ علي صـــــالح السعدي، وبطلب مني شخصيا. (واتمني ان يطلّع الاخ صفاء محمد علي، والاخ عبد الحسين عبد الصاحب، الاحياء الوحيدين من بين بقية الرفاق الحاضرين علي هذه المذكرات، وساكون سعيداً ان يقدما ملاحظاتهما عليها، وان لا يتحرّجا في الاشارة الي ما يُعتقد انه غير صحيح او سليم مما ورد من ذكريات وشهادات بها). واطلقنا علي قيادة التنظيم العسكري ، اسم اللجنة العسكرية، التي تم تغيير اسمها فيما بعد الي اسم المكتب العسكري فضلت اختيار الاخ علي لهذه المهمة لأنه كان علي صلة ومعرفة بممثل التنظيم العسكري السيد صالح مهدي عماش منذ ايام العهد الملكي، وجمعهما الاعتقال ثانيةً في خريف عام 1958 في سجن الباب المعظم، كما مر ذكر ذلك فيما سبق، عند الحديث عن السيد أحمد حسن البكر.اعضاء المكتب العسكريوكنت انوي، او اتطلع، لتفعيل دور الرفاق العسكريين بعد ان كنت قد اتخذت قراراً بتجميد نشاطات التنظيم العسكري منذ توليت المسؤولية في كانون الثاني (يناير) 1960. وبعد ان نجحت في اعادة تنشيط وتفعيل التنظيم المدني وتجاوز النكسات التي تعرض لها. جاء الوقت لنلتفت الي تنشيط تنظيماتنا العسكرية واعدادها بشكل فعال للتحرك الناجح في القضاء علي الدكتاتورية. ان هذه المهمة الجديدة للاخ السعدي هي اولي المهام التي يكلف بها، منذ عودته من سورية الي العراق. مع التأكيد هنا، ان نفس الاقبال الجماهيري للانتماء للحزب وتأييده ودعمه، حصل بالنسبة لضباط الجيش ومراتبه المختلفة وفي مختلف صنوفه. لذلك اعيد تشكيل اللجنة العسكرية التي كان يديرها مباشرة السيد فؤاد الركابي، باخري جديدة ومؤقتة اصبح مسؤولها السيد السعدي، كما ذكرت. وحلت هذه اللجنة بعد فترة قصيرة، لتخلخل قيادتها للمنظمة العسكرية في الحزب، حيث التحق بالتنظيم الكثير من الرتب المتوسطة والكبيرة، مما كان واحداً من الاسباب التي دفعتنا الي اعادة تنظيمها، وابدل اسمها باسم المكتب العسكري، وعندما استلمت مسؤوليته في بداية 1962، كان المكتب يتشكل من كل من الضباط التالية اسماؤهم: احمد حسن البكر، صالح مهدي عماش، عبد الستار عبد اللطيف، خالد الهاشمي، حردان التكريتي. ووفق خطة دقيقة ومدروسة كنا وضعناها، انضم الي تنظيمات المكتب جميع اللذين خرجوا للمساهمة في ثورة 14 تموز المجيدة، وغالبية الضباط الاحرار باستثناء نفر قليل منهم ظل علي ولائه لقاسم، مثل وصفي طاهر، قاسم الجنابي، جاسم العزاوي. هذا اضافة الي انه كان هناك تنظيماً قومياً اخر، يعمل داخل القوات المسلحة، ويتعاطف مع قيادة الرئيس جمال عبد الناصر، ضم عدد من الضباط الاحرار اللذين ساهموا بثورة تموز، كالقادة صبحي عبد الحميد، محمد مجيد، عرفان وجدي والعشرات من الضباط القوميين الآخرين. هذه صورة مختصرة عن خريطة التشكيلات العسكرية المسيسة العاملة داخل القوات المسلحة عام 1962، وهو نفس العام الذي شهد نشاطنا المكثف للاطاحة بنظام الزعيم الأوحد.7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية