وما كتبوها ولكن شُبّه لهم!..
نصر جميل شعثوما كتبوها ولكن شُبّه لهم!..كلّ قصيدة هي قناع من لغة، يختزل فيها الشاعر حالةً أو فكرةً أو رؤية ما. ارتكاز القصيدة علي فكرة ما لا يعني تغييب مُوجبات الجذب الشعرية ؛ الشاعر لا يلقي بوجدانه ناحية الغياب أثناء انشداده لكتابة رؤيته أو فكرته التي يريد لها الوصول والمكوث بلذةٍ في ذائقة المتلقي. وبما أنني أتحدث عن مدي تحقّق لذة القصيدة أو النصّ في المتلقي، فيتعين عليّ الحديث، أيضاً، حول قصيدة التفعيلة، وقصيدة النثر وارتباطهما باللذة. أتفق مع الجميع علي أن الجدل حول قصيدة النثر قد حسم لصالح شرعية شعرية القصيدة، فهي تحظي بحضور كبير في المشهد الشعري الكوني، لكن ما يجعل زمن التساؤل يعيد نفسه حول قصيدة النثر هو الحالة التي وصلت اليها حركة الكتابة الشعرية المُعاصرَة، والتي تنم عن أزمة حقيقة في الشعر. فلا تزال الراديكالية الشعرية تعبر عن رفضها و تنازع النقيض بمواقفها وآرائها بالنسبة للقصيدة و تمثلها جماعة التفعيلة . وفي الطرف الآخر جماعة قصيدة النثر ، ففي حين تعيب الجماعة الثانية علي الأولي تحديد أو تقليص حدود الفكرة والرؤية في النص بسبب تقنين القصيدة بالوزن والقافية؛ تري الأولي، أيضاً، أنَّه من أشدّ المآخذ التي تسجّل بحق الثانية هي حالة الالتباس والتورط في أقاليم السرد والتخبط، والـتي يهيئ لداخلها أنه في دائرة مصطلح قصيدة النثر . وكما يعتبر الليبراليون الوزن والقافية عبئاً يحدّ من انطلاق الرؤية، يحمل التفعيليون رؤية صادقة تشير الي درجة الاخلال في كتابة قصيدة النثر، والتي نلمسها في واقع الكتابات النثرية الجديدة المنجرفة مع التيارات السردية والتقريرية اللامنتمية لمنطقة قصيدة النثر، وقد بدا واضحاً أن هناك أكثر من خلل وخدش بشروط الوحدة، الايجاز، المجانية التي تحدثت عنها سوزان برنار في كتابها التأسيسي لقصيدة النثر، حيث تعني برنار بالوحدة الوحدة العضوية أي يجب علي القصيدة أن تكون في وحدة واحدة، ومهما امتازت بالتعقيد والحرية عليها أن تكون عالماً مغلقاً، خشية أن تفقد صفتها كقصيدة. وأما المجانية، فتعني أنْ ليسَتْ للقصيدة أية غاية بيانية أو سردية خارج ذاتها، واذا استخدمت القصيدة السرد والوصف، فذلك يكون بشرط تسميتها و تشغيلها في القصيدة لخدمة الأغراض الشعرية الخالصة. وأما عن الايجاز في قصيدة النثر، فتعني به برنار أن تتلافي القصيدة الاستطراد والوعظ والارشاد، كما عليها أن تتجنب التفسيرية والتفصيلات المبنية علي سبب ونتيجة، فالقصيدة لا تحتمل احتواء البراهين والأدلة، وغير ذلك من جوانب. ويمكنني الاشارة هنا الي درجتين متقابلتين من الالتباس في فهم مصطلحي قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر ، فقصيدة التفعيلة منطقة كتابة شعرية لا تسلم من الاشكاليات والاختلالات، وان بدت معاييرها وضوابطها واضحة، فتوافر الوزن والقافية لا يعني وصول القصيدة الي ذروة الفن الشعري، الوصول الي التآلف والتوافق بين طرح الرؤية وعناصر بناء القصيدة الفنية انما ينم عن ظفر ابداعي متكامل الي حد بعيد، وفي اثر ذلك نتساءل: هل كلّ كاتب قصيدة تفعيلة شاعر تمنح له الشعرية نصَّاً خرافيّ السبقْ..؟ وبنفس منطق التفنيد السابق نأتي علي قصيدة النثر؛ فقصة المصطلح وتطبيقه في هذا الجانب قصة معقدة، وهي منطقة لا يصلها كلّ من همّ بالكتابة. الأمر حسّاس جداً وتنطوي كتابته عربياً علي الندرة، اذ يتعلق بموضوعة مصطلح قصيدة النثر وتطبيقه، ما يعني وجود كثير ممن يسيرون في طريق كتابة النثر خارج سلامة تطبيق المصطلح، والتطبيق هنا لا يشبه تطبيقات العلوم البحتة والعلوم الطبيعية. ان الحديث يدور حول فنّ فيه من النسبية والامكان. وبين النسبية والامكان توجد أقاليم كبيرة تحاول اجتيازها طوابير من الأسماء باتجاه الشعر بلونيه التفعيلي والنثري، وبرغم النظر الي سكّان هذه الأقاليم نظرة تنطوي علي اعتبارهم خارج الامساك بدقة المصطلح؛ الا أن تراشقاً يحدث فيما بين هؤلاء؛ كلّ فصيل يعلن عن عدم رضاه عن الآخر، وفي الدائرة، أيضاً، هناك من لا يؤمن بمنجز سكّان أقاليم أهل النثر العوّام ! في خضم هذه الحالة المعقدة وغير المصنفة تصنيفاً شعرياً معلناً، نتساءل عن هوية أهل الكهف من هم أهل الكهف ؟ هل هم أهل الشعر والشعر فقط..؟ أم هم نفرٌ خرجوا لبيئة فلم يتقنوا المكوث ولا التلاؤم فيها جيداً..؟ أم هم أهل التكيف مع فئةٍ فقهتْ ما في دائرة المصطلح..؟ وبشأن التساؤل حول استبدال تسمية قصيدة بـِ نص ، فالي هذا الحدّ لا توجد اشكالية حول هذه الانتقالة، لأنّ النصّ مفردة تنطوي علي الدقة والتقانة والحكمة، ودلالة ذلك هي النظر الي القرآن علي أنه نصّ أو جملة نصوص محكمة ، وعليه فتسمية قصيدة أو نص في الشعر تقوم علي اعتبار الجودة، جودة المنتج الذي ينم عن ملكة وفنية وقوة، مثلما هو الحال عند الحديث عن سورة قرآنية أو نصّ قرآني ؛ الي هنا الأمر طيب.. بيد أن هناك من راح يطلق علي عملية أو حالة كتابة الشعر بأنها نحت باللغة أو نقش أو تشكيل.. كلّ هذه الاعتبارات وسواها ما هي الا تسميات داخلية تنم عن رؤية ذاتية هي ملك تصور صاحبها، الأهم من ذلك هو عطاء القصيدة، للمتلقي، التي هي بمثابة اناء يحتوي حالات وذوات ولذّات ، انها ظفر ابداعي تحققه جودةُ المحتوي للشاعر وللمتلقي، هذه الجودة هي التي تترك للقصيدة حراسة ذاتها. ولعلّ ضعف المحتوي هو الباعث الذي ينشط في لا وعي مُنتِج الكتابة، بحيث يحمله علي اطلاق تسميات مرنة وفضفاضة – من قبيل : نصوص – علي منتجه. لا اختلاف علي أن القصيدة فعل كتابة نص، ولكنّها كتابة شعر، غير مختلطة أو متداخلة أو منفلتة في فضاءات لا تتسع للشعر. ولعلّ ما يزجّ بالأسماء لاستحداث تسميات لانتاجهم، يُعزي بالأساس الي سببين: الأول، هو اختلاط الأوراق، وعدم التفريق الفني بين الشعر وسواه ؛ بالنسبة لقصيدة النثر، أو بمعني أدق وصولهم الي حالة من التذهين المؤلمِ والطلسم.. (لا التأمل والغموض الجميل).. وحالة من التزاحم التهويم اللغوي الذي بات من مقدمات الاحباط عند متلقي الشعر. السبب الثاني، غيابُ النقد، أي عمله في المنطقة المكرّسة، وبالتالي مجافاته كمراقب ومقيم وحامٍ للنصوص الساحة الشعرية التي أنجزتها وتنجزها الكثرة. الحاجة، اذاً، لممارسة النقد الذي يعظّم الآن اقتصار علي تناول تجارب معينة وقليلة، قياساً بما تنتجه هذه الكثرة، وهذا السبب الأخير علي درجة عالية من الأهمية والتأثير، وغيابه يسمح للكثيرين بالتطرف وانتهاك الجمال. حتي أن المتلقي الذي يؤمن بقصيدة النثر بات يتحوّل عما ينتج حالياً، باحثاً بحنين عن القصيدة الجمالية المنظمة تنظيماً رؤيوياً ودلالياً يبعث علي البهجة الغائبة من نتاجات الكثرة. مؤشرات هذا التحّول الذي يسلكه المتلقي هي في الحقيقة سلوك مُعبّرٌ عنه بالاستنكار لكلّ هذه الفوضي و التخمة التي تصيب الشعر، وليس استنكاراً لـ قصيدة النثر وحسب. ولسوف نجد عند من يطلقون علي منجزاتهم الشعرية تسمياتٍ ضالتنا ومخرجنا، فالكتابة بطبيعتها متشعبة ومتشابكة ومنفلتة، اذاً، هي تنطوي علي الاتساع والاستطالة و الترهل في مناطق المكان والزمان الكتابية، وغير ذلك من انتكاسات.في مثل هذه المزاحمة و الكساد يعوزنا التفريق بين العمل الأدبي الذي يساوي انتاج وعرض الكتابة، وبين العمل الشعري الذي يساوي جودة ابداع أو اتقان أحد أعمال أو أجناس الكتابة، وان كان لا بدّ من قراءة صحيحة، فان الحديث سوف يدور حول قراءة عمل شعري غير متقن أو أداء شعري ناقص في خضم هذه الظواهر والمسطّحات الكتابية العريضة. اذاً، حمايةً للنظرة الشعرية، نبْني في خاتمة القول التأكيدَ علي أنّ: هدف الشاعر هو الشعر، أما قصيدة فهي اناء الشعر، وأما كتابة فهي مساحة لكلّ شيء. لذا فهي تحتمل لغة الشعر والنثر والسرد، بخلاف القصيدة التي تعظّم الشعر. شاعر وناقد من فلسطين0