وهزم بائع الشاي وزارة الثقافة!

حجم الخط
2

على استحياء جلس رجل بسيط بجوار قصر القبة بالقاهرة، يبيع الشاي للمارة وعابري السبيل، ولم يكن هذا هو الشيء اللافت في الأمر، ولكنه كان يضع بجواره ‘راديو صغيرا’ تردد من خلاله كوكب الشرق السيدة أم كلثوم رائعة أمير الشعراء شوقي ‘الأطلال’.
بدا هذا البائع المرهف حريصا على الاستماع أكثر من حرصه على الارتزاق والكسب، وهو ينصت لأم كلثوم وهي تردد: آه من قيدك أدمى معصمي.. لم أبقه وما أبقى علي.
ربما كان هذا نموذجا استثنائيا وسط طوفان الغناء القبيح الذي ساد، وأفسد القول حتى أحمد الصمم كما قال المتنبي.
نعم أفسد القول والذوق لأنه من الطبيعي الآن أن نمشي فتتأذى آذاننا من أغان قبيحة من أمثلة ‘بحبك يا حمار’ وغيرها من الأغاني ذات الكلمات والألحان الصاخبة المبتذلة.
نحتفي بهذا الرجل البسيط الذي أعادنا إلى الزمن الجميل الذي كان رجل الشارع الأمي يردد قصائد شوقي وناجي وغيرهما، ويستمع إلى أم كلثوم ويبادلها ألما بألم وشجنا بشجن، وآهات بآهات، رغم أنه لم يفهم معانيها، ولكنه لم يجهل شجاها كما قال الشاعر القديم واصفا أداء إحدى المغنيات:
ولم أفهم معانيها ولكن.. شجت قلبي فلم أجهل شجاها
وزارات الثقافة والإعلام في عالمنا العربي يفترض فيها أن تكون أداة للارتقاء بالوعي، والإحساس والذوق، ولكنها حادت عن أدوارها، وصارت أبواقا للدفاع عن الأنظمة المستبدة، وتخلت عن الأدوار الحقيقية المنوطة بها، وتبارت في النفاق لإرضاء الملوك والرؤساء.
عندما يسمع هذا البائع البسيط مثل هذه الأغاني الرائعة، ويسمع بها غيره، فإنه يكون قد أدى أدوارا كبيرة في الارتقاء بأشياء كثيرة منها:
الارتقاء باللغة البديعة التي يسمعها ويرددها، وهو بهذا يحيي اللغة بعد موات، وينشرها بعد ركود، ولا عجب فاللغة كما يعلمنا العلماء كائن حي يحيا ويقوى ويمرض ويموت.
ثانيها الحفاظ على الهوية العربية، لأن الحفاظ على اللغة هو حفاظ على الهوية.
ثالث هذه الأشياء أن الاستماع لمثل هذه الألحان والنغمات الجميلة ينمي ويرتقي بالوجدان والأحاسيس، لأنها تعبر عن الإنسان في جميع حالاته.. في حالات الرضا والسخط، الفرح والحزن، الألم والأمل، اليأس والرجاء.
رابعها الارتقاء بالعقل وتداول أفكار كبار الشعراء وفي مقدمتهم شوقي رحمه الله.
وزارات الثقافة والإعلام ترصد لها الميزانيات الضخمة التي تقتطع من قوت الشعوب، وتصرف للعاملين بها عشرات الألوف، ولكنها ـ للأسف الشديد- نكصت عن أداء الأدوار النبيلة المنوطة بها في الارتـــقاء بالعـــقول والأذواق.
استـطاع هذا المواطن البسيط أن يهزمها وينتصر عليها.
هذا البائع انتصر أيضا – بتواضعه وبساطته وقناعته وشرفه – على المدارس والجامعات التي لا هم لها إلا جني الأموال الطائلة، حتى ضعف دورها، وتآكل تأثيرها، وأصبحت نسيا منسيا.
مثل هؤلاء البسطاء يحببون إلينا الحياة والأحياء بما يملكون من بساطة وتواضع وشرف وتفاؤل رغم كل شيء، بعكس أنصار الرأسمالية المتوحشة الذين استبدلوا بأرقى المعاني الإنسانية، أخس المعاني الحيوانية. هذه المعاني النبيلة التي جسدها هذا البائع البسيط لا يفهمها ولن يفهمها الرأسماليون الذين لا يفهمون في هذه الحياة إلا لغة المال، ولا يعنيهم سوى القناطير المقنطرة من الذهب والفضة.
شكرا لهذا الرجل ولأضرابه من الشرفاء الذين يقبضون على الجمر، ويرتقون بالمشاعر الإنسانية إلى أعلى عليين، في الوقت الذي يهبط بها آخرون إلى أسفل سافلين.

‘ كاتب وصحافي مصري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية