وهلْ حَرُمُ سؤال الحمصي؟!

حجم الخط
0

من الطرف التي تُروى عنّا نحن الحمصيين أنّ واحداً من أهلنا كان مسافراً إلى دمشق في الثمانينات في يوم شديد البرودة من أيام كانون، حين كان الحصول على مكان في باصات (الهوب هوب) دليلاً على أنّ صاحبه ذو حظ عظيم ناهيك عن رضا والديه عنه، كان الواقفون في الباص أكثر من الجالسين، ولك أن تتصور هذه المأساة التي تمتد لأكثر من ثلاث ساعات في باص يلعب فيه الهواء البارد الذي لا يُعرف من أين يأتي مع أنّ النوافذ مغلقة، وحيث يقضي أكثر الركاب الرحلة وهو يجتهد في محاولة التغلب على منافذ دخوله في معركة خاسرة على الغالب، يزيد الأمر سوءاً أنّ أكثر الموجودين من المدخنين في باص كثيراً ما يحلو له الحُرون في (الثنايا) حيث يبلغ البرد أقصاه مع ثلوج غالباً ما تضيع معالم الطريق، ليبدأ فصل جديد من فصول الدفع و(الدفش) والجميع يحلل ويخمن ويستنتج أسباب توقف المحرك، ومن الغريب أن الباص غالباً ما يعاود الحركة بعد نصف ساعة أو أكثر من غير سبب، كما توقف من غير سبب.كان هذا الحمصي من الذين وجدوا لأنفسهم مكاناً بين الواقفين قرب معاون السائق ( الجابي ) الذي يسند ظهره إلى باب الباص الذي يفتح يدوياً بعد رفسة خشنة من هذا الجابي، وهو رجل قصير القامة، يتقدمه كرش كبير، ويحمل رأساً يكاد يبلغ ثلث وزنه، والعرق يتصبب (رغم البرد الشديد) ممّا يظهر من صلعته من تحت القلنسوة التي يعتقد أنّها كانت بيضاء حين نُسجت يدوياً من صوف قديم، ولكنّها تبدو اليوم صفراء كصفار شاربي مدخن عتيق.بينما كان الجابي يعدّ ما جمعه من الركاب بادره الحمصي متسائلاً: كم بقي من الوقت لنصل إلى معرة النعمان؟ نظر إليه الجابي بطرف عينه، ثمّ أعرض عنه، قائلاً في نفسه : لعلّه يتظارف ليروّح قليلاً عن الركاب؟ ولكنه نسي أين وصل في العدّ فاضطر أن يسـتأنف من جديد.مضى وقت قليل ليعيد الحمصي السؤال من جديد بصيغة جديدة: هل اقتربنا من معرّة النعمان؟نظر إليه الجابي نظرة فيها شيء من الغضب ثمّ تمتم: أسوأ ما في الإنسان أنّ يظن أنّه خفيف الظلّ، ولكنه نسي من جديد أين وصل في العدّ، فاضطر أن يسـتأنف مرة أخرى.انتظر الحمصي وقتاً قليلاً ليعيد السؤال بصيغة أخرى: هل وصلنا إلى معرّة النعمان؟وهنا استشاط الجابي غضباً، وقد نسي أين وصل في العدّ، وصرخ في الحمصي : ألا تعرف إلى أين أنت ذاهب؟ قال الحمصي: بلى إلى دمشق .قال فلما تسأل عن معرّة النعمان؟! ألا تعلم أنّ معرّة النعمان على طريق حلب؟!قال: بلى. قال فلمَ تسأل إذن؟! قال له الحمصي متعجّباً: وهلْ حَرُمَ السؤال؟! فوقع الركاب (الذين نسوْا مأساتهم) على بعضهم من شدّة الضحك، بينما استأنف الجابي العدّ من جديد.عبد عرابي حمص – سوريةqmn

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية