وهل ينفع الترقيع الوزاري ما أفسده المالكي؟

حجم الخط
0

وهل ينفع الترقيع الوزاري ما أفسده المالكي؟

هارون محمدوهل ينفع الترقيع الوزاري ما أفسده المالكي؟ثمة حديث يتكرر في بغداد منذ خمسة شهور عن تعديل وزاري أو تغييرات وزراء في حكومة نوري المالكي، وتحديداً منذ الاسبوع الثاني لتشكيل هذه الحكومة، والهدف واضح من تسريب هذا الكلام وتداوله، وخصوصاً عندما تشتد الأزمات وتحتدم الخلافات الشخصية والحزبية بين الاطراف الثلاثة المشاركة في ما يسمي بـ(العملية السياسية) الائتلاف الشيعي والتحالف الكردي وجبهة التوافق السنية. فقد ثبت بالملموس ان الحكومة الحالية ليست حكومة وحدة وطنية كما يحاول المالكي تسويقها، وليست حكومة عملياتية او خدمية، كما يزعم أعضاؤها للترويج لها منذ بداية إعلانها، فهي مثل سابقتها الانتقالية التي رأسها ابراهيم جعفري، وهي الحكومة التي أسست للتطاحن الطائفي والفئوي بأبشع صوره وجاء المالكي وكرس هذا التطاحن ونقله الي مرحلة التقاتل، وأخضع نفسه وأداءه الي إملاءات الائتلاف الشيعي والتحالف الكردي بشكل فاق سلفه، حتي وصل الامر به الي انه زار شمال العراق وذهب الي مسعود بارزاني في منتجعه الرئاسي في قرية (سرة رش) وقابله وكأنه موظف لديه، وطلعت أجهزة إعلام حزب بارزاني بخبر احتل صدارة الصحف والقنوات الكردية يقول: إستقبل مسعود بارزاني رئيس اقليم كردستان رئيس الحكومة العراقية في بغداد نوري المالكي.. الخ) بطريقة توحي بان مسعود هو الذي بعث عليه، ولبي الاخير الدعوة صاغراً، مع ان الأعراف السياسية تقضي بان يذهب بارزاني وغيره من المسؤولين الاكراد الي بغداد باعتبارها المركز والعاصمة، ورحم الله الزعيم عبدالكريم قاسم والرئيس عبدالسلام عارف، اللذين كانا يرسلان موفدين الي الملا مصطفي والد مسعود، من الشخصيات العسكرية والادارية المسؤولة عن المنطقة الكردية للقاء معه والاجتماع به، فالزعيم كان يبعث عادة آمر لواء عسكري يخدم في المنطقة مثل العقيد حسن عبود، وعبدالسلام كان يرسل اليه احد محافظي اربيل او السليمانية لا غيرهما، علماً بان عبدالكريم وعبدالسلام عرفا بتواضعهما وبساطتهما، ولكنهما تصرفا بمسؤولية وطنية عالية، فلا يجوز لرئيس دولة او حكومة عراقية يحترم نفسه ومكانته ومركزه ان ينحدر الي مستوي الاجتماع الرسمي مع شيخ عشيرة في قريته او رئيس حزب في مكتبه، حتي نوري السعيد رحمه الله رفض الاجتماع مع الملا مصطفي في كركوك او الموصل كما كان اقترح السفير البريطاني في العراق السير كونهان كورنواليس في مطلع عام 1944، وإنما اوفد اليه وزير الدولة الكردي ماجد مصطفي واصطحبه الي العاصمة بغداد وصدر بيان حكومي يقول: لقد أظهر الملا مصطفي الندم علي ما قام به فاغتنم فرصة وجود معالي وزير الدولة ماجد مصطفي في (ميركه سور) بتاريخ 7 كانون الثاني 1944 وحضر الي مقر حامية الجيش العراقي مستسلماً للحكومة بدون قيد او شرط. هكذا كانت الدولة العراقية، وهكذا كانوا رجالاتها، وليس مثل المالكي، الذي جاء به الاحتلال، وصار أداة طيعة في أيدي مسعود وجلال ونيجرفان وكوسرت وغيرهم من العصاة والمتمردين والخارجين عن القانون. إنها محنة ان يكون شخص مثل نوري المالكي رئيسا لوزراء بلد مثل العراق، تعاقب علي رئاسة حكوماته شخصيات رصينة ومهمة ـ إتفقنا او اختلفنا معها سياسياً ـ امثال ياسين الهاشمي وجعفر العسكري ونوري السعيد ورشيد عالي الكيلاني وصالح جبر وفاضل الجمالي واحمد مختار بابان ونور الدين محمود وعبدالكريم قاسم وناجي طالب وطاهر يحيي وعبدالرحمن البزاز، كانوا يملأون كرسي رئاسة الوزارة بحزمهم وتواضعهم وأدائهم، لأنهم ببساطة كانوا رجال دولة وأصحاب قدرة وأهلا للمسؤولية. وعندما يصرح نوري المالكي بانه لا يستطيع تحريك قطعة عسكرية من مكان الي آخر وهو رئيس وزراء وقائد عام للقوات المسلحة، فانه يسخر من نفسه دون ان يعلم، ولو احترم ذاته لوقف في وجه زلماي خليل زاد والجنرال كيسي، وقال لهما بالفم المليان (باي باي..شوفو غيري) ولكن مغناطيس الكرسي والمنافع والمكاسب والامتيازات الشخصية والحزبية والفئوية والطائفية التي حصل عليها تجعله ينفذ ولا يناقش، ولان المالكي رجل بلا خبرة في شؤون الادارة والحكم، وكل تجربته في الادارة انه أمضي عامين مستخدما في دائرة تربية الحلة، رغم ان عددا من اهالي مدينة الهندية (طويريج) التي ينتسب اليها ممن عرفوه في السبعينات يؤكدون انه اشتغل (فراشا) في تلك الدائرة، أي مراسل خدمة، مع الاحترام للوظائف والمهن والحرف الشريفة، فانه من الطبيعي ان يتصرف وفق عقلية (فراش) وليس كمسؤول او رئيس، ومما فاقم في إختلال توازن شخصيته انه اتجه الي الملائية وصار واحداً من ملالي حزب الدعوة ـ ولا تغرنكم البدلة وربطة العنق الفاقعة الألوان ـ فهذه من لزوم الشغل، لذلك جمع حوله مجموعة ممن يسمون بالمستشارين، أرفع واحد منهم لا يعرف كيف يرتب هندامه، ولا يستطيع قول جملة سياسية واحداة ذات معني، نعم إنهم يتقنون القراءات والتلاوات الحسينية ويحسنون اللطم والضرب علي الرؤوس والوجوه والصدور، أما السياسة والإدارة فلا علاقة لهم بهما. ان التعديل او التغيير الوزاري المرتقب هو في الحقيقة ابدال وجوه بوجوه أخري ليس إلا، فهذه الحكومة تضم بعض الوزراء بمن فيهم رئيسها، كان اقصي ما يحلمون به هو وظيفة (ملاحظ) في احدي الدوائر الحكومية، نقول ذلك ليس كراهية لأحد، وإنما سجلاتهم الشخصية والمهنية والحزبية تؤكد ذلك، فالجندي السابق الذي وقع في الاسر الايراني وتحول الي أسير( تواب) يخدم العدو، اصبح وزيراً لوزارة فنية وخدمية كبيرة، ووزير الاقبية السرية يصير وزيراً لوزارة سيادية مسؤولة عن المال العام والنقد الوطني والمصارف وكل كفاءاته انه كان ممثلاً لرئيس منظمة شيعية طائفية نشأت وترعرعت في طهران، وفي حكومته وزيرة كردية لمح الي تغييرها في تعديله الوزاري المحتمل، فطلعت يوم الثلاثاء الماضي، واعلنت بنفسها انها غير مشمولة بالتغيير وكأنها تقول للمالكي: إياك من التحرش بي! المالكي يريد إبعاد عدد من الوزراء السنة وفي مقدمتهم نائبه لشؤون الامن والخدمات سلام الزوبعي الذي سلبت منه جميع صلاحياته واسندت الي الكردي برهم صالح النائب الثاني لرئيس الوزراء، والمعلومات المتداولة في جبهة التوافق انه يرغب في تعيين بديل عن الزوبعي لاحد قيادي الحزب الاسلامي، لان نائب رئيس الوزراء السني الحالي، استاذ جامعي لامع وقائد نقابي بارز، وفوق كل ذلك (زوبعي) وهذه الكلمة يتطير منها الشعوبيون والطائفيون والصفويون والفيدراليون لانها تذكرهم بشيخ زوبع الخالد، الشيخ ضاري المحمود القائد العراقي العربي الثائر، وبحفيده الشيخ حارث الضاري، الذي اثارت مواقفه الوطنية وثباته المبدئي في مقاومة المحتلين ومعارضة اتباعهم والموالين لهم، أحقاد العملاء والدخلاء والمستعرقين، وليس غريباً بعد ذلك ان يتداعي طالباني ومراسله العسكري الاجوف ومعهما المالكي في التهجم عليه في بيانات وتصريحات، الامر الذي يؤكد جبنهم منه، وخشيتهم من صوته ودوره وحضوره. ومن اسباب التغيير الوزاري، ان أطرافا في الائتلاف الشيعي تريد ابدال وزرائها الحاليين بوزراء جدد، لمصلحة انتفاعية وظيفية ومالية، وتوزيع الغنائم والرواتب والصفقات والمقاولات علي منتسبيها بالتساوي، خصوصاً وان الوزير في حكومات الاحتلال لا يحتاج الا الي شهر او شهرين حتي يصبح مليارديراً، يملك الارصدة الضخمة والعقارات ومحطات الوقود والشركات الوهمية، وهناك حكايات واسرار موثقة تبين حجم النهب والفساد والاختلاسات بشكل مقزز، لم يحدث مثله في اي بلد في العالم قديماً وحديثاً. المالكي فشل فشلاً ذريعاً في وظيفته وأدائه ولكنه لا يعترف باخفاقاته ويستخدم لغة الملالي البائسة في تبرير عجزه، ويتشبث بالمنصب الذي لم يدر في مخيلته حتي في الاحلام، دون ان يكترث بالآلاف من الضحايا والخراب والدمار، لانه يعرف انه مؤقت وعليه ان يكسب الوقت لصالحه بأي صورة، وحسب قول أحد مساعديه او مستشاريه (لا فرق) في لندن الذي دافع عن بقائه واستمراره علي رأس الحكومة: يا جماعة.. ستة اشهر ما صارله، (…..) من الكرسي ما دفه ! ويقصد التدفئة الحرارية طبعا، وليس الدفء العاطفي.9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية