وهم الرواية في «حد الثمالة» للكويتي حسين الفيلكاوي

■ الرواية ليست حكاية وسرد أحداث فقط مهما كانت صادمة ومؤثرة، بل لا بد أن تتوافر على فنيات الرواية وتقنياتها، واللغة المناسبة بمستوياتها المختلفة، والصياغة المحكمة، والمفردات الدقيقة الدالة على المعنى، وغير ذلك مما تتطلبه رواية بمستوى فني جيد. ولكن، إذا نُشرتْ الرواية، وإن لم تكتمل عناصرها الفنية، ولم تكن بالمستوى المقبول، فلا أقل من تثمين جهد الكاتب في الكتابة والتعديل، وما تطلب ذلك من وقت ومال، ربما على حساب أسرته وعمله، كما أنه يستحق تحية لجرأته في نشر الرواية، وأن تكون في متناول الجميع للقراءة والمناقشة والمدح والقدح، فما نشرها إلا وقد غلب على ظنه أنه أحسن وأجاد.
وفي المقابل، فإن على الكاتب وقد نشر روايته أن يتسع صدره للنقد مهما كان قاسيًا، وأن يؤمن بموت المؤلف، وانفصال النص عنه، وأنه أصبح ملكًا للقارئ، وله حرية التحليل والتفسير والتأويل والقراءة الخاصة، وقراءة ما بين السطور، ما دام له ما يؤيده في النص وإن كان تلميحًا أو استنتاجًا.
لفت نظري عنوان «حد الثمالة» للكاتب حسين الفيلكاوي في مكتبة عبدالحميد شومان، فاستعرتها على أمل أن أجد فيها إضافة جديدة أو موضوعًا مختلفًا أو لغة فاتنة أو تقنيات روائية مبتكرة، فلم أجد شيئًا مما أملت، وخاب ظني بأشياء كثيرة أقلها الرواية. وكما نكتب عن الروايات الجميلة، فلا بأس أن نكتب عن الضعيفة، وعلى الكاتب أن يتحمل تبعات جرأته بالنشر، وإلقاء نصوصه صفعة في وجوهنا، فكما له حق الكتابة والنشر، فلنا حق التشريح وتبيان ما نذهب إليه بالدليل، فقد تورطنا فيها، ولا أقل من الكتابة للتخلص من وعثاء القراءة، وما لحق بنا من كدر.
صدرت «حد الثمالة» في طبعتين 2016، 2017، وعلى الرغم من ذلك لم أجد أي كتابة نقدية عنها، أي أن الرواية ما زالت عذراء لم يمسسها قلم ناقد بعد، ولم يتلقَ الكاتب أي مراجعة نقدية، وأظن أن بعض النقاد قرأها، ولكن لم يشأ أن يكتب عنها، لأن أي كتابة عنها ستكون قاسية ولها تبعاتها، فمعظم الكتاب لا يريدون نقدًا منصفًا، بل مديحًا وتسحيجًا وتطبيلًا، وإذا انتقد انتفخت أوداجه وبادر بالقطيعة، أو الذم والقدح واغتيال الشخصية وأقلها تجميد العلاقات، تأكيدًا لقول المؤلف الأمريكي نورمان فينسنت بيل: «مشكلة معظمنا هو أننا نفضل أن يقضي علينا المديح على أن ينقذنا النقد».
«حد الثمالة» أطلق عليها مجازًا «رواية» وهي في الحقيقة مجرد حكاية سردية مباشرة، تتصاعد بشكل عمودي، وتفتقر إلى أي فنيات أو تقنيات روائية، ولغتها عادية تمامًا، ولا تخلو من أخطاء لغوية ونحوية، ومعظم عباراتها ركيكة وهشة، ويوجد كثير من المفردات غير المناسبة للمعنى المراد، وبخل وخلل في توظيف علامات الترقيم، ووجود تناقضات هنا وهناك، وعلى الرغم من أحداثها الكثيرة المؤسفة، إلا أنني كقارئ لم أشعر بعواطف أو مشاعر حقيقية، بل أرى أنها متكلفة مصنوعة، إن لم تكن باردة، كما تورط النص بحمولة ثقيلة من التنظير والوعظ المقحم بدون داعٍ، وخلت من الإثارة والتشويق والمتعة، ولم تنجح في إثارة أي نوع من الأسئلة، اللهم إلا أسئلة الاستنكار: كيف صدرت هذه الرواية؟ ومن حررها؟ ومن شجع على نشرها؟ وحتى لا يكون اتهامنا تعميمًا وضربًا في الهواء، فسأذكر أدلة من النص على ما ذهبت إليه: «أرتب أوراقي، وأراجع دروسي، فهذا هو الروتين اليومي المعتاد، وإذا كان لديّ وقت فراغ فلا أتردد في السفر، لأن جدتي جعلتني أتمتع في بلدان كثيرة.» هذه فقرة نموذج على لغة الرواية العادية، بل السطحية التي تخلو من أي جماليات لا بد منها لأي عمل روائي جيد.

على الكاتب أن يتحمل تبعات جرأته بالنشر، وإلقاء نصوصه صفعة في وجوهنا، فكما له حق الكتابة والنشر، فلنا حق التشريح وتبيان ما نذهب إليه بالدليل، فقد تورطنا فيها، ولا أقل من الكتابة للتخلص من وعثاء القراءة، وما لحق بنا من كدر.

والأمثلة على الركاكة كثيرة جدًا، ومنها: «التساؤلات كثيرة حول حياتي الخاصة التي أنا بدأتُ في رسمها وتوضيحها». «كنت أنيقة وجميلة يتمناني كل الرجال، لأنني كنت في بداية سن المراهقة بهذا السن». «أجلس وأنا أمسك برأسي لتقف أفكار الانتقام منها». «سقطت بأسفل البئر، ولا نرى النور بل النور اختفى بتاتًا، ولا يوجد منقذ لأننا جميعنا غارقون بالأسفل آآآه». وثمة خلل في استخدام المفردات، ومن ذلك: «وأنا أحلق في جسده الحنون». «ووقوفك بجانبي هو أتفه ما يقدمه الحب». «كم أشعر بالحزن الذي يرويني». أما الأخطاء اللغوية والنحوية فمنها: «كم شخص حطمته بكلمة قاسية من فمك؟». «أرى وليد في سمائي». «يوم بعد يوم أتألم من الطالبات». «واليوم أنا أقدم لكي اعتذاري يا جدتي».
ومن التناقضات أن فاطمة كانت تدعي القوة ولم يتضح لنا من خلال النص مظاهر هذه القوة، بل إنها ناقضت نفسها وقالت: «إني إنسانة أحزن وقوتي محدودة»، وادعت أنها تفرض على الآخرين ما تريد، وقد رضيت أن تسكن وحيدة منبوذة على سطح بيت أبيها، لا تخالطهم ولا تراهم، بينما الخادمة تصول وتجول وتنام بينهم. أما سلوك الخال فقد كان أقرب للهزل وهو يمهد لفاطمة نبأ موت جدتها، بينما لجأ للتوتير وكأنه يخبرها بنبأ سيئ وهو يعلمها بأنها ورثت عن جدتها الملايين. ومنها أيضًا: «أنا رجل والرجل لا يمرض يا فاطمة». كما أن علاقتها بوليد غير منطقية، فهل يعقل أن تقع فتاة في الصف السابع في حب شاب جامعي وتتوله به وتتوطد علاقتهما هاتفيًا ولقاءات؟ ثم ما حكاية العشق المزودج لكل من وليد وغدير، فالعشق إما يكون طبيعيًا لوليد أو شاذًا لعبير، أما أن يجتمع الاثنان فهذا ليس بالإمكان! كما أن الجدة لا تملك شرعًا أن تسجل كل أملاكها لفاطمة وتحرم ورثتها.
ووقع النص في فخ الوعظ والتنظير، ومن أمثلة ذلك: «أسرد لكم قصتي الحزينة ولكن هناك عبرة وهدف نهاية كلامي». وتتحدث عن إهمال الأهل لبناتهم في الثانوية، وأن الناس تحكم على الظاهر، والخلل في أخلاقيات الأسر، وتتحدث عن الخمول وغير ذلك. وهذا لا يمنع أن يوجه الكاتب ما يشاء من رسائل أخلاقية وفكرية وغيرها، ولكن ضمن سياق روائي، وبالتلميح وبين السطور، وليس بشكل واضح مباشر كأنك تتحدث مع القارئ وجهًا لوجه.
كانت فاطمة هي الراوي الرئيس في النص، ما عدا الفصل الذي غابت فيه عن الوعي ومرضت، فقد تكفل بالمهمة الراوي العليم، ولكنها في أثناء سردها للأحداث كان يحدث قطع غير مبرر، فهي تتحدث وتروي، ثم تتحدث عن فاطمة بلسان الراوي العليم مثل: «فاطمة صامتة وتقهقه»، «فاطمة تضحك بشكل هستيري»، «قاطعتها فاطمة قائلة»، «فاطمة أغلقت الخط بكل هدوء».
خلاصة القول، إن «حد الثمالة» نص مؤسف حد الثمالة، لا يخرج منه القارئ بأي جديد، موضوعها مألوف، وجديدها مشوه، ولغتها تثير الغثيان. ولا أبالغ أو أتجنى إن زعمت أنها تصد عن القراءة، وتفسد الذائقة الأدبية، وتشوه الجمال الإبداعي.

٭ كاتب أردني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية