وهي حرب أخري…
مبارك حسنيوهي حرب أخري…جلس البغدادي منعم في الشرفة ذاك المساء كالعادة في الطابق الحادي عشر من عمارة تطل علي شارع الرشيد الوسطي. وكالعادة التي ألف منذ سنين كان يقرأ رواية. كالعادة ـ دائما ـ كان عادي الملامح أي هادئا مسالما في توافق كامل مع العالم المحيط وليس في هيئته ما ينبئ عن توتر النهار الذي خلفه وراءه. لا تتحرك منه سوي العينين القارئتين الغارقتين في صفحات الرواية المجلدة بلون قان.يمر وقت طويل قبل أن يضطر لرفع بصره ليلاحق استضاءة السماء الفجائية بالقرب منه بآلاف الشعلات الملتهبة ويرهف السمع لصدي الارتطام المتفجر، دائما بالقرب منه ـ مرة أخري ـ. حالما هدأت الأمور كر قافلا، بهدوء وتؤدة، نحو كتابه وهو يسوي النظارات علي سطح أرنبة أنفه. بحث عن السطر الذي توقف عنده من قبل وواصل القراءة : لما ملأ قرف الغدر نفس السيد سين قرر، أن يكتري شقة أعلي في أعلي عمارة بالمدينة ليحظي بالاختلاء التام بعيدا. منها وفيها، لما ينحني، تسبح في زرقة النهر العظيم. ولما يرفع هامته نحو الأعلي يحوطه ملكوت الله. فيها في تلك اللحظة التي يكون رفقة نفسه وحدها في الزمن الذي بين الأوقات والنهار لم ينسحب بعد والليل يهفو للحلول… .تبسم البغدادي بعمق وحول بصره جهة دجلة القريب وراح يتنسم باشتياق ممتع رائحة العتاقة المائية الزرقاء التي يحلو له أن يتصورها مضمخة بالحبر القديم الذي ما يزال..كانت بسمته اللحظة تلك غير معهودة، ربما بسبب ما قرأ أو بعلة ما يتفرقع قريبا منه أو بالسبب والعلة معا. بسمة فريدة وغريبة كتلك التي يحدثها شخص انكشفت له في القلب حقيقة الدمار الأزلي الذي لا يريد أن يمل..وكان يواصل ابتسامته بانتشاء وتأمل عميقين لما دوت شعلة مضيئة أخري ألهبت السماء حوله فتتبعها، كما ديدنه، حتي سقطت هناك في الماء النهري الذي استحال لونه شيئا فشيئا بلون الحمرة القانية. استغرب ودام استغرابه برهة لكن حالما عاد إلي الكتاب زال واندثر تماما.فقد خلا الكتاب فجأة من حبره وصار مجرد صفحات بيضاء. هاهم قد عادوا مرة أخري… قال. كاتب من المغربيكفي استبدال اسم النسب المديني للشخصية واستبدال اسم النهر فتكون القصة قصة كل مدائن الشرق…حيث الأنهار وحيث الحواضر العامرة.. 0