لندن- “القدس العربي”:
ناقشت صحيفة “وول ستريت جورنال” انعكاسات قرار الرئيس دونالد ترامب فتح الطريق أمام التوغل التركي في شمال- شرق سوريا على المصالح الأمريكية في المنطقة. فالعملية العسكرية التركية ضد القوات المتحالفة مع الولايات المتحدة تفتح الباب أمام فصل جديد غير واضح للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، حيث عبّر الرئيس ترامب عن استعداد للتخلي عن أنقرة وبقية اللاعبين في المنطقة. فبمنحه الضوء الأخضر لتركيا كي تهاجم المقاتلين الأكراد الذين تحالفوا مع أمريكا في الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية، غيّر ترامب المدخل الأمريكي للمنطقة، ووضع جانبا التزامات قطعها المسؤولون الأمريكيون سابقا للمقاتلين، بأن أمريكا لن تتخلى عنهم أبدا.
وترى الصحيفة أن القرار ترك تداعياته على العلاقات العسكرية مع الأكراد، حيث أوقف القادة العسكريون الدوريات المشتركة مع الأكراد ضد تنظيم الدولة الإسلامية في ضوء العملية التركية. وفي الوقت نفسه قد تستفيد إيران والجماعات المسلحة الموالية لها في سوريا من الانسحاب الأمريكي، وتعود لتهديد إسرائيل التي شنت مئات من الغارات الجوية على سوريا في السنوات الماضية.
وكتب ترامب في تغريدة يوم الإثنين أن الولايات المتحدة لا تتخلى عن الأكراد. ويوم الأربعاء انتقد ترامب العملية العسكرية التركية لكنه لم يذكر الأكراد الذين يتعرضون للهجوم. وقال ترامب إن تركيا التزمت بحماية المدنيين والأقليات الدينية بمن فيهم المسيحيون والتأكد من عدم ظهور أزمة إنسانية وستكون مسؤولة عن هذه الالتزامات، وقال إن “أكبر خطأ ارتكبته أمريكا كان الذهاب إلى الشرق الأوسط، إنه مستنقع”، مع أنه أعلن قبل شهر عن مصادقته على نشر 200 جندي أمريكي في السعودية بعد الهجمات التي تعرضت لها المنشآت النفطية السعودية والتي يعتقد أن إيران هي التي تقف وراءها.
وقال ترامب إنه لن يقدم الحماية للسعودية التي تمتعت في الماضي بعلاقات عسكرية قوية مع واشنطن في حال تعرضها للهجوم. وقالت الصحيفة إن موقف ترامب من سوريا أدى إلى شجب واسع بين المشرعين الجمهوريين وأنصاره في الكونغرس بالإضافة للقادة العسكريين الذين أشرفوا على القتال ضد تنظيم الدولة، فيما عبّر الدبلوماسيون الأمريكيون عن خشيتهم من صعوبة العثور على شركاء إذا اندلعت أزمة دولية جديدة.
وصدرت تصريحات قلقة من الحلفاء الأوروبيين أيضا. وقالت ليز تشيني، الممثلة الجمهورية عن ولاية وايومينغ الأمريكية، إن قرار ترامب سحب قواته من سوريا “ستكون له تبعات مقززة وواضحة”، أما السيناتور الجمهوري عن ولاية كينتاكي راند بول، فقد كان واحدا من قلة دافعوا عن قرار ترامب الخروج مما أسموه “الحروب اللانهائية”. وتقدم السيناتور ليندسي غراهام، النائب الجمهوري عن ساوث كارولينا وكريس فان هولين، النائب الديمقراطي عن ميريلاند، خطوطا عامة لقرار يدعو لفرض عقوبات على تركيا ويخططان لعرضه على زملائهما هذا الأسبوع.
وهذه هي المرة الثالثة التي يعلن فيها ترامب عن تفكيك علاقة أمريكا بسوريا. ففي آذار/ مارس 2018، جمّد الأموال المخصصة لدعم المناطق المتضررة ودعا لسحب القوات الأمريكية. وفي كانون الأول/ ديسمبر عام 2018، دعا لسحب القوات الأمريكية مباشرة، مما دفع بوزير الدفاع جيمس ماتيس لتقديم استقالته.
وفي كلتا الحالتين دافع العسكريون وحلفاء أمريكا عن ضرورة الحفاظ على قوات عسكرية في سوريا، وتراجع ترامب عن قراره. وقالت ياسمين الجمال، المستشارة السابقة للبنتاغون في إدارة باراك أوباما: “ما هو مضر في كل هذا هو التقدم والتراجع الذي ترك أثره على كل اللاعبين في المنطقة، وهم لا يعرفون أي جانب من السرير يريد ترامب التخلي عنه والجانب الذي يريد النوم عليه”.
وتعامل ترامب مع الشراكة مع الأكراد بأنها محدودة في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية الذي أعلن أنه دمر. ولهذا بدأ بالتفكير بالخروج بدون النظر إلى طموحات الأكراد الاستقلالية ومستقبلهم. إلا أن ترامب هدد بعد تعرضه لانتقادات، بتدمير الاقتصاد التركي إن وجد أن أنقرة قتلت أو أصابت جنديا أمريكا. إلا أن مسألة العقوبات على تركيا لم تكن ضمن النقاشات في نهاية الأسبوع عندما أصدر البيت الأبيض بيانا يعلن فيه عن سحب القوات الأمريكية من المنطقة الحدودية بين سوريا وتركيا، وذلك حسب مسؤول بارز في إدارة ترامب.
وقال المسؤول إن ترامب يريد تجنب مفاقمة غضب تركيا إن ضمن تعاونها. وفي النقاشات تلك استمع لآراء مستشاريه الذين حذروه من تداعيات خطيرة لو قرر سحب القوات الأمريكية. ورغم أخذه هذه النقاشات بعين الاعتبار، إلا أنه قال إنه “لم يعد يحتمل” الوضع.
واعترف المسؤول أن قرار الرئيس قد يؤدي لتوتير العلاقة مع الأكراد وكذا التحالف الدولي والشركاء الأوروبيين وهو “يعرف هذا” و”هذا ليس أولوية له”.
وقال بعض المسؤولين الأمريكيين، إن العملية التركية قد يتم تنسيقها مع الروس بهدف إخراج الولايات المتحدة من سوريا. وكان الرئيس فلاديمير بوتين، الحليف الأساسي لبشار الأسد قد ناشد أردوغان في مكالمة هاتفية ألا يخرب الجهود التي تم تحقيقها على مسار حل الأزمة.
ومن أهم مظاهر قلق المسؤولين عن أثر العملية على جهود احتواء تنظيم الدولة، أن تقارير أعدها البنتاغون ذكرت أن مقاتلي داعش يعيدون تنظيم أنفسهم. فيما يحتفظ الأكراد بحوالي 12 ألفا من مقاتلي التنظيم في السجون، بينهم ألفا مقاتل أجنبي.
ولم تفلح الجهود التي قام بها ترامب لإقناع الدول الأوروبية باستعادة المقاتلين الذين جاؤوا منها، مما خلق معضلة لأمريكا والأكراد، وحاول ترامب يوم الاربعاء حرف مسؤولية العناية بالسجناء إلى تركيا مع أن هذه ليست لديها خطط للدخول إلى المناطق التي يحتجز فيها المقاتلون.