سليم عزوز
رضينا بالهم، لكن الهم لم يرض بنا.
لقد تعايشنا معشر المصريين مع قرار تصعيد انس الفقي إلي منصب وزير الإعلام، وهو التصعيد الذي يعد ـ من وجهة نظري ـ من أكثر أحلامه جنونا، وان كان البعض يستبعد ان يكون سيادته قد حلم بهذا المنصب، سواء في منامه او في يقظته، وهو الذي كان مجرد مسؤول مبيعات عن موسوعة للأطفال، ولم تبد عليه اهتمامات إعلامية، او طموحات تلفزيونية، بل انه عندما تم تعيينه رئيسا لهيئة قصور الثقافة، اعتبر كثيرون انه قرار عشوائي من الوزير المختص، لأنه طال عليه الأمد في الوزارة، فأصبح ينظر إلي المواقع داخل وزارته علي أنها بقيمة فنجان القهوة، وبدلا من ان (يعزم) صديقا له علي فنجان مضبوط، او سادة، فانه (يعزمه) علي منصب.
ولهذا فعندما صدر قرار تنصيب المذكور وزيرا للإعلام، في بلد بحجم وقدر جمهورية مصر العربية، فُتحت الأفواه مندهشة، ثم خفت حدة الاندهاش، بعد ان علم المندهشون ان قطاعا كبيرا من الوزراء اختارهم جمال مبارك، وقد اختار في التشكيل الوزاري الذي شهد علامة من علامات يوم القيامة، تمثلت في التصعيد الصاروخي للفقي، تجارا او أصدقاء لتجار، وهذا احد تجليات الفكر الجديد.
ولم يكن أمامنا سوي ان نصبر الصبر الجميل، وإعمالا لقول الشاعر: ومن لم يجد مندوحة فهو صابر، ورويدا رويدا، أصبحنا نتعايش مع قرار التصعيد، ونقنع أنفسنا بأن المذكور صار وزيرا للإعلام، فقد رضينا به، بيد انه لم يرض بنا، وقد تجلي عدم الرضا بتجاهله للرأي العام عندما اتخذ قراره الفتاك، باستبعاد خمسة مسلسلات من العرض علي شاشة التلفزيون المصري، وهي المسلسلات التي شاركت فيها خمس فنانات محجبات، ولم ينشغل بتقديم تبرير ولو غير صحيح لقراره، فقد تعالي علي المشاهدين، علي الرغم من الضجة التي أثارها القرار، في الصحف المصرية والخارجية، وكثير من مواقع الانترنت، وأصبح حديث الناس من المحيط الي الخليج، علي حد تعبير مذيع قناة (الديمقراطية) محمد مصدق يوسفي، وهو أمر لابد وان يعرض سمعة أهل الحكم في مصر للقيل والقال، باعتباره يمثل معاداة للزي الإسلامي. وإذا كنت لست معنيا بما قد يلحق بسمعة القوم، فأنا لا أذود الطير عن شجر بلوت المر من ثمره، فقد كنت أظن ان الوزير بحكم (الموقع) الذي هو فيه معني بذلك، وبعيدا عن هذا، فانه كان المفروض، وبحكم منصبه، ان يلقي بالا بالرأي العام، لكن من الواضح انه لم يستطع حتي الآن ان يصدق انه أصبح وزيرا مسؤولا، له شنة ورنة، وهو معذور بلا شك، ولعله يتساءل بعد قراءة هذه السطور: من الجدع الذي اسمه (الرأي العام)، والذي أصدعه به؟
الفنانات المحجوبات عن شاشة تلفزيون الريادة، أقمن الدنيا، بسبب هذا القرار غير المبرر، والي درجة ان الحمية أخذت الممثلة الشابة حنان ترك، فوصفت ما جري بـ(المؤامرة)، وقد تكون معذورة في ذلك، فالمسلسلات الممنوعة حصلت من خلال لجنة المشاهدة بالتلفزيون علي المركز الأول، وقد نقلت حنان عن احد أعضاء اللجنة، ان تعليمات صدرت بعد ذلك باستبعادها من العرض، وهو أمر لا بد وان يتسبب في غضبها إلي درجة أن لا تجد وصفا لما جري سوي (المؤامرة)، وان كنت أظن انه لا مؤامرة هناك ولا يحزنون، ولكنه تخبط، من قوم يتصرفون علي انهم يديرون ضيعهم، التي آلت إليهم بالوراثة، وإقطاعيات من حقهم ان يديروها حسب مزاجهم الشخصي، وبالتالي فان قراراتهم هي وليدة حالتهم النفسية، وأنت وحظك.
يوم الثلاثاء الماضي كنت ضيفا علي برنامج (لماذا) علي قناة (الديمقراطية) عبر الهاتف، وكان سؤال الحلقة: لماذا رفض التلفزيون المصري بث مسلسلات الفنانات المحجبات، وقد كان ضيوف الأستوديو القيادي الإسلامي المعروف كمال الهلباوي، والمحامي احمد غريب، والدكتور سعد حجازي، وقد طرح مقدم البرنامج محمد مصدق يوسفي السؤال السابق وتساءل: هل ما جري يعتبر موقفا ايديولوجيا، ام فنيا، ام سياسيا، ام امنيا؟
فنيا، فان لجنة المشاهدة، وحسب المعلن، الذي لم تنفه، اثنت علي المسلسلات سالفة الذكر، وبالتالي فان الأمر لابد ان يكون راجعا إلي الأسباب الاخري، وعندما أعطيت الكلمة للهلباوي، قلت في عقل بالي إنها رمية بغير رام من انس الفقي، سوف تمكن هذا القطب الاخواني من ان يمسك في (خناق) السلطة متهما إياها بمحاربة الحجاب، الأمر الذي من شأنه ان يعزز من حالة الكراهية لها، لكنه لم ينتهز الفرصة، التي جاءته علي طبق من ذهب، متمثلة في قرار غير مسؤول، فالأمر من وجهة نظره ليس سوي قرار متخبط، وعليه دعا بالهداية للحكام الذين يفاجئون الأمة بقرارات سخيفة لا داعي لها، لاسيما وان هناك بعض المحجبات تبث أعمالهن ويظهرن علي شاشة التلفزيون المصري مثل الفنانة مديحة حمدي!
وضرب الهلباوي مثلا بمثل هذه القرارات غير المسؤولة، لعله يوضح الأمر ويضعه في إطاره الصحيح، وهو ان المذيعة المصرية كريمان حمزة أعدت برنامجا عن العشرة المبشرين بالجنة، فاستدعاها مسؤول بالتلفزيون المذكور، وسألها لماذا هم عشرة فقط، ولماذا لا يكونون احد عشر مبشرا، (الريس) من بينهم؟ وعقب صاحبنا: انها السخافة والجهل، وأكد ان قرار المنع صدر في وقت فرح فيه الشعب المصري بعودة الفنانات المحجبات، لأنهن سيقدمن فنا هادفا، وكان ينبغي علي الحكومة ان تسعد لان هذه العودة هي اكبر رد علي القائلين بأن الفن حرام.(طيب) الأستاذ كمال الهلباوي، لأنه يتصور ان الحكومة معنية بكل هذا، ولا يعلم أنها مشغولة بالتفنن في (شفط) ما تبقي في جيوب المصريين، وبيع ما تبقي من القطاع العام برخص التراب، وهي ليست مشغولة بهذه القضايا الكبري، أما الوزير المختص، فانه مشغول (ياولداه) بإبراز إنجازات الحزب الحاكم، في ظل الفكر الجديد، والذي كان فاتحة خير عليه، وعلي أمثاله من الوزراء الجدد، بعد ان كان هذا الشعار المبهج، سببا في ان يصبح سيادته وزيرا لوزارة هي في الأصل من الوزارات السيادية في البلاد، ومخيبا لأمال احد مراكز القوي الرائد متقاعد صفوت الشريف في ان يكون جلالته هو اخر وزير إعلام لمصر.
عندما أعطاني محمد مصدق الكلمة آمنت علي كلام الهلباوي، فنحن لا نستطيع ان نقول ان ما جري تم لأسباب ايديولوجية، او ان الوزير مختلف في الرأي مع الحجاب.. عن نفسي فقد كنت سأسعد لو ان له وجهة نظر، في أي قضية، وان كانت صادمة، فإذا اعتبرنا ان قرار الوزير باستبعاد مسلسلات المحجبات تم لأسباب ايديولوجية، او دينية، او حتي أمنية، فان هذا لا يستقيم مع بث أعمال مديحة حمدي، وعفاف شعيب وهن محجبات، وان كان المرء سيواجه بموقف اخر هو الخاص بمنع المذيعات المحجبات من العمل، وهن من قام تلفزيون الريادة الإعلامية بوقفهن عن الظهور علي الشاشة، بسبب الحجاب، ولم يتم تنفيذ أحكام القضاء واجبة النفاذ باعتبار ان قرار الوقف تخلق في رحم البطلان، وقد يري المرء في هذا القرار إنما يمثل قرينة ترتقي الي مرتبة الدليل، تؤكد ان الأمر تم لأسباب دينية وايديولوجية وربما أمنية، لكن سيواجه بقرار الوزير بمنع صحف أجنبية من دخل المحروسة لأنها احتوت علي مقالات تتطاول علي الإسلام!
انها العشوائية والهوي، وقد يتصور الإنسان ان وراء مثل هذا القرار تصرف سلطوي مدروس، لكن ازعم ان الأمر ليس علي هذا النحو، والمشكلة ان السيد الوزير ربما تصور ان بيده مقاليد كل شيء، باعتباره يدير ضيعة آلت إليه بالوراثة، وقد يكون وراء هذا القرار علي ضخامته، أمر صغير، كأن يكون الوزير قد اخذ علي خاطره لان هؤلاء الفنانات لم يظهرن أمامه الخضوع الكافي، حتي يصدق انه بالفعل أصبح وزيرا للإعلام!
واختلف مع ما قاله المحامي احمد غريب عن ان هذا يأتي في إطار مخطط لمنظومة العلمانية الموجودة في كل الدول العربية، مستندا إلي الإعلانات التي تبث في التلفزيونات والتي أصبح الجنس فيها هو الأصل، لأننا بذلك نكرم أصحاب القرار، عندما نثبت ان لهم وجهة نظر في (المسائل)، فهم قد لا يعرفون معني العلمانية، وقد يظنون انها الأخت غير الشقيقة للمهلبية!
غريب حذر من ان غلق أبواب الرزق الحلال في وجه هؤلاء المحجبات من شأنه ان يجعلهن عرضة لأبواب الغواية، وبرأيي ان الزمن الذي كان فيه وزير الإعلام يستطيع ان يشرد من يحل عليها غضبه من الفنانات قد ولي، وقد يغلق التلفزيون بابه في وجه فنان، لكن سيجد عشرات الأبواب التي تفتح له، والدليل ان الأعمال الممنوعة من البث علي شاشة تلفزيون الريادة، تتم مشاهدتها علي العديد من القنوات الاخري، والأعمال التي يرفض التلفزيون المصري شراءها، تتهافت عليها المحطات الفضائية في كل إرجاء المعمورة.
تلفزيون غير مرئي لقد قلت في برنامج قناة (الديمقراطية) ان الفنانات اللاتي تم رفض بث اعمالهن في تلفزيون انس الفقي، لم يفتهن الشيء الكثير، فهو تلفزيون لم يعد احد يشاهده، فمشاهدته من شأنها ان تصيب المشاهد بالخفيف فضلا عن ان عملية الحجب لم تفد كثيرا، فالزائر لمصر لابد ان تستوقفه ظاهرة تزاحم أسطح البنايات بالأطباق اللاقطة في المدن والريف، فنحن شاهدنا ما تم عرضه من أعمال علي الرغم من ان الوزير المختص اتخذ قرارا عنتريا بمنعها، ولم يهتم حتي بتقديم مبررات ولو واهية له!
ان القوم في ماسبيرو يبدون أنهم لا يعيشون هنا فهم، علي حد تعبير الهلباوي، من (دنيا تانية)، فلم يصلهم نبأ انهم أصبحوا في المؤخرة، وان تلفزيونات لدول لم تكن علي الخريطة وتلفزيوننا يبث إرساله، بل ولأفراد، قد تفوقت عليهم. وهنا لفت محمد مصدق يوسفي انتباهي الي ان الأمر ليس محصورا في مشاهدة الأعمال المحجوبة، ولكن هذا التلفزيون يمول في النهاية من أموال المصريين. وهنا تذكرت فعلا المال العام، الذي يلقي به في البحر، من خلال الإنفاق علي إعلام، هو يسيء بأدائه وتخلفه لأي مصري.. ونسياني لقيمة المال العام ترجع إلي ما جري له من استنزاف، ونسيت ذلك وأنا أتعامل مع التلفزيون المصري، الذي يستنزف أموالنا علي أداء مخجل، فقد تعاملت بسبب الزفة الكذابة المنصوبة خلاله لأهل الحكم، وللحزب الحاكم كما لو كان يمول من المال الخاص لأنصار الفكر الجديد.
لقد رضينا بأنس الفقي.. وسعادته لم يرض بنا! قالوا في البرنامج:
الهلباوي: هناك تخبط وعدم إدراك لقيمة مصر.
حجازي: إنهم يحاولون مجاملة أمريكا ومن وراء أمريكا!
غريب: لا يجب معاقبة الفنانات المحجبات بهذا الشكل!
كاتب وصحافي من مصر[email protected]