ويليام مونتغمري واط رحلة طويلة في الكتابة عن الاسلام: التزام بالمبادئ.. وخواجه احمدي جعله يهتم بعالم الاسلام والقدس لم تثر اعجابه!

حجم الخط
0

ابراهيم درويش

كتب يوم السبت الماضي الباحث البريطاني المسلم ضياء الدين سردار مقالا في الغارديان حلل فيه طبيعة الحب الجديد بين الكتاب الروائيين والتعليق السياسي خارج النص الادبي، حيث اصبح عدد من اهم كتاب الرواية الانكليزية معلقين علي شؤون الساعة والحرب علي الارهاب. وفي مقاله تحدث الكاتب عن ثلاثة يعتبرون طليعة الكتابة الروائية في بريطانيا وهم مارتن ايميس، وايان ماكيوان وسلمان رشدي، حيث يتهمون بانهم قاموا بتبني المبادئ التي اقام عليها اليمين المحافظ التفوق الامريكي، بشكل ادي لتحول من تفوق غربي الي تفوق امريكي. و يقدم موقف ماكيوان من خلال روايته التي صدرت العام الماضي سبت، وسلمان رشدي عبر مجمل انتاجه الروائي المعادي للاسلام، ومارتن ايميس من خلال سلسلة من المقالات التي كتبها عن الارهاب ولكن تحت عنوان عصر البطولة وهي التي اثارت اهتمامنا وقدمناها من خلال قراءتنا لعمله الجديد في الرواية بيت اللقاءات. وعلي الرغم من معرفتنا بمواقف وتصريحات رشدي الاخيرة عن ضرورة اصلاح الاسلام وتعليقاته الصادمة عن الحجاب، الا ان ايميس عبر في رؤيته عن مواقف تمثل اليمين المحافظ في امريكا، وما يجمع الثلاثة هو قلة معرفتهم بالاسلام والتراث الاسلامي، وهم روائيون اصلا وجدوا انفسهم في موقع المعلق علي شؤون العالم. وقد ذكرني مقال سردار باحد الباحثين البريطانيين الكبار الذين رحلوا عن عالمنا نهاية شهر تشرين الاول (اكتوبر) الماضي، فقد توفي الباحث والاكاديمي البريطاني المتخصص بالدراسات الاسلامية ويليام مونتغمري واط عن عمر ناهز التاسعة والتسعين (1909 ـ 2006). ووجدت من المناسب التعريف به وباسهاماته.

فقد كرس واط حياته للدراسات الثيولوجية والعقدية في الاسلام والمسيحية، وكتاباته عن المرحلة الاولي والتأسيسية في صدر الاسلام وسيرته للرسول صلي الله عليه وسلم ظلت من الكتب المتداولة بين الاكاديميين وطلاب الدراسات الاسلامية في الجامعات البريطانية قبل ان تظهر كتب اخري ودراسات عن الاسلام، وكان واط رياديا في كتاباته عن الجوانب التأسيسية في الفكر الاسلامي، فكتابه الفترة التأسيسية في علم اللاهوت الاسلامي الذي بحث الجذور التاريخية لنشوء الفرق الاسلامية من الكتب المهمة في موضوعها، وكذلك كتابه عن الغزالي، ابو حامد وترجمته لكتاب حجة الاسلام المنقذ من الضلال او تجربة الغزالي. كما قدم ترجمات للعقائد الاسلامية في كتاب صغير تحت عنوان العقائد الاسلامية وله تاريخ مختصر عن تاريخ الفلسفة والفكر الاسلاميين، وكتاب عن الاسلام والغرب وصدمة الحداثة علي العالم الاسلامي. وخلال قرن من الزمن قدم هذا العالم الكبير وبصمت العديد من الدراسات الموضوعية والمقبولة في المجال الاكاديمي والشعبي مع ان كتاباته السهلة المبسطة في الغالب ما يقبل عليها طلاب الجامعات في المراحل الاولي او الذين جاءوا للدراسات العليا من تخصصات مختلفة. واسلوب واط غير متقعر في الكتابة وسهل وبسيط ولا يجترح التعقيد او يدعي التفوق العلمي ويحاول اظهار طول باعه في الكتابة، فهو في معظم ما كتب كان مخلصا للحقيقة العلمية ولا يعدم وهو الكاتب الذي يستند علي ارضية مسيحية او قل ثقافة مختلفة ان قدم فهما للاسلام لم يتحرر من نظرته الثيولوجية، كما ان قراءاته للاسلام تأثرت بكتابات نولدكه العالم الالماني المعروف.

كما ان موقفه من الفتوحات الاسلامية لم يختلف عن مواقف الكتابات الاستشراقية التي تحدثت عن دوافع اقتصادية للفتوحات الاسلامية مثل الغنائم. بل ان تحليله للفترة المكية في حياة الرسول صلي الله عليه وسلم قامت علي اساس التحليل الاقتصادي، حيث قدم مكة باعتبارها مركزا للتجارة، وقريش في مركز امبراطورية تسيطر علي تجارة التوابل، وعوائد البيت الحرام. وعليه فالتحول في الاقتصاد والتجارة المكية ادت الي نوع من التوتر والنزاع ومن هنا كان الاسلام نتاجا لهذا النزاع وحلا له.

علاقة مونتغمري واط بالاسلام جاءت عام 1937 عندما كان يحضر للدكتوراة في جامعة ادنبرة، حيث اضطر لان يؤجر غرفة لطالب باكستاني هو الخواجة عبد المنان او كما كان يطلق علي نفسه اسم منان، وكان يدرس علم البيطرة واحد اتباع الطائفة الاحمدية، وكانت طبيعة منان جدلية خاصة في الشؤون الدينية وقد كتب واط عن هذه المواجهات فيما بعد عندما كتب قائلا “بدأت اتعلم شيئا عن الاسلام، كنت اجهله” واضاف قائلا ولكن الانطباع الذي طغي علي هو انني لم اكن في حالة جدال مع هذا الفرد وكنت اواجه نظاما قديما عن الفكر والحياة. اهتمامه بالاسلام قاده الي مراسلة الاسقف الانجليكاني في القدس جورج فرانسيس غراهام براون، والذي اصبح بمثابة النموذج والاب الذي عوضه فقد والده في الصغر، حيث وافق براون علي قدوم واط للقدس لكي يعمل في كنيسته علي ابحاث حول التفكير الاسلامي. وقبل سفره كان لا بد وان يعمد حسب الكنيسة الانجليكانية حيث تمت الاجراءات بسرعة وخدم فترة في السلك الكنسي في بريطانيا وبدأ يدرس اللغة العربية في مدرسة الدراسات الشرقية والافريقية، وعاد بعدها الي ادنبرة حيث اعد في جامعتها رسالة الدكتوراة عن “القدر – حرية الاختيار و الجبر في الاسلام” وحصل علي الشهادة عام 1940. واشرف علي رسالته ريتشارد بيل المعروف بترجمته لمعاني القرآن الكريم للانكليزية، واخيرا وصل القدس عام 1943 ولم يجد في القدس جوا للنقاش العلمي والعقدي كما كان يعتقد وقضي فيها ثلاث سنوات، ويبدو ان هذا يتعلق بالظرف السياسي الذي كانت تمر به فلسطين في فترة الحرب العالمية الثانية.

ويتذكر فترة اقامته في القدس في لقاء نشرته مجلة دينية عام 2000 انه كان يأمل ان يدير حوارات مع المسلمين في المدينة المقدسة ولكنه لم ينجح وعندما دمرت العصابات الصهيونية فندق الملك داوود مقر الادارة الانتدابية البريطانية كان من الذين قتلوا في الحادث احد اصدقائه، ويقول انه قرر بعد مغادرته القدس ان لا يعود اليها. وعندما عاد الي اسكتلندا بدأ يدرس اللغة العربية في جامعة ادنبرة حيث بقي فيها حتي تقاعده منها عام 1979 وخلال هذه الفترة منح كرسيا للدراسات العربية والاسلامية عام 1964 وفي فترة عمله قدم سيرة النبي محمد التي جاءت في ثلاث كتب منفصلة محمد في مكة (1953) و محمد في المدينة (1956) و محمد النبي ورجل الدولة (1963) والكتاب الاخير هو ملخص او توفيق بين الكتابين الاوليين وحصل علي درجة الاستاذية عام 1964. تكريس واط لدراسة الاسلام جاءت لانه كان يملك كما يقول القدرة علي رؤية وجهة النظر الاخري وكان لديه ميل لتفضيل وجهة نظر الاخر. وما دفعه ايضا لدراسة الاسلام هي فكرة التحيز وان الغرب صنع افكارا وصورا سلبية عن الاسلام للدعاية من اجل الحروب الصليبية كما اظهر نورمان دانيال في كتابه المعروف الاسلام والغرب. واعتقد واط ان الصورة السلبية عن الاسلام هي الجانب السلبي من الهوية الاوروبية، اي ذلك الجانب الذي لم يكن يرغب في معرفته الغرب، مما يعني ان الصورة المشوهة هي جزء ضروري من الهوية الاوروبية التي كانت تتشكل كما كتب يقول.

ظل واط مسيحي المعتقد وعمل كقسيس لفترة في اسكتلندا، وتأثر كثيرا بتجربة الراهب المسيحي الفرنسي تشارل دي فوكو الذي عاش بين القبائل المسلمة في الجزائر حتي قتله عام 1919، وكان واط يعتبر تكريسه الاكاديمي للاسلام كنوع من الوجود الارادي والمقصود في قلب الفكر في العالم الاسلامي، ومن اجل مواصلة هذا التوجه او الاحساس بهذا الوجود كان دائما ما يبدأ يومه بقراءة صفحة من القرآن او الادب الصوفي المسلم اضافة لقراءته في الكتاب المقدس المسيحي، الانجيل.

وكان اخر كتبه ليس عن الاسلام ولكن عن المسيحية المسيحية دين اليوم الذي صدر عام 2003 وكان واط قد بلغ الثالثة والتسعين من العمر. ولد واط في منطقة سيريس في مقاطعة فايف الاسكتلندية وتوفي والده ولما يبلغ عامه الاول. واثرت وفاة والده عليه ولكن من الجانب الايجابي حيث كانت كما كتب مرة مصدرا للحراك والبحث والتسامح وتحمل الحياة، درس واط في كلية جورج واتسون في ادنبرة وتعلم في جامعتي اوكسفورد وادنبرة وقضي احدي عطلاته الصيفية يدرس الفلسفة في جينا/ المانيا. كتب واط اكثر من ثلاثين كتابا معظمها في الدراسات الاسلامية منها تاريخ الفكر السياسي الاسلامي (1968) ومواجهات الاسلام والمسيحية: مفاهيم وتصورات خاطئة (1991)، وعرف بانه شيخ الباحثين في الاسلام في بريطانيا وآخر المستشرقين. كان واط يعتقد ان الفورة في النشاطات التبشيرية في بداية القرن التاسع عشر، 1800 ادت الي قيام العديد من المبشرين للسفر الي العالم الاسلامي والمناطق الاخري لتحويل الناس الي المسيحية، ويعترف واط ان ما نجح به المبشرون في مناطق اخري لم يكن مثمرا في العالم الاسلامي ولم ينجح المبشرون الا باقناع عدد قليل من غير المسلمين لاعتناق الاسلام. ويقول انه توصل لاقتناع قاده للشك بنجاعة هذا الاسلوب، ويري ان سبب فشل مبشري القرن التاسع عشر انهم لم يكونوا واعين لانجازات الاديان العظيمة. ويشير الي انه التقي الكثير من المسلمين من ذوي الانجازات وقدموا خدمات الي مجتمعاتهم ولكنهم متجذرين وملتزمين بدينهم. وبدلا من قيام المسيحية بجهود التبشير الذي قد يكون ضروريا في حالات استثنائية الا انه يعتقد ان دور المسيحية يجب ان يقتصر او ينحصر في جلب الاديان معا والتحاور وتعزيز ثقافة التسامح، لان كل الاديان اليوم مهددة بتصاعد موجات المادية والعلمانية. وكان يري ان الحوار واجب لان تشويه صورة الاخر لن يؤدي للنقاش. ومن هنا فهو يقول ان الاصولية، اي كان منبعها غالبا ما تخرج عن النص. واشار في نفس المقابلة الي انه قبل فترة انتبه الي العهد القديم، حيث لاحظ ان الكثير مما فيه لا يعبر عن القيم المسيحية، مشيرا الي بعض الفصول فيه التي تتحدث عن لعنة الدمار وعندما حل العبريون علي فلسطين ودمروا وقتلوا كل شيء، رجال ونساء واطفال واحيانا حيوانات، وهو ما حدث في اريحا. ويعتقد ان المسيحية هي ضد الحرب مع ان بعض المسيحيين في الماضي قاموا بدعم الحروب، والاسلام ليس بالضرورة معاد للحرب. ويشير الي ان الغرب ليس في حرب جهادية مع الاسلام، وعندما تتحدث ايران عن الشيطان الاكبر فان هذا الشعار موجه الي الولايات المتحدة. واكد ان الاخيرة تتبع سياسة خطيرة في الشرق الاوسط، وسبب ذلك لان واشنطن تقدم دعما كبيرا لاسرائيل. ويضيف يسمحون لها (اي اسرائيل) بتطوير السلاح النووي والقيام بكل شيء مع ان هذه الاعمال او بعضها مناقض للشريعة اليهودية، ويتحدث عن اشكال هذا مثل قيام عائلات يهودية باحتلال بيوت الفلسطينيين ودخولها بدون اذن. وعن اثر الاسلام عليه، قال واط انه تعلم منه وحدانية الله، معبرا عن عدم سعادته من التثليث في المسيحية او الرب الذي يتكون من ثلاثة اقانيم شخوص. ومن هنا فالمسيحية وان لم تقل ان الله مكون من ثلاث شخوص الا ان برؤيته لله واسمائه يمكن ان يعلم المسيحية كيف تنظر الي المعني الحقيقي للاقانيم الثلاثة التي هي عن وجوه او ادوار لرب واحد. في كل ما كتب كان واط، وفيا لما وضعه من اهداف في كتابه الاول عن حياة الرسول صلي الله عليه وسلم حيث كتب يقول لقد حاولت، في الوقت الذي ظللت فيها مخلصا للمعايير الاكاديمية والتاريخية الغربية، انتهاج مدخل لا يجعلني انكر او ارفض اي مبدأ اساسي من مباديء الاسلام. لم تكن كتابات واط محطا للاعجاب من الكثيرين، مسلمين وغير مسلمين فالمؤرخ الفلسطيني عبداللطيف الطيباوي انتقد واط الذي المح الي ان الرسول صلي الله عليه وسلم كان واع وعارف للتعاليم اليهودية. اما نقاده الغربيون فكانوا ينتمون الي مدرسة جون وانزبري (1928 ـ 2002)التي قدمت مدخلا جديدا لفهم الاسلام قائم علي ادبية النص. ففي الوقت الذي تعامل فيه واط مع معركة بدر بنفس الطريقة التي تعامل معها المؤرخون المسلمون فقد انكرها وانزبري باعتبارها من صنع الخيال. وهنا ركز الباحثون الغربيون نقدهم علي واط لانه قبل ما قالته النصوص الاسلامية بدون نقاش.

ناقد من اسرة “القدس العربي”

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية