وَجَع…

حجم الخط
0

سعاد قطنانيفلسطين وجع في قلبي منذ الولادة … سورية وجع روحي الهائمة في شوارع دمشق وحاراتها التي كبرت فيها… وبين الوجعين أتمزق على وطن يـُقضم كل يوم …وعلى وطن يـُقصف كل يوم…’سورية”دعيني أستعير من وجعي عليك وجعاً لفلسطين….دعيني أذرف دمعة على عيني سامر العيساوي اللتين’اتسعتا وسع السماء وهما تعاندان الجوع والسجان… دعيني ابكي القدس عند قبر صلاح الدين …دعيني أزور مقامه الذي تحضنه حاراتك الضيقة ….دعيني أحشر نفسي بين الأدعية والأشواق والحاجات في آخر سوق الحميدية واستنجد بصلاح الدين، فالأقصى تنقره الغربان من كل زاوية وركن وصوب… دعيني أتبع خط”دمي الممتد من جنين إلى جبلة …دعيني أحاكي طيف الشهيد عزالدين القسام وأشكي له وجعي…وجعي على وطن عاش فينا …ووطن عشنا فيه….وجع يمتد من فلسطين إلى سورية ….’سورية امنحيني قليلاً من دمعي”عليك لأبكي فلسطين ..من أجل أشجارتشبثت بزيتونها .. من أجل حجر وبيت تركه لاجئ على عجل يوم الرحيل… دعيني أبكي من أجل من رحلوا كالموت ولم يأخذوا سوى أجسادهم والحنين.. من أجل أرواحهم المعلقة هناك في فلسطين على مشجب الانتظار… من أجل اللاجئين المعذبين بلجوئهم …من أجل الغائبين .. دعيني أستعير بعضاً من ألمي عليك ألماً لفلسطين…سورية أستعير منك وجعاً لفلسطين لأن الصمت أوجعني … فمنذ أكثر من ستين عاماً والاحتلال يحاول تغييب أهلي ولغتي…يحاول أن يلصق وجهاً آخر فوق وجهي…واليوم يسعى النخاسون أن يطووا في الغياب الغائبين.. يحاولون تغييبهم هناك في مخيمات اللجوء والشتات ليعمل السماسرة والتجار في بيع أرض التين والزيتون…ومن بين الأخبارالعاجلة التي تخطف روحي وتحصي الموتى في حلب ودمشق وتنعث التراب والخراب في حمص و دير الزور يسرقني من حزني حزن آخر على فلسطين حيث ستبدأ الشركات العقارية ‘الإسرائيلية’ بطرح مناقصاتها العلنية لبيع الأراضي التي تعود ملكيتها للفلسطينيين الذين هجروا من وطنهم عام 1948، وأما الثمن فهو مجاني يُعطى من حكومة احتلال غاصبة بسن قانون غير شرعي يبيح و يُشرعن نقل الأراضي من ملكية دولة الاحتلال ومن وصاية ‘حارس أملاك الغائبين’ إلى القطاع الخاص…يطبقون مبدأ: السارق من السارق كالوارث من أبيه !!سورية لا أريد أن أزيد من ألمك ألماً لكن دعيني أرتمي في حضنك وأبكي… ففي سوق النخاسة حيث تباع الأرواح … يجتمع”الغرباء حول لحمي …يصيح الدلال ليسوّق أرضي: كنعانية أصيلة….حفيدة كنعان وابنة عناة …لونها لون التراب… من يشتري ؟؟! عمرها ألف وألف عام…روحها تحوم فوق حيفا ويافا…تحلق فوق جبال الجرمق وصفد..عنيدة كجبال الخليل… جميلة كحقول الجليل….من يشتري؟ يعرفها الغيم وحتى السماء …من يشتري؟ من يشتري التاريخ ؟؟ من يشتري التراب ..تراب فيه ريح قديسين وشهداء وأنبياء! تراب”فيه عرق فلاح وأحلام عاشقة وعاشق… في الربيع زهر اللوز يلون الذكريات والشجر… أرض تحب الخير والمطر…. من يشتري؟ هذه الأرض فيها خان قديم يصلح ليصبح بار…. وفيها بضع أحجار لبناء سوق خضار… اقتربوا.. ..انظروا هنا شجيرة صبار.. ..اخلعوا الصبار وابنوا لشتات العالم بضع بيوت وأسوار…هنا يوجد جبل يستطيع فيه”الحالمون أن يبنوا بيتافيه’نهر عسل وحليب وتمر…يصيح النخاسون، وفي السوق يضيع الصراخ مع ريح تصفر…وغبار يعفر في المكان…سورية كلما أوغلت في لجوئي ووجعي تذكرت آهات وأحلام المشردين اللاجئين في الزعتري وكيليس وخان الشيح ودنون… سورية أوجعني الحنين إليك… أوجعني الحنين إلى وطني.. ولكن دعيني أقول ما تبوح به الروح عن الغائبين المشردين الذين يبكون سوسنة الربيع ويبكون الغياب وأرضهم مشرعة للبيع للصوص والغرباء… هؤلاء الغائبين يحلمون بباب البيت والمفتاح والخبيزة والزعتر البري… يحلمون بقنطرة”وشرفة تطل على تل من الربيع… مازالوا يذكرون الوادي والخان والدكان والأغاني… مازالوا يقصون”حكاياتهم للريح….”علّ الريح تسمعهم وتنشد أغنية الغياب … يرسمون في شتاتهم”فلسطين بصورة الشهيد والمفتاح …يعلّون سقف خيامهم لتعانق السماء… هم”في الغياب يستقبلون لاجئين آخرين من وطن احتضن اللاجئين وذكرياتهم…يطلون في الصبح على غربتهم يتحسسونها … يشدون حبال المنفى في اللامكان… غدوا سرب حمام مهاجر يتعبه البقاء في الصدى ويضنيه الترحال… غدوا وجعاً لابراء منه… وجع الحنين وشوق الرجوع… تجرعوا كؤوس المر والغربة حين خرجوا ذات ليل وخوف…. و أنت الآن يا سورية تعرفين القصة وحروفها المبعثرة من حلب النيرب إلى يرموك دمشق حين هُجروا من هجرتهم مرة ومرة ومرة أخرى…’لم يعودوا يقووا على الرحيل … فالرحيل يسكنهم وأرواحهم تعبت…لكثرة الترحال غدت الروح تطير فوق المدن التي تحبها وتعرفها كحمامة ضيعت عشها…. هائمة”هي الروح… الأرض لم تتسع لوجعهم.. ..يلملمون جراحهم في الصبح ويمضون نحو الوطن… وحين يأتي المساء ولا يكون الوطن… يستجمعون الذكرى و يستقوون بالحلم … فبينهم وبين سوسنهم وزعترهم ليل وغربان…وسماسرة الأرض والإنسان… لم يـُـتعب الفلسطينيون حمل الوطن في القلب.. ولكن آن لقلوبهم أن يحملها الوطن …آن أن يعودوا … آن أن يرموا الغياب ويعودوا لشجيرات الصبار وحقول السنابل…هم”في المنفى يتحسسون غيابهم ببضعة”أوراق صفراء”يأكلها الحنين لأرض ومزرعة وبيت وحقل وشجرة وحجر وبحر وسماء …يتحسسون أرواحهم … وأرواحهم معروضة للبيع والقتل في مخيمات اللجوء!صاح الغائب بالغياب : من يبيعك للدلال ياروح !!وصاح السوط في الجلاد:أتعبتني ولم تتعب..تبت يداك!!الإنسان روح والأرض روح…روح تحزن وتعتب على أصحابها ..تسخر وتضحك من هؤلاء الذين لا يعرفون أنهم ذات يوم راحلون هم يمسكون بجلودهم …سيرحلون …. فللتاريخ عبرة لا يعتبر منها الحمقى…سأقول لسورية التي يلفها النار والدخان ولفلسطين التي ينهشها الغرباء: المستقبل لا يمكن أن يخيب حلم صبي بالعودة ولاعنفوان صبية بالحرية .. لا يمكن أن يخيب العيون التي اغتربت و يممت وجهها صوب بحر حيفا ويافا.. لا يمكن أن يخيب لاجئاً توسد الحنين وأفاق على شوق لصباح يحتضن الحرية …الأرض تعرف السارق .. وتعرف عيون القاتل … و لكن اللصوص لايعرفون أن الأرض تلفظهم … اللصوص والقتلة لا يتعلمون من الحكايات والنهايات… ويظنون أن القراصنة سيحكمون البر والبحر إلى الأبد… فقد مكث الفرنسيون وأصحاب الأقدام السوداء القادمون من شتات أوروبا لأكثر من مائة وثلاثين عاماً ثم لملموا خوفهم ذات نهار ورحلوا من الجزائر… رحلوا بعد أن باعوا واشتروا وبنوا بيوتاً ومستوطنات وتوالدوا … رحلوا بعد أن سرقوا وقتلوا ونهبوا ونكلوا بالجزائريين… رحلوا بعد أن بنوا دكاكين وأسواقا وتركوها كشاهد على خيبتهم …رموا بالذكريات السوداء والدماء التي أراقوها في البحر وعلى رؤوس الجبال ورحلوا… لم يبق منهم سوى بعض الألم .. فساعة النصر تجب ما قبلها من حزن ونكبات…. لقد رحل المغتصبون وماتت الديكتاتوريات.. لم تغفر إسبانيا لفرانكو وبقيت أشعار لوركا عنواناً للإنسان… ولم تنس القيثارة أصابع َ فيكتور جارا برغم قساوة بينوشيه.. ونيرون لفظته القبور برغم كبر روما…’qadqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية