محمد أنقارنادى بصوت زاعقٍ بعد طول انتظار:أين أنتِ؟..أجابته من بعيد:في الحمّـام..لقد تأخرتِ..دقيقة وأكون معكَ.وفي انتظار مرور الدقيقة ازداد انكماشاً على ذاته. كان قد أُصيب في النادي بتمزق عضلي في أول يوم مارس فيه الرياضة المنتظمة باقتراح من الطبيب. ثم أعقب التمزقَ سقطةٌ فوق الأرض المغطاة بالخشب المدبوغ بالصفرة. وذاك وجه الغرابة التي حيرت المدرب وكلَّ من كان حاضراً في القاعة الفسيحة. المهم أن التمزق الحاد منعه من الحركة، والسقطةَ أربكت ذهنه، وعلى إثرهما أعادوه إلى الدار في مِحـفّـة وهو يتأوه. ثم مددوه فوق الفراش على جنبه الأيمن، فظل جامداً كالمومياء. ثم أعطوه أدوية مضادة لألم التمزق من دون أن يبالوا بمضاعفات الارتباك، ثم انصرفوا إلى شؤونهم فبقي وحيداً أو شبه وحيد. ومع مرور الساعات اتخذ، مرغَماً، وضع اليوغا حيث ضَغط على بطنه بأن قرّب إليها فخذيه، وضغط عليهما هما الأُخريين برجليه حتى لم يعد له بطن. ثم أطلق ذراعيه نحو الأسفل وهو تحت اللِّحاف، وشبك كفّيه حول الركبتين. وباختصار اتخذ وضعاً شبيهاً بذاك الذي يكون عليه الجنين في بطن أمه. كان قد دُثِّـر باللِّحاف السميك فاستمْرأَ الدفءَ، وفي عز المساء هدأ الألم قليلاً فداعب النوم جفونه. وبدا كأنه نام عميقاً عندما أحس براحة كبيرة لما أفاق. لكن هاجساً وسوس له:إنك لم تنم قطُّ بدليل التفاصيل التي رأيتَها وأنت ممدد في الفراش. كانت واضحة إلى درجة أنك تستطيع تذكُّرَها كاملةً، بل وأن تَنقشها فوق صـخـرٍ.والحاصل أنه قضى ردحاً من الزمن حائراً تساءل خلاله إن كان قد نام حقاً أم لا. إلى أن ناداها فلبت النداء، ثم عاينَـها وهي تقبل صامتةً وقد لفَّت جسدها بفوطة ناصعة البياض كما في الأفلام الملونة؛ من فوق صدرها حتى ركبتيها. ثم أحس بها تتمدد خلف ظهره بنعومة وهو في وضعه البئيس. بل شعر حتى بجسدها الدافئ المبلل بماء الرشاش. وقاسَ، تخميناً، طولَـها المعهودَ الذي تجاوز وضعَه المنكمشَ فبدا أمامها حقاً كشيخٍ جنينٍ، كحفنةٍ من بلَح معفون. ثم استخلص في استسلامٍ وتطلُّعٍ: – هي امرأة أساسية وأنا كمشة. وخاف أن يسألها:هل جئتِ؟..خاف لأنها ستـعَقّب حتماً وستقول: – أأكون جنبك ولا تفطن إن جئتُ أم لم أجئ؟. كفى من الأسئلة العبيطة.كل ذلك أشعره بوجودها إلى جانبه رغم أنه لم يلتفت وراءه. أكثر من ذلك أن أصداءَ كلماتها رنَّتْ في أذنه كالصدى الملحاح، علماً بأنه لم يعاينْها تفتح شفتيها وتقفلهما وهو في وضعه المعكوس، وإنما تمثَّلَـها وراء ظهره، تتكلم مبتسمةً حتى بدت أسنانُها الناصعةُ البياض، وبرزت بوضوح غمّازتا خديها. والدليل على أنها تكلمت وفي نفس الوقت لم تتكلم تداخلُ حروف صوتها في بعضها بعض حتى تحولت إلى مجرد أصداء مُلحة كما سبق. بيد أنها كانت أصداء واضحةً للغاية، ردّدَتْـها غرفةُ النوم مدة زمنية طويلة، وما زالت ترددها. ثم إن نشوةَ الفوز لم تدم طويلاً لـمَّا أن انقض عليه التباسٌ آخر كالشيطان الرجيم: – ومن أدراك أنها وَرْدِيَّةٌ وليست أختَها؟..كان التباساً منتظراً بحكم تعـوُّده حالاتِ الارتباك الذهني والألم العضوي. إذ ما أن تَـهُل ساعةُ صفوٍ إلا ويطلّ معها شيطانُ التردد كفيروسات الحواسب الهالكة. كانت تلك الحالة المزاجية سبباً من الأسباب التي جعلت الطبيب يقترح عليه الرياضة حلاً من بين حلول عدة. أوصاه بها مثلما أوصاه بفترة نقاهة طويلة. أما الآن فلا بد أن يحاول معرفةَ أنها هي بلحمها ودمها، وإلا ظل ضحيةَ سوء فهمٍ أزلية. قال:لن يفلح الألـمُُ في صدّي عن طلب الحقيقة. ثم حرك رأسه ميليمترات فوق الوسادة، ثم طمع في فك كفّـيه المتشابكتين. ثم ازدادت حدَّةُ الطمعِ فأراد رفعَ رأسه قصد الالتفات. في تلك الثانية الحاسمة أحس بكتفه تتشنج كما لو ضربتْـها صاعقةٌ كهربيةٌ. ولم يتمالك عن الصياح:- آآآآي ي ي.. ثم عاد إلى سابق وضعه الجامد. حتى إذا ما استشعر الابتعادَ التدريجي لضربة الصاعقة قال مواسياً: – الظاهر أني مطالَب بأن أقنع بالنصيب حتى وإن لم تكن هي. يكفي البصيصُ في حال انعدم الضوء. هكذا أمضى وقتاً يعارك الأحاسيسَ المتضادّة. وقتاً طويلاً وقصيراً في ذات الآن. إلى أن سلبه العراكُ الحريةَ وجعله يتقاعس عن السؤال من جديد:أين أنتِ؟. وهدده الهاجس المـتربِّصُ رافعاً سبّـابته في وجهه:إن عاودتَ السؤال ربما أغضبتَـها واختفت إلى الأبد. قد تقول لك كاذبةً إنها سترجع إلى الحمّام ثم تـتلاشى بصورة تامة.وأضاف:اقنعْ بمن تمددت أمامك حتى وإن لم ترها أو لم تكن هي. لكنه لم يقنع حيث داخله الطمع مرةً ثانيةً مثلما داخلَ صاحبةَ الكنـز التي أوصتْـها الجنيةُ بأن تحمله إلى دارها من دون أن تلتفت ولا أن تحاول معرفةَ ما في الكيس. غير أن المرأة الطمّاعة توقفتْ، التفتت، وفتشت فلم تجد سوى فحمٍ مسحوق. وتوجس من أن يكون مصيره كمصيرها فلزم الصمت، ولم يتطلع إلى أن يَقْلِب جسمَه المشدودَ إلى ذاته ناحيةَ اليسار ليـرى إن كانت لا تزال ممددة خلفه أم لا. لم يتجرأ حتى على البحث عنها بأطراف أصابع قدمـيه المنكمشتين. وظل كذلك غارقاً في بحر من الفكر؛ ممدداً، منكمشاً، منتظراً بزوغ الفجر. واستشعر الوحدةَ لما فشل في أن يتمـثّل أهلَه تـمثُّلاً ملموساً. هم هنا وليسوا هنا. إثر ذلك تراخت عضلاته من دون أن يفارقه عدوّ التشنجِ المتربص به. ثم تمكنتْ منه أحلام اليقظة فإذا به يرمي البصر إلى خضم البحر اللجيّ مستجدياً طوقَ النجاة، حتى إذا طال الانتظار والخوف من الغرق المجاني خُـيِّل له نورُ منارة أوحى إليه، من بعيد، بأن الزمن كفيل بتعليمه أبجديةَ الحكمة. وسمع حارسَ المنارة بلحيته البيضاء ونظرته المفعمة بالوحدة والصمت يهمس في أذنه رغم البعد: الطيفُ هشٌّ، إن ألححتَ تلاشى. اختر إذن بين التعايش معه وبين التلاشي في الخضم. وعلى إثر كلمات الرجل المعزول عن الدنيا راوده شبحٌ من الاطمئنان. شبحٌ موغلٌ في النأي، مبهمٌ كغمغمة الرضيع، ومع ذلك حفزه على بداية التدرّب على صوغ السؤال بإيقاع مغاير. ثم راح يـئنُّ، كالجريح، غير طامع في الجواب: أين أنتِ؟..أين أنتِ؟..أين؟..آيـن؟..qad