وَهْمُ الكتابة

استشهد النحاة العرب بالرجز مثلما استشهدوا بالشعر ومن شواهدهم في الرجز هذه القطعة لأبي النجم العجلي يقول فيها: أقبلْتُ منْ عنْدِ زيادٍ كالخَرِفْ/ تخط رجْلايَ بخط مختلف/ تكَتبان في الطريقِ لامَ ألفْ). لن نعلق على ما شغل النحاة في هذا البيت لكن سوف لا نبعد كثيرا عن اهتماماتهم، ونحن ننظر إلى هذا الرجز من بوابة أخرى فنحن سننظر إليه باعتباره استعمالا مستطرفا للكتابة الممثلة للحركة وليست للقول.
إن أهم وظيفة تُذكر للكتابة أنها تمثل اللفظ بالخط؛ وهذا يعني أن الكتابة حادثة بعد الكلام الشفوي. جاءت اللسانيات الحديثة لتؤيد على عكس التصور الكلاسيكي – أسبقية الشفوي على المكتوب، فثبّتت دون أن تقصد أسبقية زمنية للشفوي؛ هي غير مقصودة في مبادئ اللسانيين، لأن الأسبقية عندهم في مراتبية الأنظمة العلامية، نعني أنه إذا كان اللفظ علامة يستعمله الكلام المنطوق، فإن الكتابة والخط علامة يستعمله المكتوب، والنظام الأول سابق لا من جهة الوجود، بل من جهة العلوق، اعتمادا على أننا حين نكتب إنما نمثل لنظام لا بد أن يكون له وجود مرجعي حتى ينقل ويمثل، بقطع النظر عن كون ذلك المرجع سابقا حتى إن كان كذلك.
في رجز العجلي تشبيه يقرّب حركة القدم وهي تسير سيرا غير متوازن بجسم أربكته الخمرة ومَوّجَه السكر سكرٍ سيرا يشبه هيئة حركة اللام والألف (الهمزة). في شرح شواهد الشافية تفسير لغوي أورده البغدادي لهذا القول جاء فيه: «مقصوده اللام والهمزة، لا صورة «لا» فيكون معناه أنه تارة يمشي مستقيما فتخط رجلاه خطاً شبيهاً بالألف، وتارة يمشى معوجا فتخط رجلاه خطا شبيها باللام» وأضاف الشارح معطى يؤيد أن وصف المشي كان من فرط الشراب فقد قال الصولي: كان لأبي النجم العجلي صديق يسقيه الشراب فينصرف من عنده ثملا، وأنشد له هذه الأبيات» (في شرح الشافية/ 4، 156).
في هذا الرجز كثير من المعاني الراجعة إلى الكتابة، بما هي وهْمٌ أو ناقلة لحالات من الوهم. أبرز عبارة عن الوهم في قوله «خرف» التي تعني في الأصل «فساد العقل من الكِبَرِ (لسان العرب، 9/62). هذا التعريف لا يمكن أن يكون بدقة ما يعرف اليوم بالاسم نفسه، ويقابل المصطلح الإنكليزي Dementia الذي لا يحيل على مرض محدد، بل على ضعف في القدرة على التذكر والتفكير، أو غيرها من الأنشطة الذهنية التي يحتاج إليها المرء في معالجات أنشطته اليومية معالجة ذهنية. وليس الكبر سببا في الإصابة بهذا المرض، وإن كانت أغلب الحالات كذلك فالأطباء لا يعتبرون الخرف جزءا من الشيخوخة الطبيعية. المهم أن للخرف دليلا في اللفظ، والكلام يتمثل في الغلط والسهو والتخليط في القول. لكن خرف النص هو خرف في المشية، لا علاقة له بالكلام. الساق هي التي تتكلم عن خرف صاحبها فلكأنها لسان خرف صاحبها غير أنها لا تقول بل تكتب على الطريق و»تختط» الحروف الدالة على هذا الخرف. الأصل أن الخطوات المتعثرة تركت آثارا رآها الراجز حروفا.

توهم حروف هجائية حية تسعى يمكن أن يفسر استعاريا في نظرية المزيج الاستعاري العرفانية Blending Theory لكن المزيج في هذه النظرية من شأن إدراكنا للاستعارات أي نحن من يعيد بناءها بناء مزجيا، وليس الشاعر الذي يعطينا إياها ممزوجة.

يمكن للقراءة المطمئنة أن تدخل وصف المشي إلى بيت الطاعة البلاغية، بأن تعده استعارة. لكن هناك شيئا عقليا يضعف هذا المسار؛ فالاستعارية ظاهرة إدراكية مقصودة وليست مبنية على وهم، والوهم ليس «قرينة» لا على المجاز، ولا على التشبيه. لا توهمنا الاستعارات بأكوان مزيفة، بل هي تجعلنا نفهم الأكوان المجردة بوسائل الأكوان القابلة للفهم. بيد أن قول الراجز في الكلام أعلاه لا نية فيه لهذا، أي ليس يقصد أن يوضح شيئا عسير الفهم أو مجردا بشيء مادي يسير الفهم. إذ من اليسير أن نفهم تعثر الخطى من غير استعارة شيء مجرد قد لا يفهمه إلا من أتقن الكتابة، وعرف حروف الهجاء.
ينخرط كلام الراجز في ضرب من الإدراك الواهم، الذي هو جزء من «خرف الخمرة» هذا الإدراك الواهم يجعل الماشي المتعثر، يرى في حركات الساق أوهاما لا يمكن فهمها إلا بتفكيك شيفرة الكتابة.
أَجْمِلْ بوهمُ الكتابة أن يقع في لحظة إدراك لذهن مخرف، ذهن لم يفقد الوعي بالعالم، لكن له القدرة على أن يجمع في حيز إدراكي واحد بين شيئين لا يمزج بينهما، هما في هذا السياق صورتان ممتزجتان: صورة حركة الساق وهي تمشي من ناحية، وصورة حرفي اللام والهمزة من ناحية أخرى. لتبسيط هذا المزيج الإدراكي سنقول إن الواصف يرى ساقين تكتبان حروفا، ولا يرى ساقين تمارسان عادة المشي، أو لنقل بطريقة أخرى هو يرى حرفين يُكتبان على التراب ولا يَرى أثرين لقدمين تَمشيان. هناك تفصيل مهم هنا، يمكن أن يمرّ سريعا فلا تلمحه هو تفصيل يخص تفكيك شيفرة المكتوب. في الكتابة عليك أن تكتب الحروف أو الكلمات ثم وبإدراك بصري تتعرف عليها. هذا لا يحدث في قول الراجز فلا شيء يتيح للماشي المتوهم للكتابة أن يتوقف ليقرأ، ففضلا عن أن وقت الانصراف لا يسمح بذلك إذ هو الليل على أقرب التقديرات، فإن الوعي برسم الساق للحركة هو وعي قائم على توهم خط الحرف لا على ملاحظة لذلك الخط فعليا. يمكن أن تختط بساقك على أرض مرملة على شاطئ، أو في الصحراء، أو على أرض متربة في الحقول، حروفا فتكتب اللام أو الألف، أو ما عن لك أن تكتب: ذلك هو فعل الكتابة الحقيقي. وهم الكتابة هذا الذي يحدثنا عنه الراجز هو أن تمشي وتصبح ساقك على هيئة خط المطابع الحجرية فمرة يكون شكلها لاما ومرة يكون شكلها همزة. صورة حروف الطباعة الحجرية القديمة هي الأقرب إلى بيان المقصود، في وضعية الارتفاع يكون الحرف هيكلا لحرف، وحين يكون في وضعية نزول أو طبع يكون الحرف شكلا كتابيا منجزا. صورة الطباعة لا الكتابة هي التي تعطي نسيجها الخيالي لهذا الواهم الماشي بالكتابة.
ليس كل من يمشي باضطراب نابع من سكر يرى ساقا تختط حروفا. على هذا الماشي أن يكون مسكونا بهاجس الحرف المكتوب. عليه أن يكون منغمسا بين الحروف، يكتبها في جزء كبير من الوقت، يده وهي تختط على الورق الحرف أثناء النشاط العادي العاقل، هي ساقه التي تكتب على الرمل أثناء تكسير النشاط بالسكر. وجود هذا الرجل معلق في حياة دائرتها الحرف وعقاربها اليد والساق. من يَعِشْ مع الحروف وهو في نشاطه المتعقل، قد يراها متحركة، تماما كمن يرسم رسوما ثابتة، ثم يراها متحركة وهو من يحركها. قد يكون من الصعب عليك أن ترى اللام، وكأنه ساق تمشي باستقامة وترى الهمزة، وكأنها ساق تمشي باعوجاج؛ قد ترى العكس، فترى الألف هي الحركة الثابتة لساق ثابتة لا انكسار فيها، وترى اللام حركة ساق فيها اضطراب؛ قد ترى ذلك وقد يعسر عليك أن تجاري هذا المتوهم للحروف المتحركة.
توهم حروف هجائية حية تسعى يمكن أن يفسر استعاريا في نظرية المزيج الاستعاري العرفانية Blending Theory لكن المزيج في هذه النظرية من شأن إدراكنا للاستعارات أي نحن من يعيد بناءها بناء مزجيا، وليس الشاعر الذي يعطينا إياها ممزوجة. حين تقول: (ساقي حرف لام في مشيتها) فأنت من يمزج بين الساق والحرف، ليعطيك المزيج شيئا مركبا من ساق وحرف؛ لكن الشاعر في القصيد هو الذي مزج وعلّب وركّب وأعطى لنا صورة جاهزة لا نرى فيها عقلا مستعيرا، بل عقلا مولعا بالكتابة تختلط فيه الحروف بالحركات، لا بحركات الرفع والنصب والفتح، بل بحركات المشي نفسها: يمشي المنتشي ولا يعرف هل أن من أسكره «زياد» أو «زيادة» في اعتبار الحروف أناسي والكتابة عالما ممكنا.

أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية