خيري منصور
انسجاما مع تقليد عريق في ثقافتنا العربية، كوفىء عالم الاجتماع الراحل د. علي الوردي في شيخوخته بالمنع من النشر تماما كما كوفىء آخرون انتهوا الى مصير الخراف المحشوة في السّفافيد كابن المقفع او ذلك الذي استبدل الحاكم أضحية العيد به وذبحه، او كثنائية الايوبي والسهروردي في ثقافة الحرف والسيف.
كتب علي الوردي لمحات اجتماعية عن تاريخ العراق بأجزائه بعد ان قرر الترجل من المرتفعات الاكاديمية الباردة الى الزقاق، ليفحص عيّنات آدمية من تجار وفلاحين وسماسرة ووعّاظ، وكان قد عثر على الحلقة المفقودة منذ الريادة الخلدونية في تاريخنا وافتضح نسيجا رعويا مطليا بطبقة هشّة من التطريز المملوكي، ولم يكن كتاب وعّاظ السلاطين الا استطرادا في افتضاح التكسب بالكلمة، حيث المقايضة غير المتكافئة على امتداد العصور كان طرفاها السلطان وشاهد الزور، اما المثقف وفق تعريفه العضوي فهو خارج المدار، والفترات التي رصدها د. الوردي ليست اطلالا، لهذا لم يكن منهجه اركيولوجيا او حفريا فقط، لأن الظاهرة ممتدة ومستمرة وذات تجليات فيروسية متجددة المناعة والتأقلم حتى في مرحلة ما بعد الحداثة!
ما من سلاطين يعيشون بلا وعّاظ، لكن هناك وعاظا عاطلين عن سلاطينهم يبقون على قيد الحياة العضوية والمفرغة من أي محتوى انساني بعد غروب السلاطين، اللهم الا اذا تأقلموا وقلبوا جلودهم وعرضوا مجددا انفسهم للايجار، وواعظ السلطان هو من يتولى ويتعهد تبرئته من الخطايا، واحيانا يكون المرادف الثقافي لميكافيلي، فالأمران في هذا السياق وجهان لسلطة واحدة، ما دام المقصود هو الاستحواذ والاحتكار وادعاء المعصومية المحصّنة من النقد، وقد حمل الوعاظ القابا عديدة تماما كما حملت مهن أخرى كانت ذات يوم منبوذة اسماء مستعارة تؤهلها للقبول الاجتماعي، خصوصا في لغة كلغتنا غنية بالمترادفات بحيث تتحول بعض الالقاب الى طاقيات إخفاء يمارس من يتحصن وراءها كل ما هو محظور ومستهجن ومدان!
والمسألة الان ليست في تقصي مصائر وعاظ فقدوا سلاطينهم، تماما كتلك الكلاب المدللة التي كان يعلفها هتلر بأصابع الاطفال، ثم حاول غونتر غراس ان يتقصى مصيرها بعد النهاية الغامضة لصاحبها ومربّيها، ولا اظن ان وعاظ السلاطين يطيقون البطالة بعد زوال سادتهم، فاذا فشلوا في العثور على مستأجر جديد، يأكلون انفسهم، لأنهم بمرور الوقت وادمان الخضوع فقدوا آدميتهم وبالتالي كرامتهم الانسانية التي لا يبقى بعدها غير استمراء الذل، والتلذذ الماسوشي بهجاء الذات وتقريعها…* * * * * * وعّاظ السلاطين هم على الأرجح اناس عادوا من الربع الأول للطريق الذي تورطوا في وعورته، لهذا فهم في أحسن الاحوال أرباع مثقفين تتحول طاقة الابداع الشحيحة لديهم الى نزعة عدوان على من واصلوا الطريق، لهذا يعرضون معرفتهم بشعاب تلك الطريق على من ينصبون الكمائن، واحيانا يتحولون الى حاسة شمّ مشحوذة، او قصّاصي أثر… وهم الذين يزينون للسلطان حتى مثالبه وان كانوا في اللحظات العسيرة التي تتطلب النُّصح لا الاغواء يتحولون الى دببة تقتل اصحابها النائمين فيما يفر الذباب وينجو ليبيض على انف سلطان آخر.. هي مهنة قد لا تكون باهظة الا بمعيار اخلاقي وبما ان هذا المعيار مطرود من عالمها فهي أيسر من أي عمل آخر، إذ يكفي للواعظ ان يكون ظلا وصدى لسيده، وان يسمعه ما يود سماعه فقط، وهناك اسطورة سومرية عن سلطان وواعظه تنتهي بقتل الواعظ، لأن سلطانه ادرك قبيل النهاية انه كان مجرد ظل له… وأوقعه في الهلاك لفرط ما اوغل في نفاقه وتدليك نرجسيته.
وبطالة الوعاظ أبعد ما تكون عن بطالة الجنرال كما صوره ماركيز في كتابه ‘ليس للجنرال من يكاتبه’، فالجنرال قد يكون عبدا لرئيس او حاكم واحد، لكن الواعظ عبد لكل من يدفع له الثمن، وخبرته الوحيدة التي ادخرها هي الدفاع عن الاخطاء، لهذا لا يصلح لأي عمل آخر، ما دام الصواب بحد ذاته مفهوما مجردا، او هو السواد الذي يتحدد به البياض، ويحدث احيانا ان يتقمص الواعظ سلطانه وتتنامى في داخله شهوة التماهي معه، لكنه سرعان ما يكتشف انه مسكون بسيده، وهو حتى لو حاول قتله عليه ان ينتحر لأن سيده في داخله، تماما كما هو الحال في مسرحية ‘الخادمة’ لجان جينيه!* * * * * * * * الوعظ بحدّ ذاته نمط انتاج، خصوصا في ثقافة كان الغزو ذات يوم فيها نمط الانتاج السائد وشبه الوحيد ورأس المال المطلوب لها ليس المعرفة او حتى الخبرة بالوجود، بل القدرة على اجراء جراحة اخلاقية وذاتية لاستئصال الضمير كما لو انه زائدة دودية، لأن المطلوب من واعظ السلطان هو الانحياز الأبدي الى سيفه، والضحية مدانة حتى في انينها، لهذا يجب ان تكون خرساء حسب تعاليم هذه المهنة، وقد يكون الواعظ مؤرخا، لكن من ذلك الطراز الذي يكتب ما يُملى عليه فقط، تماما كما قال مؤرخ بعد رحيل الامبراطور الذي كان يملي عليه مزّقوا كتب التاريخ كلّها وأولها كُتبي! وقد يكون شاعرا قصيدته متعددة الأزواج كما قال د. عبد الفتاح كليطو عن شعر المديح، فالممدوح ليس مقصودا بحد ذاته والصفات التي تغدق عليه قابلة للهجرة الى اي ممدوح آخر.. وهناك مثال اقرب الى الامثولة عن شاعر عربي استخدم قصيدة مديح واحدة لممدوحين تفصل بينهما عدة عقود وعدة صفات ايضا! ورغم استعانة السلاطين بوعاظهم الا انهم يضيقون بهم كما حدث لذلك السومري الذي ضجر من واعظه، او كما قال محمد علي باشا لواعظه عندما قدم اليه رزمة من الكتب على رأسها ‘الامير’ لميكافيلي، خذها واقرأها انت.. اما أنا فلا وقت لدي لقراءة التاريخ لأنني منهمك في صناعته..* * * * * * * *ان متطلبات هذه الصناعة لا يقوى عليها او يجازف بها الا من اقتفى خطوات الشاعر المتكسب الذي اوصى ذريته بالمسألة اي الكدية في الادب، وليس المسألة بالمعنى الوجودي الشكسبيري المتعلق بالكينونة، او ذلك الذي قال ان قصائده هنّ بناته ينحكهن لمن يشاء… والسلطة العربية اقترنت دائما بهذا النمط من الوعاظ، واحيانا تسربت العدوى الى معارضات واحزاب هي في حقيقتها التاريخية توأم السلطة ذاتها لأنها ولدت من الرحم ذاته ومن كيمياء الثقافة الاحتكارية ذاتها! وفي عصرنا الحديث طرأ تحديث وعصرنة لوظيفة الوعظ شأن كل شيء آخر، لكنه تحديث لم يتجاوز الشكل، فلا الألقاب الجديدة غيّرت من طبيعة هذه المهنة، ولا التلاعب بالكلمات، اما المفارقة الصارخة فهي ادعاء بعض هؤلاء الوعاظ الجدد بأنهم جنّبوا سلاطينهم اخطاء ومواقف، ولكي نصدق هذه المزاعم علينا ان نصدق اولا بأن الببغاء تردد صدى مضادا للصوت الذي سمعته، او ان العصا وحدها هي ما يقود الاعمى وليس قبضته وساعده!