ويكيليكس… تآمر ام اختيار ام حتمية؟

حجم الخط
0

د. سعيد الشهابي

هو رجل تغيير حقا كما يدعي؟ ام عميل مزدوج لعدد من الاجهزة الاستخباراتية؟ أهو متهور بدافع اكتساب الشهرة؟ ام مهووس بالجنس الى مستوى الاعتداء على النساء؟ جوليان أسانج، الاسترالي الاصل، الخاضع للاقامة الجبرية باحد المنتجعات البريطانية بعد خروجه بكفالة من سجن واندسوورث، في لندن، لم يبلغ الاربعين من العمر حتى الآن، اصبح رمزا لتحدي النظام السياسي الغربي الذي استعصى حتى الآن على محاولات اضعافه، برغم ما اصاب النظام المصرفي والشركات الكبرى من مصاعب اقتصادية في السنوات الخمس الاخيرة. لا يعرف الكثير عن منطلقاته الفكرية او اوضاعه النفسية، خصوصا انه دخل في معركة سابقة مع صديقته التي انجبت له ولده، دانيال، ودخل معها في معركة حول حضانته. شخصيته مثيرة للجدل، في الكثير من جوانبها. فهو مولع بالانترنت، ولكنه احترف ‘اختراق’ المواقع منذ ان كان عمره 16 عاما، وهو أب ولكن بدون عائلة منذ انفصاله عن تلك الصديقة. دفعه ذلك الخلاف معها الى تكوين شبكة لمتابعة شؤون رعاية الاطفال، بدعم من والدته. كان حريصا على التعلم ولكنه متقلب في مزاجه، فدخل ست جامعات قبل انهاء دراسته. وهو متمرد على الواقع الذي يعيش ضمنه. ومهتم بحرية التعبير ووسائله، خصوصا الانترنت. في العام الماضي منحته منظمة العفو الدولية جائزة الاعلام للعام 2009 وهي جائزة تهدف لـ ‘الاعتراف بالتفوق في الاعلام المختص بحقوق الانسان’، كما اعترف ‘مركز الاعلام التحقيقي’ بانه ‘صحافي’. ولكن الناطق الرسمي باسم الخارجية الامريكية، فيليب كرولي، اعترض على وصف أسانج بالصحافي، ولا يعتبر موقع ‘ويكيليكس’ مؤسسة اعلامية شرعية. اما أسانج نفسه فيقول انه اهتم منذ ان كان عمره 25 عاما بنشر الحقائق وليس هناك ضرورة لمناقشة ما اذا كان صحافيا محترفا. ووصف دوره بانه اساسا ‘ناشر ورئيس تحرير ينظم عمل الصحافيين الآخرين ويوجههم’. ولكن ما جدوى هذا النقاش في الجدل الدائر حول شخصية أسانج؟ فبرغم منحه حق الخروج من السجن البريطاني بكفالة، فسوف يظل ملاحقا من قبل النظام السياسي الغربي بشكل متواصل، لاسكاته اولا ولجعله عبرة لغيره ثانية ولمنع تكرر ما حدث ثالثة. فهذا النظام/، من خلال الدول التي تمثله، تعرض في الفترة الاخيرة لهزات كبيرة اولها فشله في كسب ما اسماه ‘الحرب ضد الارهاب’، ثانيتها التورط العسكري غير الموفق (سواء على المستوى العسكري ام السياسي) في العراق وافغانستان، ثالثها: الازمة الاقتصادية التي نجمت عن تداعي الاداء المصرفي بشكل مروع وضع النظام الرأسمالي نفسه امام المحك، ورابعها، ضربة ويكيليس التي اضعفت الثقة في العرف الدبلوماسي الذي يعتبر المنظم الاساسي لعلاقات الدول، خصوصا مع دول العالمين العربي والاسلامي.

الصراع الذي انطلق في اثر نشر الوثائق يتصل بشكل مباشر بمفهوم ‘الحقيقة’ وما اذا كانت مطلقة ام نسبية. هذا من جهة ومن جهة ثانية يتصل السجال بحقيقة اخرى وهي مدى نقاء الاداء السياسي للحكومات، وما اذا كانت السياسة والحقيقة أمرين متلازمين ام متضادين. وهنا يبرز الجدل حول مقولات ‘النفاق السياسي’ لوصف الساسة الذين لا تنسجم ممارساتهم مع المبادىء التي يروجونها، و ‘المصلحة العامة’ وهي الذريعة الشائعة لتبرير اخفاء الحقائق عن الرأي العام. كما يرتبط بمفهوم ‘الدبلوماسية’ وما اذا كانت تجسيدا لـ ‘النفاق السياسي’ خصوصا عندما تطلق اوصاف الدبلوماسية على اساليب المراوغة من قبل السياسيين او غموض الاجابات، او التشويش على الحقائق. ولقد اصبح مقبولا ان توصف السياسة بانها ‘قذرة’ واصبح امرا مقبولا ان يكون السياسي مراوغا ولا يقول الحقيقة، او لا يلتزم بالوعود التي يقطعها على نفسه امام الناخبين. ولذلك تنشب الازمات في الدول ذات النظام السياسي المنفتح بين السياسيين وناخبيهم عندما تبدو المفارقة واضحة بين ‘المانفستو’ التي تطرح قبل الانتخابات والقرارات التي تطرح عندما يصل المرشح الى الحكم. وستظل قضية حزب الاحرار الديمقراطيين البريطاني واحدة من ابرز الامثلة لازمة القيم والمبادىء في المشروع السياسي الليبرالي. فقد اتخذ الحزب موقفا مضادا تماما لما التزم به مسؤولوه ووقعوا عليه قبيل الانتخابات، اذ أقروا رفع اجور الدراسة الجامعية عندما اصبحوا جزءا من حكومة التحالف البريطانية، بينما كان رئيس الحزب شخصيا قد وقع تعهدا امام ناخبيه برفض اي مشروع لرفع تلك الاجور. ولكن هذه القضية تبدو محدودة جدا اذا قورنت بما انطوى عليه موضوع نشر وثائق الخارجية الامريكية عبر موقع ويكيليكس. وهنا تبرز اشكالية اخرى وهي ان الشخص الذي كان السبب الاساسي في النشر هو الجندي الامريكي الشاب، برادلي ماننغ، الذي اعتقل واتهم بتسريب آلاف الوثائق الدبلوماسية السرية في ما يعرف بانه ‘اكبر تسريب في التاريخ الامريكي’. هذا العسكري الشاب ينتظر المحاكمة التي يمكن ان تصدر عليه حكما بالسجن لاكثر من خمسين عاما. من المؤكد ان ما فعله ماننغ يعتبر جوهر المشكلة، ولكن في الوقت نفسه فان هذا التسريب انما اكتسب اهميته بعد ان بدأ موقع ويكيليكس بنشر تلك الوثائق بشكل يومي متواصل، ومدروس بشكل واضح. هذا الكشف أدى الى تساؤلات عميقة حول مدى صدقية السياسيين والدبلوماسيين، وكشف مستوى مروعا من النفاق السياسي الذي ربما كان موجودا من قبل ولكنه لم يظهر الى العلن بالشكل الفاضح الذي حدث هذه المرة. وهنا توجه الاتهامات ليس للجندي الامريكي، برادلي ماننغ الذي سرب الوثائق فحسب، بل ان انظمة المعلومات الحديثة وسيطرة الانترنت على الحياة العامة كل ذلك اصبح مصدر تهديد للنظام السياسي الذي يحكم العالم. وبالتالي اصبح بامكان شخص واحد استنساح اكثر من مليون وثيقة دبلوماسية تتناول شؤون العالم، على اقراص الكترونية بدون ان يثير شبهة الآخرين. وتوفر له مجال لنشرها عبر الموقع الذي احدث هزة في الوسط الدبلوماسي والسياسي وان لم يستطع ان يعرضه للانهيار. ولكنه في الوقت نفسه كشف بعدا مقلقا آخر يتلخص بان النظام السياسي العالمي لم يعد ملتزما باطار محدد من القيم او ما يسمى ‘شرف المهنة’، خصوصا بعد ان استطاعت الدول الكبرى تهميش دور الامم المتحدة على الصعيد العالمي، فآليات هذه المنظمة اصبحت اقل قدرة على العمل ضد من يعرض مصالح الناس للخطر. بل ان هذه المنظمة لم تستطع الدفاع عن نفسها حتى بعد كشف تقارير ويكيليكس ان الرئيس الامريكي، باراك اوباما، أقر التجسس على مسؤولي الامم المتحدة من قبل المسؤولين الامريكيين. وطالب جوليان اسانج باستقالة المعنيين بهذا القرار من السلم الوظيفي، معتبرا ان ذلك ضروري لاثبات ان الولايات المتحدة بلد ملتزم بحكم القانون. ولكن هذه المطالبة لم تلق أذنا صاغية، كما ان القضايا الاخرى التي كشفت الوثائق عنها، والتي تمثل فضائح للنظام السياسي المعاصر، وقعت على آذان صماء، ولم تؤد الى موجات عارمة من الاحتجاج. وبذلك فقد كشفت الوثائق حقيقة اخرى لا تقل خطرا وهي عجز النظام السياسي عن اتخاذ قرارات ذات شأن في ما يتعلق بالصالح العام، او بالحفاظ على مصداقية العمل السياسي الملتزم بالقانون. هذا يعني ان القانون نفسه، كركيزة اساسية للدولة الحديثة اصبح هشا، وبدأ يفقد مصداقيته كآلية قادرة على حسم الخلافات وتسيير شؤون البشر. فبدلا من ان يكون هو الحاكم، اصبح محكوما بارادات الاشخاص ورغباتهم من جهة، وبسلطات غير منتخبة، مثل اجهزة الامن والشرطة. وهذه حقيقة جديدة تساهم في تهميش دور القانون كأرقى نمط قادر على ممارسة حكم عادل يتساوى امامه المواطنون على اختلاف طبقاتهم ومؤهلاتهم ومواقعهم.

أيا كانت دوافع نشر الوثائق الدبلوماسية الامريكية، فانها أحدثت هزة كبرى في البداية وتتواصل الهزات الصغرى بشكل متواصل. وبرغم اعتقال جوليان أسانج، صاحب موقع ‘ويكيليكس’ بتهم كيدية واضحة، فما يزال الموقع يفاجىء العالم يوميا بنشر المزيد من الوثائق، بشكل لا يخلو من دراسة وتخطيط. المشككون ما يزالون متشبثين بمواقفهم، فالايرانيون يعتبرونه ‘مؤامرة’ امريكية لشق صف المسلمين، بينما يراه الساسة الغربيون ‘جريمة’ ضد الاعراف الدبلوماسية من شأنها المساس بالامن الدولي. وبعيدا عن مناقشة دوافع القائمين على الموقع المذكور، او برادلي ماننغ، الجندي الامريكي المتهم بسرقة الوثائق، فليس هناك حدث اثار اهتمام الاعلاميين والسياسيين، الحكومات والمعارضات، عملاء امريكا ومناوئيها، اكثر من هذا التسريب الذي يعتبر الاكبر في التاريخ الامريكي. فقد أزاحت تلك الوثائق الستار الحديدي الذي فرضته الاعراف الدبلوماسية عن ديناميكية تفكير السياسيين والدبلوماسيين، وأكدت بشكل قاطع لا يقبل التشكيك او التأويل، المستوى الهابط من الممارسة السياسية لم يكشف من قبل. تمثل ذلك الهبوط بالخطاب الذي نسب الى زعماء عرب يحثون الولايات المتحدة فيه على ضرب ايران والقضاء على مشروعها النووي، مستعملين مصطلحات مثل ‘قطع رأس الافعى’ او ‘ضرورة الاسراع بضرب ايران قبل ان يستفحل امرها’. هذا التناغم في الخطاب الاستراتيجي يؤكد وجود اجندة متفق عليها بين بعض دول مجلس التعاون الخليجي تنطلق على اساس رص الصفوف من جهة واستهداف من يعتبرونه ‘عدوا’ لهم من جهة اخرى. ويخطىء من يعتقد ان الكشف عن محتوى الجلسات الدبلوماسية سوف يقلب الطاولة على رؤوس الجهات الغربية والصهيونية التي تستهدف المسلمين. فكل ما يمكن ان يتمخض عنها ان يتم ‘تطييب الخواطر’ بين الاطراف المعنية، والتزام المزيد من الحذر مستقبلا لمنع تسرب ما يقال في الخفاء. الغضب الغربي من تسريب الوثائق عبر موقع لويكيليس سيتحول الى قرارات مستقبلية بهدف منع تكرر ما حدث، ولكن النتائج غير مضمونة. فالثقافة السارية في الاوساط الدبلوماسية تمثل اعرافا ملازمة للعلاقات بين الحكومات. ويشعر المسؤولون عادة ان حديثهم سوف يبقى محصورا ضمن الدوائر الضيقة من السياسيين والدبلوماسيين، ولذلك يشعرون بالحرية في طرح الافكار التي لا يملكون الشجاعة لطرحها علنا. وقد اعتادت الدول الغربية مثل بريطانيا ابقاء أغلب هذه الوثائق سرية لمدثة ثلاثين عاما، بينما يتم التحفظ على بعضها خمسين عاما لمنع كشف بعض المعلومات المهمة. ولا شك ان مرور هذه الفترة الزمنية يجعل الكشف امرا محدود المخاطر بالاضافة الى ما يوفره من مواد بحثية في عالم السياسة والعلاقات. اما ظهور تلك المعلومات بشكل سريع فمن شأنه ان يحرج الاطراف المعنية ويقلص فرص الانفتاح ويدفع للكثير من التكتم وعدم الافصاح عن الرأي والموقف. صحيح ان هناك قضايا استراتيجية وحساسة قد يؤدي كشفها لازمات سياسية او امنية ولكن احتماء السياسيين وراء جدران السرية والتكتم، هو الآخر، لا يخدم قضايا الشعوب والامم، كما أكدت التجربة هذه المرة. ويمكن القول انه في الوقت الذي دفعت الولايات المتحدة وما تزال تدفع فاتورة كشف وثائقها الدبلوماسية، فان بعض الدول العربية تضرر اكثر من ذلك، بعد الكشف عما دار في بعض اللقاءات بين بعض الزعماء العرب مع الامريكيين، خصوصا في ما يتعلق بايران. ومهما كانت تبريرات اولئك الزعماء لتلك المواقف فقد فشل هؤلاء في تقديم تفسير منطقي مقنع للتحريض ضد المشروع النووي الايراني. وقبل نشر تلك الوثائق كان الانطباع العام ان دول الخليج تعارض استهداف ايران عسكريا. ولكن نشر الوثائق كشف صورة مغايرة للواقع خصوصا في ما يتعلق بموقف كل من السعودية التي دعا ملكها لـ ‘قطع رأس الافعى وعدم الاكتفاء بقطع ذيلها’ والبحرين التي قال ملكها ان الاضرار التي ستنجم عن ضرب المشروع النووي الايراني أقل من مخاطر تركه. هذا التفاوت بين السياسات المعلنة والنوايا المخفية اكد عددا من الامور: التداعي الاخلاقي والسياسي لدى الساسة الذين يحكمون بلدان العالمين العربي والاسلامي، وحالة التناقض المختزنة في نفوس هؤلاء، والتواطؤ مع اعداء الامة لاستهداف مكوناتها، والنفاق السياسي الذي لا يعرف الحدود. ستظل قضية كشف وثائق الخارجية الامريكية من خلال موقع ويكيليكس مادة تحظى بالاهتمام المتواصل لفترة طويلة، خصوصا مع اصرار اصحاب الموقع على الاستمرار في نشر الوثائق بشكل منتظم، وتكرار القول بان ما تم كشفه حتى الآن ليس سوى نسبة قليلة مما وقع بايديهم من هذه الوثائق. وهنا تواجه المواطن العربي المسلم مشكلة التعاطي مع الظاهرة كلها بين ان تكون بريئة، او ان اهلها مدفوعون لما يقومون به باعتبارات ايديولوجية منبعثة من القناعة بفساد المؤسسات الغربية وخطرها على السلام والامن الدوليين، او يكون ذلك كله ناجما عن ‘مؤامرة’ للايقاع بين المسلمين باشعال الفتنة في ما بينهم. الايرانيون قللوا من اهميتها لاعتبارات سياسية ومصلحية، ولكن الاكثر ترجيحا ان اصدار الوثائق عمل جاد مؤسس على قناعات نفسية وفكرية وسياسية بان امن العالم في خطر ما دامت هذه النخب الفاسدة تحكم العالم وتتآمر عليه بعيدا عن الاخلاق والاعتبارات الدينية. وهي بالتالي جرس انذار لليقظة والحذر، والسعي المتواصل للاطلاع على خفايا العالم الدبلوماسي وما ينطوي عليه من تآمر ضد الشعوب من اجل مصلحة الحكام. وليس مستبعدا ن يكون هذا الكشف عود الثقاب الضروري لحركة تصحيح عالمية تؤدي الى تغيير النظام السياسي الحاكم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. لو حدث ذلك لصفق المستضعفون والمظلومون وضحايا الاحتلال والقمع والاستبداد للجندي الامريكي الذي سرب الوثائق والمهدد بالسجن، ولموقع ‘ويكيليكس الذي يواصل نشرها، والذي مورست الضغوط ضده من كل الجوانب خصوصا الجهات المصرفية.’ كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية