هذا هو حال البلاد والعباد نظام سياسي يتجه نحو التفكك والانحلال، ولإخفاء عجزه يكثر من الصراخ والعويل.. فأصبحت بذلك السياسة نياحة بدلا من فن إدارة الاختلاف وقيادة التغيير. وأصبح قادة السياسة مجموعة من الدمى الصينية المزورة ظاهرا في صورة زعماء سياسيين وأصحاب رسالة لكن باطنها في صورة لصوص ومخبرين يبيعون الكذب ويقتاتون من ثمنه.. ولأنها دمى صينية مزورة أصبح الظاهر في صورة لصوص ومخبرين ودجالين.. وطبعا لا يعلم ما في الباطن والسرائر إلا الله الواحد القهار. ولإخفاء الضعف تم اللجوء الى القهر والقمع. كما تغول الفساد فأصبح له عرشه الخاص ونطامه ونواميسه، له أتباع ومماليك ينفذون أوامره ويحكمون بأمره ويتحكمون في رقاب العباد باسمه، ويحمون بالبطش استمراره ويضمنون هيمنته. ولإخفاء هذا الوجه القبيح يعمل النظام الفاسد على الاستعانة بمزينين ذوي مواهب في التزويق والتنميق، وبمزمرين يتقنون فن التضليل والتغرير.. ولم يجد النظام خيرا من قادة بعض الأحزاب والهيئات السياسية يصلحوا لكل شيء إلا للممارسة السياسة وقيادة منظمات سياسية من المفروض أنها تضم بين صفوفها مناضلين وأتباع ذوي رسالة وهدف. لقد فتح نظام الفساد والإفساد خزائن ما سرقه ونهبه من مال الشعب، في وجه كل من قبل الركوع والسجود على أعتاب بوابات الفساد، ولما كان الفقر وحشا مفترسا يدمر إنسانية البشر.. ولما كان الفقر سيدا يسود كثر متملقي النظام، وتوسعت بطانته وازدادت قوته. ولما كان قادة الفساد عبيدا في أصولهم وانتمائهم: فمهما عظم شأنهم وتوطد سلطانهم فهم عبيد لمن أقوى منهم.. عبيد للأجنبي، عبيد لمن يدفع أكثر.. فكان ثمن ما قبضوه بيع البلاد والعباد..وقتل إرادة الأمة ونحرها باسم شعارت التحديث أو مكافحة الإرهاب.. لكن للأسف ليس هناك من إرهابي أو قاتل محترف إلا قادة الفساد والاستبداد.. اعتقلوا الإرادة.. وذبحوا الحلم.. وجعلوا شعوبهم حفاة عراة في وجه عالم يتقدم وينمو. عالم يتقدم وينمو لأن من حكموا في غير بلادنا كانوا من أفضل ثمار بلدانهم، أيديهم بيضاء لم تلوث بدماء أو أموال شعوبهم عاشوا حلم شعوبهم وعملوا على ترجمته ليصبح واقعا ونجحوا حيث فشلنا.. بينما حكامنا الأشاوس ذبحوا وسفهوا أحلامنا لأنهم ببساطة من جنس المحتلين الذين اغتصبوا السلطة واستعمروا الأوطان. لكن لماذا نلوم الفساد ونحاكم الاستبداد؟ أليس شعوبنا هي من سكتت على حالها ورضيت بالظلم سلطانا وبالجور سيدا، واختارت العزلة والصمت والسير على الهامش.. بينما حفنة من الساسة والقادة يزدادون تغولا وتوحشا وافتراسا.. فعندما تختار الشعوب الحياة على الموت فهي اختارت الذل، عندما تفضل السلم على الحرب فهي قبلت بالذل، عندما تنعدم قرابين الحرية يسود الاستبداد ويتقوى. فالحرية ثمنها دم وعرق. والعدل ثمنه دم وعرق. والكرامة ثمنها دم وعرق. نحن أبناء شعوب اختارت السلامة فكان مكانها في أخر الركب.. تمسكت بالحياة فانحدرت إلى مستوى الذواب.. لكن لنقر بأن من حكمونا طيلة عقود أتقنوا قواعد اللعبة وترياق الذل والعبودية.. حببوا لهم طعم الفساد والجهل وقدموه لهم في علب مزخرفة بزخارف الكذب والظلال.. فخضعت الضحية لكبد الجاني.. سلخ لحمها ومص دمها وطحن عظمها وشرد إرادتها واعتقل حلمها. لذلك، لا يسعنا إلا رفع الراية البيضاء لأنه أخيرا نجح الفساد في هزيمة إرادة أمة. د. طارق ليساوي – المغرب