لم يكن جمهورا واحدا
كان ذلك لحما واحدا ولونا واحدا، لكنه لم يكن جمهورا واحدا. بدا حشد الرجال الذين قاموا ازاء أبواب مدرسة ‘بورات يوسف’ الدينية موحدا أمام آلات تصوير التلفاز، لكنه لم يكن موحدا البتة. فقد كان فيه كثير من الشباب الشرقيين الذين تحولوا الى الحريدية، والى جانبهم كثير من الحريديين الغربيين، ومن اللتوانيين بحلل سوداء وقبعات بورسلينو واسعة الأطراف، وكان هناك حسيديون مقدسيون ذوو قبعات صغيرة، وحسيديو غور بقبعاتهم المسطحة، بل كان متطرفون من ‘تولدوت اهارون’ في عباءات سوداء الخطوط. لم يكن الحاخام يوسف حاخامهم ولم يكن شاس حزبهم.
ليس الملل أو حب الاستطلاع وحدهما جعلاهم يحشرون أنفسهم في الجنازة، فقد كان الحاخام عوفاديا يوسف حاخاما مهما وحاخاما كبيرا في نظر حاخاميهم، ومن المهم تكريم الحاخام الكبير. وهذا ما يُفرق الوسط المتدين عن الوسط العلماني لصالح الأول، فهناك احترام. وقد جاءوا من المستوطنات ايضا رغم أنهم يذكرون هناك جيدا أن الحاخام عوفاديا أدى دورا حاسما في الموافقة على اتفاق اوسلو. وجاءوا ايضا من المدارس الاعدادية العسكرية الدينية، وكان هناك جنود قليلون ايضا من ‘شاحر كحول’ و’شاحر يروك’، وهما برنامجا تجنيد للحريديين في الجيش الاسرائيلي، وقد جاءوا بملابسهم العسكرية ولم يوبخهم أحد.
إن المشهد كما صورته الاذاعة يُضلل فلا تطابق بين الجمهور الذي احتشد أمس في تل ابيب وجمهور مصوتي شاس. لأن جزءا من اولئك الذين كانوا هناك لم يصوتوا ولن يصوتوا لشاس أبدا، وفضل جزء من اولئك الذين صوتوا لشاس الجلوس في البيوت والحداد أمام شاشات التلفاز. إن الأعداد التي خرجت من الجنازة مدهشة، لكن ليس من الصحيح أن تترجم الى أعداد سياسية.
حادثت عددا من الشباب هم طلاب في مدرسة ‘زوهر توراة’ الدينية في حي روميما في تل ابيب، وكانوا يلبسون تماما مثل الحريديين اللتوانيين: حلل سوداء وقمصان بيضاء وقبعات بورسلينو، أصروا على اعتمارها بصورة منحرفة، وكانت أطرافها تغطي القفا، وكان الجبين والجبهة مكشوفين. توجد موضة كهذه بين هؤلاء، بل إن بعضهم وجد لذلك تسويغا شرعيا. ‘إنتبه متى توفي الحاخام’، قال أحدهم. ‘في الواحدة والربع بعد الظهر. إن صلاة الظهر في الواحدة تماما. فقد أخّر وفاته كي يستطيع طلاب الحكماء إنهاء الصلاة’.
شعار شاس: ‘اعادة المجد كما كان’
وكان الناس حولنا قد شقوا قمصانهم بعض الشيء، كما يفعل الأقرباء في الجنازات. وحينما بكى الحاخام اسحق يوسف ابن الحاخام عوفاديا بكاء شديدا أمام السماعة، بكى معه رجال من الجمهور. وصلّى آخرون وهم يتحركون الى الوراء والى الأمام والى أعلى والى أسفل. واكتفى من لا يحب الصلوات بهذا الاسلوب الشرقي بقول ‘آمين’.
لست أعلم الكثير عن الفتاوى الشرعية للحاخام عوفاديا، ولا أختلف بهذا عن أكثر مؤبنيه العلمانيين، من الرئيس بيرس فمن دونه الذين بالغوا في الثناء على علمه الشرعي، رغم أنهم لم يقرأوا قط كتبه، لكن العلمانيين ايضا يعرفون إسهامه في السياسة والمجتمع الاسرائيلي.
لولا أن رأيه استقرعلى تأييد اتفاق اوسلو، لكان من المشكوك فيه كثيرا أن يُجاز الاتفاق. ومن جهة اخرى فان الاهانات التي قذف بها العرب، فينة بعد اخرى، حللت تصريحات عنصرية من آخرين. وقد كان باعتباره سياسيا شديد الاندفاع ومتسرعا وغوغائيا. وكلما امتد عمره انطلق لسانه ولم يكن ذلك في مصلحته.
كان انجازه الاجتماعي المهم داخل مجالات وسطه، فقد صد بأعماله اتصال الشباب من أبناء الطوائف الشرقية بالتيار المركزي، واذا شئتم والعلماني الاشكنازي والمجتمع الاسرائيلي. وقد قرّبهم الى تيار مضاد حريدي لتواني. فقد حولهم الى الاشكنازية بطريقة مختلفة.
وقد وُلد شاس بتدبير سياسي للحاخام شاخ، زعيم التيار اللتواني، ومن الحلف الذي عقده مع الحاخام عوفاديا. كان شعار شاس هو ‘اعادة المجد كما كان’ جميلا وفعالا جدا في صناديق الاقتراع، لكن المجد لم يعد الى أي مكان كان فيه يهود الشرق في الماضي، بل عاد الى بولندا مجال السكن اليهودي.
نجح أكثر من اللازم
تاب كثيرون بسببه، ومن المؤكد أن هذا الشيء في نظر جمهوره فضل عظيم. لكن كثيرين انفصلوا عن المسار الذي يضمن ثقافة عامة وعملا وخلاصا من دائرة الفقر. ولم يكن هذا هو قصد الحاخام يوسف، حينما أراد اعادة المجد الى ما كان عليه، لكن هذا هو ما حدث. وقد أدرك قادة شاس أن التحول الشامل الى الحريدية كارثة، لكن صعب عليهم جدا أن يُصلحوا، أو بعبارة اخرى: نجح الحاخام عوفاديا أكثر من اللازم.
إن وفاته تجعل وجود شاس في امتحان غير سهل. إن الابن يرث لقب السيد المعلم من والده عند الحسيديين الغربيين، كما هي الحال في نظم الحكم الملكية. وقد نجح بلاطان حسيديان في البقاء، رغم أنه لا يوجد عندهما سيد معلم حي، وهما حفاد وبرسليف. لكن شاس يختلف عنهما معا، فهو قبل كل شيء حزب سياسي مع التوترات الداخلية التي تميز الحزب، ومع الأملاك التي جمعتها والجهاز الذي انشأته، ولم يكن الحاخام يوسف فيها المفتي الأعلى فقط، بل كان الشعار الأعلى.
إن علامة سؤال كبيرة تقوم فوق منزلة عائلة يوسف في مستقبل شاس، ومنزلة الأبناء ومنزلة زوجة الابن يهوديت يوسف ذات التأثير الكبير؛ وإن علامة سؤال كبيرة تقوم فوق قدرة قيادتها العليا على العمل معا، من دون الرابط الموحِّد الذي كانت تعطيه شخصية الحاخام، ومن دون الخوف من غضبه وأحكامه. سنعلم بعد أن يقوم حزب شاس من ايام الحداد السبعة، هل هو قادر على أن يقوم وحده من دون أبيه.
يديعوت 8/10/2013