يؤكد أن الفنان المصري يعاني وأن الذوق العام أصيب بالتدني

حجم الخط
0

الفنان التشكيلي رضا عبدالسلام: لا استطيع رفض الآخر لانه موجود في مخزوني.. وما بعد الحداثة تسعي لاسقاط الرمز المحلي!

القاهرة ـ “القدس العربي” ـ من محمود قرني:

الفنان رضا عبدالسلام واحد من التشكيليين المصريين البارزين كان آخر معارضه بقاعة بيكاسو تحت عنوان مراكب 3 وهو المعرض الثالث في هذه السلسلة، هذا بالإضافة إلي أعماله التجريبية التي ميزت تجربته الفنية في جملتها.

وهو في نفس الوقت أستاذ التصوير بكلية الفنون الجميلة بالقاهرة وكذلك واحد من الرعيل السبعيني المتأخر في الحركة التشكيلية المصرية التي لا تكف عن العطاء، بزخمها وأطروحاتها الإبداعية والنظرية، وإن تناقضت وتباعدت المسافات بينها وهو ما يثري ـ في نفس الوقت الحوار الدائم والدائب بين التيارات المتجاورة والمتحاورة داخل هذا الزخم، ويأتي معرض رضا عبدالسلام في إطار هذا الزخم والاندماج والفوران الذي يعبر عن تاريخية التجربة الفنية لديه.

والفنان من مواليد السويس 1947، وأقام حتي الآن حوالي ثلاثين معرضا خاصا في مصر والخارج وشارك في العديد من المعارض المحلية والدولية، كما سافر عارضا وقوميسيرا لمصر في كل من يوغوسلافيا عام 1981، وسويسرا 87، تركيا 89، أسبانيا 93، لندن 94، روما 95، ساوباولو 96، الهند 2000، روما 2003، والدول العربية بيروت، الكويت، العراق، سورية، والعـــديد من الدول الأخري.

كما ساهم عبدالسلام في العديد من الأبحاث العلمية في مجال الفن التشكيلي في المعارض القومية والبنياليات الدولية، وكذلك ألقي العديد من المحاضرات حول الفن والفنانين وله دراسات فنية حول أعمال الفنانين محمود سعيد، محمد الشعراوي، رؤوف رأفت، زكريا الزيني، منير كنعان وغيرهم.

كما صدر له كتابان هما الرسم المصري المعاصر، و الرسوم التحضيرية وعلاقتها بلوحات الفنان مصطفي أحمد، وله كتاب تحت الطبع عن الفنان شوقي زغلول.

حول مفردات عالم رضا عبدالسلام لا سيما معرضه مراكب 3 تحدثنا معه.

وهنا نص الحوار: في بداية حديثنا أشرت إلي ما يسمي بفن المنظر ارجو أن تحدثني عن ذلك أولا ثم عن علاقة ذلك بمفردة المراكب كتشكيل أساسي لديك؟ في أواخر الثمانينات كنت قد شرعت في رسم مجموعة من المناظر بالألوان المائية والغواش لمشاهد قوارب الصيد الراسية فوق المياه الضحلة بالقرب من شاطئ خليج السويس والأنفوشي بالإسكندرية، وبعد أن انتهيت منها حفظتها بين رسوماتي العديدة في مرسمي ونسيتها وبعد ثلاث سنوات تقريبا عرضتها علي استحياء في مجمع الفنون بالزمالك عام 1991 بعنوان مراكب 1 وخلال فترة العرض لاقت اللوحات الـ14 استحسانا من قبل الجمهور وبعض الفنانين والنقاد وهو ما كان غير متوقع بالنسبة لي، حيث أن هذا النوع من الموضوعات التقليدية لفن المنظر لم يكن يمثل اهتماما خاصا بالنسبة لإبداعاتي في ذلك الوقت حيث كان اهتمامي ينصب علي معالجة موضوعات تستمد أفكارها وإيماءاتها من الحياة المدنية والحرب ونزوات العاطفة. تحدثت عن المنظر بالنسبة لك ولكن المنظر كقيــــمة فنية تاريخــــية ماذا يعــني لديك؟ المنظر فن قديم يرجع إلي الفنان المصري منذ العصر الفرعوني وهو يعبر في مضمونه عن المشاهد المفتوحة علي الطبيعة، وهذه الطبيعة ذات مستويات يمكن أن تمتد إلي ما لا نهاية، وتحت هذا المفهوم أصبحت هناك تصورات لفن المنظر، فقد يكون مغلقا إذا كان لبيت أو لأثر أو لمكان ضيق، وقد يكون مفتوحا علي الفراغ كما أشرت، وأنا بشكل عام أعشق المنظر الخلوي المفتوح علي البحر، وإن كان بحرا يختلف تماما عن حسن سليمان وبحاره المتعددة، فأنا لدي البحر مختلف وينحصر في القارب والبحر ذاته والإنسان وهي ثلاثة عناصر تشكل القيمة الرئيسية لموضوع اللوحة وإن كان الإنسان يحتل موقع الصدارة في اللوحة، وهناك مناطق معالجة تلعب علي هارمونية اللون، وأنا في هذا المعرض أحب التوحش والتنوير وأحب الطاقة والمركز، لذلك يبدو البحر ـ كما أشرت ـ بحرا متوحشا. هل كان لمولدك في مدينة السويس علاقة مباشرة بتوحش البحر ومفرداته؟ هذا صحيح دون شك، لكن هذه التجارب الجمالية المبكرة لم أشأ التعبير عنها إلا فيما بعد، حين التحقت بكلية الفنون الجميلة وتعلمت مهارات فن الرسم والتصوير وأصبحت قادرا علي التعبير بهما عن الموضوعات المختلفة، عندئذ أدركت بوضوح حقيقة الجمارك في الطبيعة وأقصد الحقيقة الداخلية التـــي تـــظهر تحت شفافية الشكل كالنــظام والطاقة والدقة والتماثل والتوافق وثراء العناصر وتنوعها والبساطة والتعقيد والصفاء والبدائية وشراكة الإنسان للطبيعة وهيمنتها بلا حدود. هل هذا هو دافعك إلي أن تصل إلي المعرض رقم (3) للمراكب والبحر والإنسان فقط؟ نعم، هذا هو ما ابتغيته لكنني مع المراكب استخدمت الألوان الزيتية علي أسطح الكارتون وبصياغة مختلفة بشكل ما من حيث الألوان والتكوينات، ومنحت الإنسان الصياد اهتماما خاصا، في وصفات وحالات زمنية مختلفة، وذلك يمثل لي ركيزة أساسية في عدد من اللوحات، وفي الوقت نفسه يتقاسم دوره مع باقي عناصر الأشكال البحرية من قوارب صيد السمك الصغيرة والبحر بامتداداته اللا نهائية ليشكلوا معا تلك المشاهد البحرية التي طالما استهوتني في قالب جمالي متوازن ومتناغم يتسم بالبساطة والفتنة والدفء الإنساني، أما عن دوافعي للعودة الي الطبيعة وتمثيلها علي نحو ما، فهي لم تكن قط من قبيل الحنين إليها أو من أجل احتياج السوق وإرضاء بعض الأذواق العامة أو إشباع رغبة عندي، إنما من أجل تخصيب الرؤية واكتشاف أشكال جديدة وموضوعات جديدة وفتح آفاق التجربة الإبداعية علي اتساعها وتمديدها علي نحو غير نمطي ليظل هناك دوما حافز قوي علي الإبداع. قبل أن نبدأ حوارنا أشرت إلي أنك لا تضاف إلي موجة الطبيــــعيين، ولكنك محسوب علي التيار ما بعد الحداثي، ماذا تشكل لك فكرة ما بعد الحداثة علي مستوي التشكيل؟ ما بعد الحداثة في الفن التشكيلي تعني إسقاط المدلول المحــــلي للرمز وتدويله هذا أولا، أما ثانيا فهي تعني الوصول بسطح اللوحة إلي القبول بصياغة العديد من التصورات والتقنيات وبأكثر من أسلوب للتعبير.

وهو ما يعني أن العمل الفني يمكن أن تجربه المدارس المختلفة الكلاسيكية والتعبيرية والرمزية والسريالية، وأصبح هناك تزاوج بين الأضداد.

هناك تزاوج بين قمة المدرس والإبداعي، وكذلك مع امكانية استخدام الوسائط المتعددة مثل الأكريلك والزيت بغرض إضافة بعد جمالي غير مألوف، وهو ما يعني إعادة الرؤية وفق منطق خاص قابل للجدل، ولذلك فإن فن ما بعد الحداثة شكل صدمة للناس لأنه بعد أن كان الرمز مقروءا ومألوفا ويمكن التعرف عليه، صار صعبا أو شبه مستحيل تفسيره، الحداثة أصبحت تقبل العديد من الصياغات والتقنيات المختلفة فضلا عن انها تتميز بمساحة عريضة من التجريب والغرابة أيضا، إلا أن ذلك ـ في رأيي ـ أمر طبيعي وحيوي لأي مبدع بصرف النظر عن قابلية المتلقي من الجمهور العام له، لأن هذه الإشكالية تلائم إيقاع الحياة المعاصرة، سريعة التبدل والتغير، وهذا يسري علي كل الفنون وأنا أري أن هذه الظاهرة صحية جدا بحكم هيمنة ثقافة الغرب المتمثلة في أمريكا والشمال الأوروبي. أرجو الاستطراد قليلا في توضيح معني أن هذه الظاهرة صحية جدا بحكم هيمنة الثقافة الأمريكية والشمال الأوروبي؟ أعني بذلك أنك لا يمكنك أن تعيش بمعزل عن إبداع أو منتج الآخر، ولا تقنيته العلمية المتمثلة في التكنولوجيا، وأنت لا تستطيع الإفلات من كثافة المعلومات والعالم تم تصغيره واختصاره نتيجة لهذه التكنولوجيا، العالم الآن يبحث عن لغة واحدة ليتحدث بها والفن أيضا أهم لغة حية. لكن هل ما ينطبق علي التكنولوجيا بمفهومها المجرد واللا إنساني، هو نفسه ما ينطبق علي الفن؟ أنا قلت بالضبط أن التواصل شيء صحي، ولا بد أن نقوم بتنويع مصادر بحثنا، لأن ذلك يخصب الرؤية، لكن إلي جانب هذا فأنا لم أسقط من حساباتي أهمية التركيز أو البحث في مصادر الإلهام الأولي، البيئية والثقافية، وهذه لا جدال فيها، أنا الآن لا أستطيع رفض ثقافة الآخر، لأنه من خلال ثقافة الآخر المتطور سوف نستطيع رفد مخزوننا الثقافي الموغل في القدم والعراقة والسحر. حدثني عن حال التشكيل في مصر الآن وحال التشكيليين في اللحظة الراهنة؟ الفنان المصري عموما والتشكيلي خاصة من أبناء الحزن والألم والمعاناة، هذا قدر، وأنا أعتقد ـ في ظل هذه الظروف ـ أن ذلك سيظل أحد الحوافز المهمة للعملية الإبداعية، فضلا عن أن هناك تدنيا في الذوق العام بالنسبة لجمهور المتلقين، والمبدع المصري يعاني من منافذ عرض أعماله، ونحن نعاني من هذا كله، فهناك سوق تصدير وتقديم المنتج الإبداعي وهناك كوارث في التقدير المادي له.

ونحن دخلنا في منطقة الاستهلاك، وبالتالي فقد شهد المناخ العام تغيرا في النمط، وكذلك تغــــير تقدير عامة الناس للفن، وحتي لا أكون مغرقا في تشاؤمي، ألاحظ أن هناك إصــــرارا من المبدعين الجادين قد تجاوزوا هـــذه العثرات، وأظن أن الإنصاف سوف يحدث مهما كانت الظروف.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية