الناصرة- “القدس العربي”: أفضت نتائج انتخابات الكنيست الخامسة والعشرون إلى انتخاب عشرة نواب عرب نصفهم لـ “القائمة العربية الموحدة” برئاسة منصور عباس (190 ألف صوت)، ونصفهم الآخر يتبع لـ “تحالف الجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة” مع “العربية للتغيير” برئاسة أيمن عودة وأحمد الطيبي (160 ألف صوت). ومن ضمن العشرة نواب عرب هناك ثلاثة نواب جدد كافتهم ينتمون للعرب البدو، اثنان منهم من النقب (وليد الهواشلة من “الموحدة”، ويوسف العطاونة من تحالف الجبهة/التغيير) وياسر حجيرات من الجليل (الموحدة)، من البير المكسور، وهي قرية من قضاء الناصرة كانت قد تكوّنت كمجمع سكاني في مطلع القرن العشرين، بعدما كانت مراعي لقبيلة الحجيرات التي أقامت في منطقة الظهرات الجبلية المجاورة، وقد عرفت بمشاركة بعض أبنائها في العمل الوطني الفلسطيني منذ الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936، والتي وجدت ملجأ لدى أهلها خاصة أنها في قمة جبل الديدبة.
في واحدة من زيارات وفود فلسطينيي الداخل لغزة، عقب توقيع اتفاق أوسلو عام 1993، كان الأديب محمد علي طه قد استعرض أعضاء الوفد وقام بتسميتهم وتعريفهم على مسامع الراحل ياسر عرفات (أبو عمّار)، وعندما قال: هذا عبد الرحمن حجيرات من قرية البير المكسور، استوقفه أبو عمار بلكنته المصرية مازحاً: أيه داه البير المكسور؟ من “النهار دا” حتكون البير المعكور. ضحك محمد علي طه، وقال للرئيس أبو عمار: البير المكسور بالصاد لا بالسين، حيث كانت هناك بئر جدرانها الداخلية مقصورة من فترة الرومان وسميت القرية باسمها. أبو عمار ضحك هو الآخر مصممّاً على مقترحه: من النهار دا ستكون البير المعمور”.
ولد ياسر حجيرات في قرية بير المكسور عام 1965 لأبوين أمييّن، توفي والده محمود حجيرات جراء حادثة سير وهو في الحادية عشرة من عمره، فيما كانت والدته فاطمة دون الثلاثين سنة من عمرها، فتكفّلت مواصلة تدبير شؤون الأسرة وشجعت بكرها ياسر على التعلم، حتى أعلى المراتب، ربما عوضاً عن أميتّها هي.

تعلم في المرحلة الابتدائية في قرية البير المكسور، ومنها انتقل لمدينة شفا عمرو، وأنهى دراسته في المرحلة الثانوية، وهو اليوم متزوج وأب لستة أولاد. وفي الجامعة العبرية في القدس أنهى حجيرات الماجستير في الكيمياء الحيوية، وحاز على الدكتوراة في الهندسة الوراثية، وحاز على درجة البوست دكتوراة في المعهد الملكي لأبحاث السرطان في لندن. عاد من بريطانيا، وأسس مختبراً للوراثة الجزيئية في مستشفى العفولة، وهو مختبر متخصص بالحمض النووي، وأداره طيلة 11 عاماً، حتى 2008. في العام المذكور انتخب رئيسا للسلطة المحلية في البير المكسور، وبعد خمس سنوات تولى إدارة شركة “الفنار” التي بنت مراكز ريان في البلدات العربية بهدف توفير مصادر عمل للشباب العرب. في 2018 ترشح لرئاسة السلطة المحلية في بلدته مجدداً ولم يحالفه الحظ، فعاد للعمل في المختبرات العلمية، وتولى إدارة مديرية الأبحاث في مستشفى صفد.
كان حجيرات قد انتمى للحركة الإسلامية داخل أراضي 48، وابتدأت مسيرته كلاعب كرة قدم في الدور الإسلامي، وبعد انقسامها إلى شقين شمالي وجنوبي، عام 1996، انضم حجيرات للشق الجنوبي، ونشط منذ 2013 فيها سياسيا حيث رشح نفسه للمكتب السياسي. في انتخابات الكنيست الـ 18 كان المرشح الثامن في لائحة “القائمة العربية الموحدة”، وفي الانتخابات الأخيرة فاز بمقعد برلماني عن “الموحدة”، التي ترشح ضمنها في المكان الخامس.
ورداً على سؤال، قال إن قضية تفشي العنف والجريمة تشغله كثيراً، لكنه سيهتم أيضا في الحكم المحلي العربي، خاصة الخرائط الهيكلية الخاصة بالبلدات العربية، وبقسائم البناء، آملاً المساهمة في تسوية أزمة السكن وتوفير الحق بالمأوى للشباب العرب. موضحاً أنه سيهتم بموضوع حقوق الطواقم الطبية، لافتا لاطلاعه على مشاكل الجهاز الطبي في البلاد بفضل عمله السابق، وتابع: “كما سأهتم بشكل خاص بصناديق المرضى العرب الخالية من مديرين عرب في الوظائف العليا، كمديري الألوية المخصصّة حتى الآن للعرب، وكل ذلك بدون شعارات وأداء استعراضي”.
وردا على سؤال “القدس العربي”، قال حجيرات إنه لجانب القضايا الاقتصادية الاجتماعية سيدعم السلام بين إسرائيل وبين الشعب الفلسطيني، وتابع: “نحن معنيون بتسوية الصراع، ولا بد من إنهاء الاحتلال، وهو منبع الشر والمشاكل والعمليات موجودة في الطرفين، ووظيفتنا أن نحاول الدفع للأمام في هذا الاتجاه، وإن كنا هذه المرة نتجه على ما يبدو أن نكون في المعارضة، بيد أننا سنكون حيث يكون مجتمعنا العربي”.
وردا على سؤال آخر حول حساسية المشاركة في طقوس أداء يمين الولاء، قال إنها لحظة حساسة، لكنها ليست حرجة، ولا يشعر بالحرج الشديد لكونها مسألة إجرائية، وجزءاً من المشاركة في اللعبة والبرلمانية الإسرائيلية.
يشار إلى أن رئيس الكنيست يردد في مثل هذه الطقوس الرمزية مقولة: “أتعهد بالولاء لدولة إسرائيل، والقيام بمهمتي في الكنيست بأمانة”، فيرّدد كل واحد من النواب ممن يذكرون بأسمائهم تباعاً: “نعم أتعهد”. يذكر أن النائب السابق سامي أبو شحادة قد قال عند أدائه اليمين في 2021: “أتعهد بالولاء لإسرائيل كدولة كل مواطنيها”. وهكذا النائب أيمن عودة فقد أضاف: “إسرائيل التي تتساوى فيها الحقوق والعدالة تتم للجميع”، لكن الكنيست رفضت قسمهما، ولاحقاً أجبر كل منهما، على انفراد، ترداد النص الأصلي المطلوب.
وأضاف حجيرات في هذا المضمار: “نحن ذاهبون للبرلمان الإسرائيلي، ولا بد من موازنات نقوم بها، وهناك قوانين للعبة البرلمانية الإسرائيلية، وعندما نشارك فيها فعلينا احترام قوانينها، وكل ذلك في سبيل خدمة مجتمعنا، وينبغي أن تكون أقدامنا على الأرض وشعاراتنا ليست عالية، ومن يرى غير ذلك فليناضل من خارج البرلمان. أنا شخصيا لست ذاهبا بحثا عن وجاهة، ولا عن معاشات، فعندي شركة خاصة، ولي منها مدخول يكفيني وزيادة”.
واصطحب ياسر حجيرات والدته وزوجته واثنين من أولاده إلى الكنيست في أول يوم يدخل مقر البرلمان الإسرائيلي.
“لا شك أن هناك بعض الأمور تحتاج لتصحيح من ناحية المصطلحات والتوجهات والتصريحات لتكون أكثر حذراً وخطابا وحدويا”.
يشار إلى أن الفلسطينيين البدو في الشمال يعدّون نحو 110 آلاف نسمة، وحازت “الموحدة” على نحو 35 ألف صوت منهم، وهذه المرة الأولى التي تصّوت القرى البدوية في الجليل لقائمة عربية بهذا الكم الكبير من الأصوات، وهناك مراقبون كثر ينظرون بعين الرضا لكون النواب العرب الثلاثة من العرب البدو، فذلك يساهم في تعزيز اللحمة الداخلية ومجابهة مخطّطات إسرائيلية خبيثة للتفرقة ودق الأسافين استمرارا لمساعي تجنيد البدو في جيشها. وهناك سبعة مجالس محلية عربية بدوية في الجليل، وهناك قرى بدوية أخرى ضمن ما يعرف بـ “المجالس الإقليمية”، ما يعني أن هناك نحو 20 قرية عربية بدوية في الجليل، بعدما تم تدمير عشرات منها في نكبة 1948.