ياسر عرفات

شغل الناس حيا وميتا. وفي الذكرى التاسعة لرحيله الدرامي، جاء الدليل العلمي الدامغ أنه مات مسموما ليكون بداية طريق طويلة للحصول على إدانة قانونية للفاعل، حتى وإن كانت الإدانة السياسية واضحة والمتهم معروفا.
ترك وراءه فراغا مهولا لم يتمكن لا شخص ولا فصيل من ملئه حتى الآن. كان من طينة أولئك الذين يتركون بصمتهم لعقود طويلة عند محبيهم وكارهيهم على حد سواء. حتى أولئك الذين روجوا على أنه كان عقبة أمام التوصل إلى تسوية مع الإسرائيليين لم يفلحوا في تقديم ما يبرر استمرار نفس المأزق سوى القول أحيانا إن خليفته، محمود عباس، لا يختلف جوهريا عنه في النهاية من حيث ما يمكن أن يقبل به أو ما يرفض.
هنا بالتحديد نستحضر ما قاله الشاعر الكبير الراحل محمود درويش في أربعينية عرفـــات من أننا ‘سنفتقده دائماً، في الأزمات وفي المفاوضات، وفي جميع نواحي حياتنا، لأنه جزء عضوي منها، ولأنه فريد وبلا مدرسة. فالعرفاتية لا تقوم إلاّ على صاحبها، لأنها موهبة خاصة، حيوية وألفة ونشاط خارق، ومزايا شخصية لا تُورث، وفوضى ونظام معاً، وعلاقات حميمة مع الناس جعلت الكاريزما العرفاتية ما هي عليه. بعد عرفات لن نعثر على عرفاتية جديدة. لقد أَغلق الباب على مرحلة كاملة من مراحل حياتنا الداخلية. لكن الباب لن ينفتح، بغيابه، على قبول الشروط الإسرائيلية التعجيزية لتسوية لم يبق للفلسطينيين ما يتنازلون عنه. هنا، تواصل العرفاتية فعلها. وهنا، لا يكون عرفات فرداً، بل هو تعبير عن روح شعب حيّ’.
وكما قال الكاتب اليهودي الفرنسي الراحل أمنون كابليوك، مفجر فضيحة صبرا وشاتيلا، والشهير بكتاباته المتعاطفة مع الفلسطينيين في جريدة ‘لوموند’، فإن ما ميز بقاء عرفات السياسي لعقود زعيما للحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة بلا منافس، هو براغماتيته التي برع فيها منذ أيام نشاطه الجامعي في القاهرة عام 1948.
وبهذه البراغماتية، القائمة على غياب الإيديولوجية الصارمة وإكراهاتها القاهرة، كما يقول كابليوك في كتابه ‘عرفات الذي لا يمكن إقتلاعه’ (2004)، تمكن أبو عمار من الصمود لسنوات وتحقيق إجماع شعبي على مجمل قضايا لم يكن قاطعا في الجزم بكل تفاصيلها الدقيقة.
و مع ذلك فإن ‘عرفات كما هو بما يعجبنا أو لا يعجبنا هو رجل مميز…وممتلئ بالمعاني والأبعاد’ كما وصفه نبيل عمرو في كتابه ‘ وجنون الجغرافيا’ (2012)، لم يستطع أن يوفق في علاقته مع الأمريكيين الذين بدورهم لم يقدروا فرصة أن يكون أمامهم قائد بحجمه لعقد تسوية تاريخية غير ظالمة، بمعايير القانون الدولي على الأقل، ومن هنا ‘تحول الحلم الأمريكي الذي داعب مخيلة عرفات ورهاناته إلى كابوس، وبكل المقاييس السياسية والأخلاقية وحتى البراغماتية، فإن الإدارة الأمريكية للأزمات الفلسطينية الإسرائيلية أودت بظاهرة عرفات، فخسر الرهانُ على السلام حصانا كان يمتلك مؤهلات كافية للفوز لو أحسن الأمريكيون والإسرائيليون استثماره والتعاطي معه بقليل من الصبر والتحمل وبعض الكرم في المنح بدل المغالاة في المنع’ كما يضيف نبيل عمرو في كتابه.
وكما كتب بسام أبو شريف أحد أقرب مستشاريه في فترة من الفترات في كتابه ” (2008) فإن عرفات ‘رجل شجاع عندما تتطلب الظروف شجاعة تصل حد المغامرة، وحكيم إذا تطلب الأمر حكمة ومرونة حين تشتد العاصفة (…) جدلي في تفكيره، ويربط عوامل صنع الوضع السياسي ربطا جدليا، مكنه من قيادة الفلسطينيين عبر المحن وتحت وطأة القصف التدميري، ومحاولة تهشيم ما بناه هذا الشعب من مؤسسات، إلى شاطىء الدولة المستقلة’.
محزن أن السياسيين الذين تركهم عرفات وراءه انشغلوا برمي بعضهم برمال هذا الشاطىء حتى قبل أن تبتل أقدامهم،على الأقل، ببعض مياهه!!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية