ياسين النصير.. صانع الخطابات: مقترح قرائي للأمكنة بوصفها نصوصا ثقافية

حجم الخط
0

علي حسن الفوازلم يعد النقد فاعلية مجردة لكشف المعنى او الاحتيال عليه، او تعرية مستوياته النفسية او الابلاغية من خلال تعرية فاعلية الذات القارئة، او ادراجها في لعبة افتراضية للشرح والتفسير، بل اصبح هذا النقد عابرا للشرط اللساني، مثلما اصبح نوعا اخر من (القراءات الكبرى) الكاشفة والمؤولة والباعثة على تخليق متواصل لمعان مضافة، او معان متخيلة، او اقتراح موجهات لتلك القراءات بوصفها (استراتيجيات) لمعاينة النصوص والافكار والنظريات، بكل ما يمكن ان تثيره من جدل داخلي، وعصف ذهني، حيث استحضار فكرة المعنى المخفي عند الناقد صانع الخطابات.

ياسين النصير واحد من اكثر صنّاع الخطابات انشغالا بالمعنى المخفي، او المعنى الذي يقترن بماهو ثقافي- معرفي اوتاريخي او اسلوبي- اذ يسعى عبر انشغاله بعلامات هذا الثقافي وشفراته وجدله واحالاته الى الكشف عن التحقق في جوهر القيمة الانسانية لهذا الانشغال عبر تمظهرات الدلالة في المكان والجسد والجملة اولا، وكذلك اعطاء دور اسنادي لهذا الثقافي في مرجعيات اللغة ثانيا بوصف اللغة مجالا استكشافيا مفتوحا يحيل النص والمكان الى التأويل والمتخيل والازاحي، والذي يجعل مفهوم الثقافي-منظورا ونقدا- من اكثر المفاهيم تعبيرا عن انشغالات الناقد في فحص ومراجعة علاقة الكائن الثقافي بالمكان واللغة، اذ يتمثل قوة هذا الكائن في تلمس (شحنات) المكان كما يسميها النصير، وكذلك تلمس (شحنات) الكائن الصانع وهو يمارس انتقاله بين التوصلات المعرفية واللغوية، والكشف عن ممكناتها ورمزيتها الماكثة في الظواهر، وفي شفرات الامكنة-الفضائية، والمناطقية والمواقعية كما يصنفها النصير، في صورها المتحولة والمشحونة، وفي قوتها الحمائية والصيانية، والتي تيسّر فاعلية القراءة الباعثة على استكشاف المزيد من المخفي والسري في اللغة الشعرية والسردية، اللغة هنا بوصفها سياقا وليست كلمات. او اللغة بوصفها غابة من (الاستعارات القريبة جدا من اعماق وجودنا الرمزية-استعارات تدين باسبقيتها في الكشف عما هي عليه الاشياء، الى انتظامها في شبكة ومستويات متدرجة)بول ريكور/نظرية التأويل/الخطاب وفائض المعنى/ترجمة سعيد الغانمي/المركز الثقافي العربي/الدار البيضاء-المغرب2003اشتغالات النصير بالمكان- العراقي والعربي- بوصفه فضاء دلاليا، ومكونا سرديا، لها مقارباتها المفتوحة ازاء النص وازاء التاريخ، وازاء الجملة الثقافية التي تمثل البنية الاستعمالية للمقاربة في كتابات النصير، والتي تنطلق بدءا من احالات لسانية، ومن مستوى عميق لفاعلية تلك الجملة، لمساكنة الـ(شحنات) التي تدفع باتجاه وضع هذه الاحالات بدلالتها الرمزية، وبوظيفتها الاجرائية كاركولوجيا مضنية تغور في تعالقات المعاني والدلالات، والانكشاف على وظائفها في السياق الذي تقترحه القراءة وليس خارجه، خاصة تلك الوظائف التي تتحول الى خبرة بالعالم والاشياء، والتي ندركها بواسطة الجهاز المفهومي للغة، تلك تربط الكائن بوجوده على الطريقة الهيدغرية، والتي تربطه ايضا بالطريقة الباختينية بوصف الناقد عابر للغة، اذ يجد الناقد في هذه اللغة مجاله الوظيفي والتعويضي للكشف عن فضاءاته التعبيرية التي تتمثل وجود كائنه الافتراضي والمعاني المخفية لكينونته، مثلما يجدها مجالا سيميائيا قابلا للاستعمال كنوع من الرد الظاهراتي والذي قد يكون ردا متعاليا او ردا ماهويا، وفي سياق يتعين عليها ان تكون اللغة في جملتها الثقافية ذات حمولات متلبسة بالمعنى القابل للتحول، والقابل ان يختزل سيمياءاته لتكون افكارا قائمة على التحويل ايضا، وخطابات لها فاعلية الكشف، مثلما هو وضعها في سياق يتمثل لاشكالية وضع اللغة كوجود للكائن كما يرى هيدغر، او كاحالة لها شروطها الانطولوجية التي تسوّغ وجودها الموضوعي من جهة، ووجودها التوليدي المحشو بالتخيل من جهة اخرى، اذ يضع صانع الخطابات هذه التصورات في سياق اشتغالاته الثقافية التي يربطها بفكرة توظيف الشفرات الامكنة بوصفها رموزا وتأويلات واحالات الى خطابات في الادب والثقافة وليس بوصفها الفلسفي المجزوء من ظاهراتية باشلار، رغم ان النصير يضع التوظيف الظاهراتي الهوسرلي في سياق الكثير من اشتغالاته النقدية، التي تقوم على استعادة الظاهرة الثقافية بوصفها جملة لسانية، حاضنة لمعان، وشفرات، ولوسائل اسنادية في توصيف النقد الظاهراتي بوصفه فعلا استعاديا للفكرة عبر الوعي، وبما يجعل هذا الوعي مرتبطا بمجالات تنطوي عبر قصدية محددة، وباتجاه ان تكون ادوات نقدية فاعلة للكشف عن محمولات النصوص والافكار والجمل.. لقد اشار الناقد ياسين النصير الى ان تلك النصوص التي يصنعها صانع خطابات المكان لاتقدم وعيا زائفا للعالم الذي يحوطها، بقدر ما انها تقترح رؤى مفتوحة لهذا العالم، وهذه الرؤى تعبر عن فاعلية القراءة الظاهراتية للعالم، تلك القراءة التي تنكشف على افاق واسعة، وعلى ادراكات وظائفية لماهو معطى، ولما هو منتم للخبرة الجمالية التي يصنعها وعي القارىء بوصفه وعيا تصنعه الكلمات في سياق تركيبها كجمل، والتي تتحول في سياقها الوظائفي الى جمل لها فعاليات تعبيرية ودلالية، وهذه الجمل ذاتها تنقسم الى ثلاثة مستويات كما يراها الناقد ياسين النصير وهي.1. الجملة النحوية، وهي الجملة التي تدخل في سياق الجانب الاخباري والاستعمالي، وفي سياق الدرس التوصيلي الذي تقوم به الرسالة والخطاب التي تعتمد المنطق النحوي الى الجمهور المستهدف، الباحث عن المعنى والاشباع، مثل جمهور طلاب المدارس، او مشاهدي وسائل الاعلام، والبرامج الترفيهية.2. الجملة الادبية، وهي الجملة التي تستخدم وظائف البنية الادبية في سياقها التركيبي والصوري والبلاغي القائم على الاستعارة والبيان والمجاز والمعنى، والذي كرسته انماط البنى الادبية في التاريخ الشعري والسردي.3. الجملة الثقافية، وهي الجملة الاكثر اثارة وغموضا، والاكثر انشغالا بوعي الناقد التأويلي، واستقراءاته الباحثة عن تعالق هذا الوعي مع(الظواهر الخالصة التي تبدو في الشعور، وتكون مجالا للادراك الحدسي، باعتبار ان هذه الظواهر هي الماهيات الحية التي تمثل حقيقة الاشياء ذاتها)الفينونيولوجيا عند هوسرل/سماح رافع محمد/دار الشؤون الثقافية العامة/بغداد/1991ص144 فضلا عن ان هذه الجملة هي محموله الاجرائي المسكون بمنظومة من الرموز والشفرات والدلالات التي تجسيد وعي الكاتب/الباحث ازاء العالم والتفاصيل واللغة، لانها تجسد خبرته الظاهراتية، وانشغالات وعيه بالصور والافكار وطرائق سردهما للتاريخ والوقائع. واحسب ان هذه الجملة التي دأب النصير على توظيفها هو جوهر خطابه، وهي لعبته الاسلوبية، مثلما هي جملته المسلحة التي تشاغب وتكشف، وهي كذلك جوهر تبئيراته التي ترصد العالم وهو يفكر باللغة، ويساكنه باعتبارها محتوى تفكيره على الطريقة الهيدغرية.

ياسين النصير والعالم الذي يخصه.. احسب ان الناقد النصير لم يعد معنيا باعادة قراءة فكرة الاشياء الغائبة، ولااظنه يوظف طرائق بروب لتوظيف ثيمة البحث عن المكان الغائب بوصفه المكان السحري او المقدس، او بوصفه التعبير عن شفرة الاشباع، اوحتى بحثه عن الهامشي والمقصي بمعناهما النفسي النكوصي، لان الهامشي اضحى هو مجاله عمله الثقافي الذي تتجوهر فيه الفكرة المتعالية للمكان، والذي قاد النصير للبحث عن مستويات عميقة لهذا الهامشي، من خلال تمثل وجوده الاستيهامي والتعبيري في اشتغالاته السردية، عبر الكشف عن التفاصيل الصغيرة في بنيتي المكان والنص، او الخطاب السري، ومايستكنهه من الشفرات السياسية او حتى الايديولوجية والارتكاسية، والتي يمكن ان يستعيدها عبر وعيه القصدي بصفتها خبرة معاشة في الوجود او اللغة، لذا تبدو اجراءاته الاخيرة ازاء النصوص والافكار والوجوه والامكنة مأخوذة بكشوفات هذه الوعي، ووظائفية شفراته التي تقترح دائما قراءات مفتوحة، تلك القراءات الكبرى التي يمكنها ان تناظر السرديات الكبرى التي اقترنت بالحداثة، واستدعتها بالمقابل لمواجهة اقدار افتراضية لوظائف وجودية للثقافي ازاء السياسي والديني والشعبوي، اذ يجد ياسين النصير في افكار ليوتار نوعا ايهاميا من (التعايش) مع افتراضات مابعد الحداثة، تلك التي تدفعه الى التلذذ بهاجس وجودي اخر، غير معني بالكليات، قدر انوجاده بالتفاصيل والاسرار، بدءا من سرية الجسد ويومياته واعترافاته ولذائذه بالهامش والرائحة والرسالة والوجوه والعلامات والازياء والاعلانات والبغايا والاغنيات، وانتهاء بسرائر اللغة التي تنتهك المقدس الى مايشبه الخطيئة، وتنتهك التاريخي الى اليومي، وتنتهك المكان العمومي الى المكان الخصوصي بادق تفاصيله وتخيلاته وسرائره، وبالشكل الذي يخرج الكائن من الحشد الى نوع من الذاتوية، او يخرجه من المعنى الكلي، المعنى العائلي، الى معان قد تكون مرذولة لكنها اكثر تعبيرا عن ذاتيته المخفية قهرا او خوفا او استلابا.. واذا كان النصير يجد في المدينة بوصفه مكان كائنه الثقافي، فانه يترسم لهذه المدينة توصيفا يقوم على استيهام ماتولده من اشكال جديدة وعلائق تزدحم بالاغتراب والتغاير، اذ تمثل المدينة هنا مكانا يشبه النص الذي تصنع سيميائيته الجمل الثقافية، فحيث يصطنع لهذا المكان/النص سياقا لغويا تتمثله الجملة الثقافية التي يتركز فيها النسق، والبؤرة المركزية، فإنه يصعد فيها من جهة اخرى الكائن/بطل المدينة بوصفه صانع خطابات، وصانع حكايات صغرى، الحكايات التي تلامس المخفي والمهرّب، والهامشي كجزء من سمات مابعد الحداثة، لان فرانسوا ليوتار يقول بان عصر مابعد الحداثي هو عصر افول الحكايات الكبرى/جان فرانسوا ليوتار/الوضع مابعد الحداثي/ترجمة/احمد احسان/القاهرة- دار شرقيات1994 ص56 النصير ووجوه الامكنة.. صانع الخطابات يجد في الامكنة بوصفها ترميزات ثقافية، جوهر الوجود، ليس لانها المصدر الحمائي، بقدر ماانها المجال التعويضي الذي يؤطر مستويات صراعاته وتحولاته، ويستقرأ محمولات سردياته، لذا يجد النصير في الرواية افقه المفتوح للكشف عن وظائفية المعنى والتاريخ في هذه الامكنة، وللتعاطي مع ما تتجوهر فيه من صراعات وتحولات مهددة، والتي يعيشها كائنه البطل او الضحية، لان هذين الكائنين بوصفهما وجوه سردية لايمكن تمظهرهما في السرد الاّ وهما في ورطة الصراع، لكن هذا الصراع لايعبّر عن وعي مسبق، بل يعبّر عن ما يتمثله في خبرته بوصفه (مخيالا سرديا)، وبوصفه وجودا متعاليا، واحسب ان النصير الذي اعتمد تصنيف الامكنة (الفضاء، المنطقة، الموقع) يجد في هذا التصنيف تعبيرا عن اسئلته النقدية، واشتغالاته ازاء الوجوه التي تترك اثرها في مكونات هذا المكان، مشاركة في صناعة حيوات الامكنة، وبوصفها مصدرا سابغا للوجود على امكنة العيش والصراع والتوالد وتفاعلها مع القوة الخالقة او الطاردة ميتافيزيقيا او واقعيا، من منطلق ماتستمده من قوة صيانية كونية، او من قوة لها علاقة بالانسان وانظمته الدينية الصيانية او التدميرية كما يرى النصير في منظوره لشحنات المكان.. ازاء هذا التوصيف تبدو القيمة الصراعية للكائن في المكان تعبيرا عن منظور وظائفي اخر للناقد، اذ ان هذه القيمة ستضع الناقد امام سترايجيات مفتوحة من القراءة والتأويل، فضلا عن انها ستكون محمولة على فكرة ماتمثله من معان مفتوحة لصراع الكائن في المكان، او صراعه في الوجود والمعنى، اذ ان هذا الصراع الذي يصطنعه الناقد سيتحول في سياق اشتغالات الناقد الى موجّه قرائي، او كمنظور للعالم في ظل بنيته النصية، والذي يملك قابلية ان يتحول او يسيل او يختفي احيانا، والاختفاء هنا سيكون شكلا من اشكال التوليد السردي الذي قد تتمثله الظاهرة السياسية او الاجتماعية او الثقافية، او بعض المظاهر الصراعية الاثنية والايديولوجية في المكان العربي العراقي، والذي يوقظ فيها عناصر المفارقة او الابهار، او ما تتركه من اثر نفسي او لغوي، باعتبار ان الظاهراتية تعنى بالاثر بوصفه نصها اللغوي المعروض للقراءة، والمثير للتحول والتوليد، والذي يمكن ان يجعل النص بوصفه اثرا الاكثر شبها بـ(حدائق الوجوه) التي اقترحها محمد خضير في قراءة الامكنة التي تخصه، والتي باتت تستند التاريخ وتضعه دائما في سياق المعطى كسرد مفتوح دائما للقراءة… ‘ كاتب من العراق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية