يان أجدريت

حجم الخط
0

محمد الشحري ہما إن يذكر مشروع تخفيض الإبل إلا ويتفقد (يان أجدريت) إبله واحدة واحدة، وكلما رأي أبناءه مجتمعين يتشاورون فيما بينهم وجه إليهم أذنيه لاستقبال ما يدور هناك من حديث، وأحيانا تلتقط أذناه كلمة ويفسرها حسبما يفكر، وينازعهم الحديث ليتضح أنه كان مخطئا في التفسير، فالسمع يخونه أحيانا، لكنه يعلم أن أبناءه يبيتون النية للتخلص من أعداد الإبل التي أرهقت جيوبهم بالإسراف وأهلكهم التبذير عليها ولا مردود منها سوي حليب بطعم زيت السمك، يضاف إلي الإسراف، الرعي في فصلي الخريف*** والربيع، حيث ينتظر غيرهم تلك المواسم بشغف كبير لا يوصف، فهما وقتا راحة وتنزه ورحلات، ولكن تلك الفصول تضيف إلي أبناء (يان أجدريت) أعباء لا تطاق، وليس الرعي وحده من يقض مضجع أبناء (يان…) بل موسم صيد السردين (عيد العَلا) الذي يصادف شهري ايار (مايو) وحزيران (يونيو) من كل عام، ففيه تجنح أعداد كبيرة من أسماك السردين إلي شواطئ بحر العرب، ويتم اصطيادها بالطرق التقليدية، أبناء (يان…) يحملون السردين التي تحرق ظهورهم بحرارتها، من البحر إلي الشاطئ لتجفف، ثم تقلب يوم اصطيادها ثم تقلب لتجف، ثم تعبأ بعد ذلك بيومين آخرين في أكياس من الخيش، وتقدم للحيوانات أو تخزن لاستهلاكها في وقت آخر، وقلّما تستخدم سمادا بسبب حرارتها العالية.

وضع أبناء (يان أجدريت) أنفسهم في أمر الواقع، أكبرهم يقول:

إما أن نكون نحن الذين تسخرنا حيواناتنا لخدمتها أو تكون الحيوانات هي المسخّرة لخدمتنا، ويزيد سخطهم علي الإبل حديث الآخرين عن المهرجانات والسهرات الغنائية، والنوم نهارا والسهر ليلا، يردد الأخ الأكبر حديثه علي أخوته: يجب أن نضع حدا لهذه المأساة، ثلاثة فصول والشقاء والعذاب يعزفاننا لحنا علي قيثارة الإبل، وأولادنا تنتظرهم أنغامٌ أخري، ومشروع تخفيض الإبل فاتح أبوابه علي مصراعيه لكل المربيين، سأبيع ولن أنتظر حتي تغلق الأبواب ثم أجثو علي ركبتي لأطالب ببيع ناقة، سأبيع وأكفي أبنائي التعب، نريد أن نستقر عِوض حياة الهجرة والترحال التي لا تنتهي، سنبني مساكن وننعم بالماء والكهرباء كغيرنا من البشر، يرد الأخ الأصغر: أبناؤنا متفوقون دراسيا رغم انشغالهم بالرعي، وقد لا يوافق أبونا، يقاطعه الأخ الأكبر قائلا: يوافق أبونا أو لا يوافق ليس شأنه، وأنتما تعرفان أن أبي لم يتبق له من الإبل سوي (سمهور) وابنها ونوقه الأخري جرفها سيل العام الماضي، والبقية إبلنا ملّكها لنا بمحض إرادته ويحق لنا التصرف بها كيفما نشاء.

يدخل الأخ الأوسط في معمعة النقاش ويقول: حتما أبونا سينفعل إذا بعنا الإبل خاصة (سمهور) التي تذكره بالوالدة ـ رحمها الله ـ. يصر الأخ الأكبر علي فرض رأيه علي الجميع ويقول: تعرفان طيبة أبي وحبه لنا، وسنجد له ما ينسيه (سمهور) والوالدة، هذه الأيام يتحدث أصدقاؤه عن زواج صاحبه (بر طفيلون) بفتاة دون العشرين، فالزواج سيشغله عن (سمهور) وذكرياته.

جاء الابن الأكبر إلي أبيه فوجده يستمع لشريط (دبرارت) فسأله قائلا: أبي هل تظن أن (بر طفيلون) ما زالت لديه القدرة علي الإيفاء بواجباته البدنية لزوجته، يضحك الأب بخبث ويقول: يا ولد أنت لا تعرف (بر طفيلون) تزوج عند الشيوخ حين كنا نعمل في الخليج، وكانت زوجته تدفع له راتبا شهريا مقابل مضاجعتها، و حين عزم علي الرجوع هرّبناه في صندوق، وأخبرنا من تركنا بعدنا، بان زوجته أصابها الجنون بعده، حين عجزت عن إيجاد ما لديه عند بقية الرجال، (بر طفيلون) سبعٌ تخلي عن مصاهرة الشيوخ لأجل نوقه، فضّل الرعي علي السجاد الأحمر.

قال الابن: هل تريدنا أن نبحث لك عن عروس مثل صاحبك؟ أشرق وجه الأب المسكون بالتجاعيد التي حفرها الزمن في وجهه، ففهم الابن علي أنها بوادر الموافقة فقال: إذا سنبيع بعض الإبل وتزوج بأثمانها.

أفضل العيش هكذا دون أنيس علي أن أختار حلولك التي تشعرني بالغثيان، هكذا رد (بر طفيلون) فبانت التجاعيد كتربة حل بها الجفاف من جديد، امتنع الإبن عن الحديث مع أبيه الذي سينتهي الحوار معه لطرق مسدودة.

قبل أن يحين دور (يان أجدريت) وأبنائه لبيع ما يشاؤون من الإبل للشركة، أوهم الأبناء أباهم بنقل الإبل إلي مراعٍ سمعوا بنزول المطر ونمو العشب فيها، فلم يوافق (يان…) علي ذهاب (سمهور) وابنها فقال له أبناؤه: يا أبانا لم لا تأمنا علي (سمهور) وابنها؟

أرسلها معنا تسرح وترعي، قال (يان…) يا أبناء (شخارنوت) لا آمنكم علي نوقي وأخاف أن تتعثر (سمهور) أو تُكسر قدمها وأنتم عنها لاهون، قالوا: أتتعرض للأذي ونحن معها!.. رق قلب الأب الحنون، وفك عقال (سمهور)، وهو يحث أبناءه علي التمسك بالإبل حتي نهاية سلالتهم، والأبناء يظهرون الانصياع والتفاني، ويبطنون كرها لا يطاق للإبل، التي لم تبتعد مسافة بعيدة، حتي أوثقت وشُحنت في ناقلات إلي مقر الشركة التي لم ترفض منها ناقة واحدة، رغم إصابة البعض منها بجرب وهزال لا يخفي.

تخلص الأبناء من الإبل دفعة واحدة كأنهم يتطهرون من إثم ارتكبه جدهم الخامس الذي اشتراها. وقع خبر بيع الإبل علي الأب كالصاعقة، فلم يكلم أبناءه ثلاثا، لكن الأبناء يعرفون كيف يدندنون علي أوتار أبيهم الحسّاسّة، فطلبوا من (بر طفيلون) أن يتدخل ويحدثه بأن زوجته لديها أخت أصغر منها وترغب في الزواج، ونفذ (بر طفيلون) مهمته بنجاح.

فرح (يان أجدريت) حين سمع بأن الشركة ستسدد قيمة الإبل المشتراة بعد انقضاء الخريف، فأحيانا يذهب عند صديقه (بر…) يسامره ويشرب عنده الحليب ويختلس النظر إلي زوجته الشابة، وأحيانا يستمع (للدبرارت)، أولاده أصيبوا بالسمنة بسبب مكوثهم المطوّل في الغرف، وزوجاتهم اللائي كنّ مضرب المثل في الرشاقة والنحافة، أصبحن كأبقار استرالية صالحة للتصدير، وأبناؤهم تأخروا دراسيا، والسردين ظل يجنح للشواطئ، ولم يتوقف الصيادون عن صيده، والفصول الأربعة توالت دون حزن علي (يان أجدريت) وأبنائه، وبعد انقضاء الخريف ستشرق الشمس علي رعاة إبل تخالطوا في (مبرك) ما، يتدثرون (بالخرق) النيلية وقد عصبوا رؤوسهم (بالمحافيف) ويتدفئون ببقايا حطب وجمرات من مخلفات سمرهم البارحة علي (المشعير)، وعلي الجمر إبريق شاي يغلي، وأوانٍ ممتلئة حليبا مكسوا برغوة كقمم ثلجية بنكهة الأعشاب، ونسيم صباحي بارد يحرك أغصان أشجار (السغوت)، التي يبات تحتها الرعاة المتنقلون في الربيع، والإبل تجتر حبا لأصحابها، وكبار السن يقرفصون حول الموقد لرشف الشاي والحليب، يتناقشون في البحث عن مرعي لا يزال عامرا بالأعشاب والشجيرات، قبل أن يسبقهم إليه رعاة آخرون. ينتظر الرعاة انقشاع الندي عن ظهور الإبل ليطلقوا صيحاتهم أأهيي يوهّ يوهّ يتبعه موّال رعوي آخر وواه… وواه… وواه إيذانا بتسريحها من (المبرك) إلي المراعي.

الشركة ماطلت البائعين قليلا، وادعت الخسارة حينا، وأحيانا أخري تعرض عليهم المقايضة بأعلاف اصطناعية، ثم دفعت لهم أجهزة تلفزية، وصحونا لاقطة ليتفرجوا علي العالم، وأجهزة تكييف وثلاجات وهواتف نقالة، فلم يجد الأبناء حلا إلا اقتناء هذه الأجهزة، التي تتعطل باستمرار، مما يتطلب تصليحها من قبل الشركة التي تكلفهم أيضا أجورا مضاعفة، وثمن (سمهور) لم يتجاوز قيمة جهاز تلفاز وتوابعه، وجهاز تكييف، وهكذا تبخرت آمال (يان اجدريت) سدي، وذهبت حساباته أدراج الرياح، فلا صاحبة ولا أولاد صالحين ولا حليب، ولا حتي ذكري لزوجة وفية.

ہ قاص من عمانہ يان اجدريت تعني نصيب الأرض باللغة الشحرية، وهي من أقدم وأعرق اللغات السامية (العربية) القديمة، وهذه اللغة توجد في ظفار (جنوب سلطنة عمان) ولا تزال متداولة هناك، ولكنها لغة غير مكتوبة لذلك تتعرض للاندثار، فمن اللغة العربية تنطق اللغة الشحرية خمسة وعشرين حرفا من حروف اللغة العربية، ولكن هناك ثلاثة حروف هي ( ص، ض، ق) تنطقها اللغة الشحرية نطقا مختلفا عن النطق العربي، وهناك خمسة حروف أخري خاصة باللسان الشحري مضافة إلي الحروف العربية الثلاثة لتصبح عدد الحروف المنطوقة بنطق شحري ثمانية حروف، كما أن هناك حرفين آخرين يمثلان صوتين مميزين هما (هـ الخفيف وغ الغُنة الأنفية). ہہكاتب من سلطنة عُمان يقيم في تونس ہ ہ ہ الفصول في ظفار تختلف عن بقية الفصول في الجزيرة العربية، فالخريف يتبعه الربيع، والشتاء يتبعه الصيف، وتتأثر بالمناخ الموسمي القادم من المحيط الهندي، لذلك تصب الأمطار خلال الصيف في ظفار ويسمي (موسم الخريف). إحالة بالكلمات الواردة باللغة الشحرية:

سمهور: اسم ناقةبر طفيلون: بن طفيلون، وطفيلون تصغير لإسم طفول (اسم بنت). الدبرارت والمشعير: فنون شعبية في ظفار.

شخارنوت:

تصغير للفظ شخريت وتعني العجوز.

السغوت: أشجار طويلة كثيفة الأوراق.

الخرق: ملابس من قطعة واحدة ألوانها نيلية.

المحافيف: حبل من جلد يوضع عادة علي الرأس ليمنع تناثر الشعر.

المبرك: مكان تبرك فيه الإبل.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية