ياه.. لو أن الحياة حقاً حلوة!

حجم الخط
0

عزت القمحاوي تمر مصر بظروف عصيبة هذه الأيام. منذ أن وعيت على الدنيا وهي تمر بهذه الظروف، لكننا دائماً نشعر بثقل ما نعيش حالاً، وفي كل يوم جديد نعتقد أن صعوبة اليوم أكبر من الذي فات. في الحقيقة هي اليوم عصيبة جداً ولكي لا تتحول هذه الزاوية اليوم إلى ‘عواء طلق’ سأحكي ما حدث بالضبط. كنت قد استيقظت من حلم إيروتيكي بهيج بالرائحة، وهذه نادرة لم تحدث من قبل، رأيت أحلاماً ملونة كثيرة، لكنها المرة الأولى التي أشم فيها روائح الحياة في حلم، وقد أخرجني منه خبط على الباب: ‘اصح، نايجيلا’ ما الذي أيقظ نجمتي المفضلة على قناتي المفضلة، قناة الطبخ؟! يُفترض أنها نؤومة ضحى لا أنا، لكن هذا ما كان وابني الذي يريد أن يخبرني بإغلاق صفحة خالد سعيد وصفحة محبي محمد البرادعي على الفيس بوك أراد أن يوقظني على مشهيات قبل أن يتأسف على رضوخ إدارة الفيس بوك للإجراء الاحترازي الحكومي من يوم الغضب الذي أعلنه الشباب بمناسبة بدء محاكمة قتلة الشاب السكندري تحت التعذيب اليوم السبت، وكان من المفترض حسب الدعوة أن يتم ارتكاب أكبر قدر من الضوضاء في السابعة من مساء الجمعة، لكنني على الأرجح لن أسمع شيئاً، بسبب بقايا من صخب الحلم في رأسي أو بسبب ضوضاء الانتخابات في الشارع الأعلى من ضوضاء أي احتجاج فيما يبدو، فنحن نقيم اليوم ـ كما نفعل في كل انتخابات مزورة ـ عرس الديمقراطية!

لم ألحق بالكثير من نايجيلا، رأيت فقط أصابعها تخلط مكونات السلطة في طبق كبير، لو أن امرأة قبيحة خلطت السلطة بهذه الطريقة لتنازلنا عن فوائدها ما حيينا، لكنها نايجيلا التي تفعل هذا ثم تستدير إلى كتلة لحم خارجة من الفرن تقطعها شرائح مثلما نفعل في العيش التوست، وتتذوق وتعيد الباقي إلى الطبق، من يهتم أو يقرف من نايجيلا؟! رغم انصراف نجمتي السريع، عوضتني القناة التي تطَيّر شعار ‘الحياة حلوة’ عن الإنجليزية المدملجة بطباخ انجليزي آخر قرر أن يذهب إلى صقلية ليتعلم إعداد السمك على أصوله إلى جوار صاحب المطعم وابنته التي فاقت نايجيلا أنوثة وجاذبية، لماذا لا تكون الحياة الواقـــعية حلوة حقاً وتقدم العوض بهذه السرعة؟!. الشاليهات الصغيرة على كورنيش الكسالى والسمك الطازج وقائمة الطعام التي يحددها الطاهي الإيطالي بعد أن يعود من البحر طبقاً لنوع السمك كل يوم، والمساعدة الشابة التي لم يفت الصقلي تحذير الانجليزي من الاقتراب منها، مهدداً إياه بسكين مبتسم، كل ذلك جعلني في شوق لتقديم موعد رحلة مؤجلة أنوي أن أقوم بها لصقلية لأهداف جد حزينة تتعلق باستقصاء ظاهرة موت الشباب المصريين في عرض البحر وتحطم سفنهم على شواطىء الجزر الإيطالية وبينها صقلية التي لا أثر لحزن على كورنيشها هذا الصباح. عندما أذهب لن أسأل الطباخ عن نكهاته، وإنما عن صيده، وما إذا كانت جثة مصرية قد علقت بشباكه يوماً؟

فنجان القهوة صار اثنين وأنا مضطجع أمام القناة. في الخارج خطيب الجمعة يصدح بوعيد يراه رأي العين، كمن ينقل للمصلين مباراة على الهواء مباشرة من جهنم. يرى الرجل يقين الجنة والنار ويضع كل شخص في المكان الذي يتناسب مع عمله، كما يفعل مكتب تنسيق الثانوية العامة. انتهى البرنامج الصقلي، وبقيت محاصراً مع القناة ذاتها، أخاف أن أتحول حتى لا يخرج إلي خطيب آخر في تلك الساعة يحاول انتشالي من الضلال، أو يوسف بطرس غالي وزير المالية يحاول انتشالي من الفقر. والفقر أكثر صراحة من الضلال، لو عرفنا أننا على ضلال لاهتدينا، لكننا نعرف أننا فقراء ولا نستطيع تغيير واقعنا. في هذه الانتخابات، حتى لا يتهمنا أحد بالسوداوية، حدث تطور جديد، حيث يعرض تليفزيون الدولة إعلانات تحض المواطن على المشاركة بصوته، بالطبع يمكن للمواطن أن يشارك، إذا وجد طريقاً يوصله إلى لجنة انتخاب ووجد اللجنة غير محاصرة بالأمن ثم وجد اسمه في الكشوف، عملية معقدة جداً، لكنها ليست أصعب من طريق المؤمنين إلى الجنة. التطور الإيجابي الثاني كان مناظرة من جزأين بين ممثلين للحزب الحاكم وثلاثة أحزاب هي الأكبر بين الأربعة والعشرين حزباً في مصر، وكان يوسف بطرس غالي ممثلاً للحزب الوطني في إحدى المناظرتين يبتسم بفخر وهو يعيب على ممثلي المعارضة المساكين لأنهم لا يقولون بالتحديد ماذا سيفعلون يوم الاثنين (الصباح التالي مباشرة ليوم الانتخاب) إن وصلوا للسلطة، طبعاً الوزير يحلم حلماً بلا طعم ولا رائحة، ما علينا فالقادم أفضل، يقول الوزير إنهم في الحزب الوطني بخلاف ذلك يعرفون كم مصرياً تحت خط الفقر وأين يقيمون، وأنهم يخططون لانتشال مليونين منهم في غضون السنوات الخمس القادمة ويعرفون كيف ينتشلونهم! الغريب أن مصر لم تشهد تداولا للسلطة على مدى ستين عاماً بينها ثلاثون تحت رئاسة مبارك وحده، أي أنهم لم يتسلموا هؤلاء الفقراء من حزب آخر، ومن عجائب الحياة الحلوة أن يتمكنوا من الاحتفاظ بهؤلاء الفقراء لهذه المناظرة بالذات، ثم ينتشلوهم بعد ذلك، منتهى الذكاء والتوفيق الانتخابي، ولأنني وعدت من البداية بالتزام تجنب العواء فإنني لن أغادر موقعي من أمام قناة الطبخ إلا إلى المطبخ أو السرير، وكلاهما مكان جيد للحياة والأحلام الحلوة.qlaqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية