محمد الزباخمصر بالنسبة للعالم العربي كالقلب بالنسبة للجسد، إذا صلحت صلح بأكمله، وإن فسدت فسد برمته، لكن الناظر إلى المشهد السياسي المصري هذه الأيام يحزن لما يجري في حق الشعب المصري من مؤامرات يحيك خيوطها فلول نظام مبارك بمساعدة من إسرائيل ومؤيديها في العالمين العربي والغربي. لقد تبين بما لا يدع مجالا للشك أن المجلس العسكري في مصر جزء لا ينفك من نظام حسني مبارك، وتبين أن الثورة المصرية ذات أركان ثلاثة متنافرة هي: الركن العلماني والركن السلفي والركن الإخواني. وليس سرا القول أن القوى الثورية في مصر بكافة أطيافها إنما أنجزت نصف ثورة، وأن هذا النصف نفسه مهدد بالاندثار إذا لم يتوقف التناحر الداخلي بين هذه القوى، فليس هناك شيء يفرح مبارك في محبسه الفاخر أكثر من هذا التناحر الغبي. إن إبعاد حازم أبي إسماعيل وخيرت الشاطر عن سباق الترشح لمنصب الرئاسة بغير وجه حق مؤشر خطير عن الوضع السيء للديموقراطية في مصر ما بعد ثورة 25 يناير، وليس هناك شيء يمكن أن يحد من هذا الخطر أكثر من اتحاد القوى الثورية في مصر على خطة سياسية موحدة في المرحلة القادمة، وهنا أوجه رسائل توحيدية إلى هذه القوى الفاعلية.
أولا أقول للتيار الإخواني بأن مظلوميته التاريخية مسلمة لا يماري فيها العقلاء، ودوره في ثورة 25 يناير شيء ثابت بأقوى الأدلة والبراهين، وهو وإن لم يخرج أسماء لامعة في ميادين الفكر والأدب والفن، فإنه خرج العديد من الأطر الناجحة في ميدان الطب والهندسة والقضاء وغير ذلك، وقد كافأه الشعب المصري على ذلك وعلى خطابه الإسلامي المعتدل في انتخابات تشريعية نزيهة بما يقرب من نصف مقاعد البرلمان. لكن أكبر خطأ ارتكبه الإخوان المسلمون هو سعيهم للهيمنة على الحياة السياسية ولم يسقط نظام مبارك بعد سقوطا حقيقيا، لقد ضيعوا فرصا حقيقية لإسقاط حكم العسكر، وأكثر من ذلك فاجأوا حتى كوادرهم الحزبية لما أعلنوا ترشيح خيرت الشاطر بعد أن وعدوا من قبل بعدم تقديم أي مرشح رئاسي، وقد كان في الإمكان أن يدعموا في إطار هذا الوعد عددا من المرشحين الإسلاميين مع المحافظة على مصداقيتهم الأخلاقية، لكنهم لما أخلفوا وعدهم تدنت شعبيتهم إلى حد ما، ويخاف عليهم من غضب بعض الناس عليهم في أي استحقاقات انتخابية قادمة.
أما التيار السلفي، فنقر بأنه يمتلك حضوريا جماهيريا متناميا بين عامة الشعب المصري، وسر ذلك مصداقية شيوخه وارتكازه خطابه الدعوي على العلم الشرعي. وهذا التيار في الواقع متعدد سياسيا، ففيه فئة كانت تنافح بشدة عن نظام حسني مبارك، وفئة مضادة رأت الخروج المسلح عليه، لكن سواده الأعظم نأى بنفسه عن هذين الخيارين، لكن مشكلته كانت وما زالت حاضرة بقوة بشأن تبني الحراك الديموقراطي في الحياة السياسية، إذ نجد إلى الآن من يخوض منهم العملية الانتخابية وفي نيته الارتداد عنها ساعة ‘التمكين’. وهنا أقول أن الأصل في كل الشرعيات المدنية هو الشرعية الشعبية، سواء استندت إلى مرجعيات ديانية أو مرجعيات علمانية، ولا بأس أن يؤمن الإنسان على ضوء ذلك ذاتيا بوجوب حاكمية الشريعة على الناس أجمعين، لكن تنزيل هذه القناعة واقعيا إنما يجب أن يتم طوعا لا كرها. بصيغة أخرى، حين يعلن أحدهم أن لا خيار بشأن حاكمية الشريعة فهذا صحيح من حيث علاقة الإنسان بربه، أما فيما يتعلق بعلاقته بغيره فهذا ليس بصحيح، ففي أرض ذات مجتمع إسلامي متجانس ثقافيا يمكن الحديث عن تطبيق إلزامي للشريعة الإسلامية، أما في مجتمع تختلط في شتى مدنه وقراه مكونات ثقافية غير متجانسة، لا يكون هناك من حل سوى الاحتكام لقواعد اللعبة الديموقراطية بما يضمن الحريات الفردية، وإلا فالبديل هو الإكراه الذي يمكن أن يسبب الحرب الأهلية. وفي إطار الخيار الديوقراطي لا بد من شيء من النفعية الإيجابية في تنزيل الشريعة الإسلامية ولو على المستوى التواصلي، والذي أرمي إليه هنا أن حاكمية الشريعة مشروطة وجوديا بحصول التمكين الحقيقي بين الناس، وأهم شيء في هذا التمكين استعداد السواد الأعظم منهم للتضحية من أجلها أمام أي خطر داخلي أو خارجي، وهذا لن يتحصل إلا من خلال أمرين هامين هما:1- تبني رؤية وسطية عقلانية لمفهوم حاكمية الشريعة على مستوى المعاملات، وهذا لا يمكن أن يتم إلا من خلال الفقه المقاصدي الذي يوازن بين المصالح والمفاسد من جهة، ومن خلال فقه الخلاف الذي يجعل الرأي الفقهي الأيسر هو الحد الأدنى في التشريع الذي يتعلق بمجموع الناس.2- التدرج في تنزيل الشريعة الإسلامية، بحيث يتم أولا نشر ثقافة التدين بين الناس بما في ذلك تعميم الوعي بوجوب حاكمية الشريعة وفوائدها، ويتم في نفس توفير حاجات الناس المختلفة اقتصاديا واجتماعيا ونفسيا وغير ذلك، انطلاقا من تعاليم الشريعة السمحة، ويكون آخر شيء يتم تنزيله هو إقامة الحدود على كل معتد يخرق السفينة في علاقته بنفسه أو بغيره.
ورغم الطابع النخبوي للتيار العلماني، فإننا لا شك في أن تأثيره على مختلف مناحي الحياة منذ الغزو الاستعماري للعالم العربي كان وما يزال قويا، ومن الإنصاف أن نقول بأن هذا التيار استورد كثيرا من منجزات الحضارة الغربية ماديا وفكريا، بل حتى شتى المرجعيات الفلسفية التي روج لها خلقت حراكا ثقافيا أيقظ العقل العربي من نومه العميق، وهذا ما ساهم في مراجعة التراث الإسلامي نحو مزيد من التجديد المنضبط. وإذا كان التيار العلماني ذي التوجه الليبرالي أو اليساري، حاله حال التيار الدياني ذي التوجه الإسلامي أو المسيحي، ينقسم إلى فسطاط ديموقراطي شريف وفسطاط استبدادي وضيع، فإنه من الإنصاف أن نقول بأن رموز هذا التيار وشبابه لعبوا دورا مهما في إسقاط حسني مبارك من حكم مصر، وفي مقدمة ذلك حركة 7 أبريل والدكتور محمد البرادعي. ونحن إذ نقر بمزايا التيار العلماني الديموقراطي في مصر ونقر بحقه في الوجود السياسي والثقافي داخل المجتمع المصري، فإننا نعيب عليه ارتداد سواده الأعظم عما أفرزته صناديق الاقتراع بشأن الاستفتاء على الإعلان الدستوري وبشأن الانتخابات البرلمانية ولوازمها التشريعية فيما يتعلق بالجمعية التأسيسية المكلفة بإعداد دستور مصر القادم، فإذا كان في نظرهم اختيار غالبية المصريين للإسلاميين غلطة من العيار الثقيل، فليتركوا الزمن يحكم على ذلك ولا يستبقوا الأحداث، لأنه إذا لم يكن الإسلاميون عند مستوى تطلعات المصريين فلا مفر لهم من العقوبة عند أو استحقاق انتخابي قادم، وإلا فما قيمة اللعبة الديموقراطية إن لم تقرر الخيارات الجماعية للأغلبية دون الإضرار بالحريات الفردية للأقلية؟ لقد فعل الشباب في مصر خيرا حين قرروا بكافة ألوانهم السياسية النزول من جديد إلى الساحات العامة في مصر، وفي مقدمتها ميدان التحرير في القاهرة، ولقد رأينا نفسا توحيديا إيجابيا هذه المرة، ومن هنا نقول أن هذا النزول الوحدوي لن يكتب له النجاح إذا لم يكن سقف مطالبه الأدنى تقديم مرشح موحد في الانتخابات الرئاسية لجميع القوى الثوري، ولست أرى في هذا الإطار رجلا يمكن التوافق عليه أكثر من الدكتور عبد المنعم أبي الفتوح.’ كاتب من المغرب