أمريكا تدرك أن روسيا دولة فاعلة في مجموعة (البركس) وهي الدول الخمس
التي تمثل الاقتصادات الجديدة، والتي تشكل تحديا وتهديدا في الآن ذاته
للاقتصادات القديمة أو التقليدية التي تقودها أمريكا. ومن جانب آخر، أمريكا محتاجة لأسواق هذه الدول، ولاسيما الصين وروسيا والهند،’إضافة
إلى ذلك، روسيا تعي حاجة أمريكا إليها وتعي أكثر وضعها الاقتصادي والعسكري المتردي نتيجة فشل مشروع غزوها العسكري ذي الأسباب الاقتصادية للعراق، وهزيمتها الساحقة في أفغانستان. وعليه، نجحت روسيا في ابتزاز أمريكا وليس مقايضتها فقط في الشأن السوري .
القضية ليست أن سورية مهمة لحد الحياة أو الموت لروسيا، فالمسألة تحدٍّ لوجود روسيا في دولة مفصلية في الشرق الأوسط، وحفاظاً على تحالفاتها، ليس حباً في سورية بالضرورة، ولكن حفاظا على قوتها الخارجية الشرق أوسطية وسط انسحاب أو انكماش لأمريكا في الشرق الأوسط. ويذهب كثير من المحللين الأمريكيين إلى أن الاتفاق الأمريكي الروسي في الشأن السوري، بصرف النظر عن خلفياته، هو إرضاء للإيباك وإسرائيل، لأن الأسد هو الشيطان الذي تعرفه إسرائيل (إن لم يكن الصديق) وهو بلا شك خير من أي شيطان قادم لا تعرفه إسرائيل .
يبدو أن الابتزاز الروسي لأمريكا سيستمر، بالنظر إلى وعي روسيا بتركيز حكومة أوباما على آسيا، ولحاجة أمريكا لروسيا في تدعيم مصالحها الآسيوية. ولا يستبعد أن تمتد عمليات ابتزازها أو مقايضتها إلى الخليج العربي المعقل التقليدي لأمريكا. وينظر الكثيرون إلى أن نجاح روسيا في ابتزاز أمريكا أو مقايضتها في سورية ما هو إلا (بروفة) لإبعاد الأمريكيين برضاهم، مستمرئين أو مختارين، من الخليج العربي. وربما فُهمت زيارة رئيس الاستخبارات السعودية بندر بن سلطان إلى روسيا الشهر الماضي في الإطار نفسه .
الضحية قطعا الدول العربية التي جعلت من نفسها بسوساً تلعب بها الدجاج .
وإلا لماذا لم تتفق الدول العربية المعارضة للنظام السوري، التي اجتمعت في القاهرة تحت مظلة جامعة الدول العربية الشهر المنصرم، على خطوات تتجاوز الشجب والاستنكار إلى التلويح، ولو بشكل إعلامي، بتدخل عسكري عربي خارج قرار من مجلس الأمن الدولي، لحماية الشعب السوري من كيميائي النظام إذا استمر تقاعس المجتمع الدولي وأمريكا بالذات؟ ألم تغير طائرات إسرائيل على سورية والسودان مؤخراً من غير قرار أممي، وقبل ذلك على تونس والعراق ولبنان والقائمة تطول؟ وهل أمريكا في حاجة إلى قرار منها، أي من مجلس الأمن الدولي، لمعاقبة (مؤسسة الأسد) على قتل أطفال سورية بالكيميائي؟ أمريكا حرقت العراق في 2003 وغزته ونكلت بأهله من غير قرار من مجلس الأمن الدولي، فكيف تدعي الآن أنها تحتاج لقرار أممي لضرب نظام بشار؟ العراق فيه نفط السلعة الإستراتيجية الأغلى والأهم في العالم، أما سورية فليس فيها نفط فلماذا تستثمر في القتل والتدمير بلا عائد؟ وأمريكا تقتل يوميا بطائرات بدون طيار في اليمن وباكستان وغيرهما من غير إجماع دولي أو قرار من مجلس الأمن، ومن غير أي معارضة من روسيا والصين وغيرهما.
العلاقات الدولية مصالح تتغير و كل الدول تقريباً تجيد استعمال وتحريك مصالحها في التوقيت المناسب لتحقيق مكاسب لها، إلا الدول العربية القابعة في خانة التلقي السلبي، بينما إسرائيل والدول الكبرى وإيران تعتدي على أو (تتولى) المصالح العربية تستعملها وتحركها وتسخرها لصالحها هي. مثال بسيط وسط كم هائل من الأمثلة والوقائع: هل تم رفض طلب واحد من أمريكا بزيادة إنتاج النفط العربي، منعاً لارتفاع أسعاره، رغم أن الدول العربية المنتجة للنفط أعضاء في الأوبك ويُفترض أن تتقيد بإجماع دول الأوبك حول الزيادة الإنتاجية والأسعار؟
‘ أستاذ جامعي و كاتب قطري