يا اسكندرية.. ليه!؟

حجم الخط
0

ناصر فرغلي’يا اسكندرية صاحْية بمُوجْها عادلة الطاقية والريح عوَجْها هبيتي هَبّه ويا الأحبّة رجعتي شابة عالية ف بروجها.

هوجة وهَرَجْهاغَلب مرجهالحظة حرجهاربك فرجهانصرة قويةيا اسكندريةيا ثورجيةبس بمزاجها’… هكذا غنيت لاسكندريتي، وهكذا تمنيتها، حين كتبت (مسحراتي الثورة) قبل شهور.

الشرارة التي أمسكت بها الجموع في يناير لتلقيها في فوهات الجروح الغائرة القابلة للاشتعال، كانت قضية شاب سكندري لخصت حكايته مأساة الحلم المخنوق بفظاظة الاستبداد وجهله وطغيانه.

اعتبرت مصر أن حق خالد سعيد هو حقها كلها. ثم كانت الإسكندرية والسويس والقاهرة خطوطاً ثلاثة أمامية في الجبهة التي تلقت الضربة (الأرضية) الأولى بكل شجاعة وتصميم، متحملة قدرها من الشهداء. حملت المدن الثلاث وخصوصاً السويس- مشعل الثورة بين الثلاثاء الخامس والعشرين من يناير وبين جمعة الثامن والعشرين، هذه الأيام التي أسميها (أيام الشك)، حين كان تصديق الثوار لأنفسهم أهم من إنكار النظام لهم.

بالأمس سمعت خالد سعيد ورفاقه من الشهداء يهمسون: ‘يا اسكندرية: ليه!

؟’. كان التساؤل المفجع عن مسار المدينة الأشهر في مصر، مسار الذهاب من خالد سعيد إلى الشحات. ورغم أن الأخير نجا مجلس الشعب من عضويته، فلا يجب أن ننسى أنه تخطى الجولة الأولى، وأنه كان قاب قوسين من الفوز، وأنه حاز مائة وسبعين ألف صوت وخسر بفارق لا يزيد عن خمسة في المائة من الأصوات. ثم إنه في النهاية اختارت اسكندرية أن يكون الخيار بين الشحات ودويدار، أي بين سلفي وإخواني. كان التساؤل المذهول عن مئات الألوف من الناخبين الذين اختاروا بالضبط قضاة لا يختلفون كثيراً عن سابقيهم، مستعدين لمحاكمة خالد سعيد وإدانته- هو وكل خالد سعيد جديد بانطلاقه ومرح شبابه وسيجارته، الملفوفة بالبانجو والتمرد معاً، وكلمات الغزل العفيف وغير العفيف على مقعد أمام البحر، أو حتى أغنية تدفعك للرقص وليس للبحث عن دفوف. تعيش الإسكندرية إلى حد لحظتنا في نوستالجيا أصبحت في مقام الوهم: وَهْم الكوزموبوليتانية والتعدد، وهم الإشعاع الثقافي، وهم العروس واللؤلؤة، فيما هي بحسب نتائج أول انتخابات حرة نزيهة وأكثرها إقبالاً منذ الفراعنة (هكذا قيل وورد في الأصل!)، ليست أكثر من قطعة أخرى من مصر بكل عشوائيتها وقرويتها المهيمنة. من المذهل للمراقب أن نتائج الانتخابات في مرحلتها الأولى جاءت شبه متطابقة في المحافظات التسع بدوائرها المختلفة. هل ثمة حقيقة مفسرة لهذا العجب سوى الانفصال التام بين الإنسان وكل ما من شأنه أن يصنع هويته في لحظة سياسية تزيف نفسها باسم الهوية تحديدا؟

ثنائية المدينة / الريف بما تستبعه من اختلاف حضاري وقيمي لم تعد هناك بحيث تلعب دورها في توجيه الصوت الانتخابي نحو المحافظة (ريف) أو الليبرالية (مدينة). قل الشيء نفسه عن عوامل منقرضة مثل الولاء التاريخي أو التصنيف الثقافي أو النمط الإنتاجي (زراعة صناعة تجارة سياحة الخ..) وما يستدعيه من نشوء حزمات مصالح ناهيك عن أن نقول طبقات – أقل ما يجب أن يقال عنها أنها حيوية لأصحابها: لا يوجد.

ما يعنيه ذلك هو أن الإنسان المصري (وغيره؟) بات منفصلا تماماً عن الوعي بموقعه من خلال المعاينة المباشرة للحياة في غيبة خطاب يساعده على القيام بهذه المهمة. اختلطت الحياة بشاشة التلفزيون ولم نعد نعرف الحقيقة من الخيال. حتى المعرفة المادية الحسية المباشرة جرت معالجتها بمواد (الافتراضية) المخدرة. فحسب التلفزيون فإن التحمم بصابونة كامي يعادل تجربة السباحة في شواطئ هاواي (أداء الصابونة لوظيفتها الأصلية ليس موضوعنا!). بل اختُلِقَت إمعانا في الإيهام والتغييب والتسليع تراكيب سيريالية من قبيل (شيبس بطعم السحور)، أو (شعور ناسيت) الذي لا أعرف حتى الآن ما هو، وهل يندرج في نفس اللائحة مع الشعور بالوحدة مثلا!

؟ هناك أيضا أسباب واقعية يمكن الحديث عنها للتجريف الذي تعرضت له الإسكندرية روحيا وحضاريا وثقافيا وماديا واقتصاديا وسياسيا وتعليميا عبر سنوات وسنوات من الإهمال والتقصير، وعمداً في كثير من الأحيان. حين نتذكر أن العرض السينمائي الأول في مصر جرى في الإسكندرية، وأن هناك أيضا تأسست الصحف الكبرى التي نقلت هيلمانها إلى أم الدنيا المحروسة القاهرة. نتذكر أن رولان بارت المفكر البنيوي الفرنسي الكبير درّس في جامعة الإسكندرية التي لم يكن عميد كليتها للآداب سوى طه حسين نفسه. ونتذكر أيضا أن استديوهات إذاعية قوية حولت وجهتها من إذاعة الإسكندرية قبل نصف قرن إلى صوت العرب والشرق الأوسط. أما تلفزيون الإسكندرية الذي أطلقه صفوت الشريف فهو نكتة تعكس كم الظلم الذي تعرضت له المدينة. لم يعد أمام أي موهبة سكندرية في الإعلام أو الفن أو الأدب إلا أن تهاجر، إلى القاهرة غالبا، أو خارج مصر كلها، والذين تبقوا من نخب المدينة هم طبقة التكنوقراط والتجار، وفئات الشغيلة بمختلف أطيافها.

هناك محطة ترام شهيرة في الإسكندرية اسمها الوزارة. كانت حكومة مصر تمارس عملها صيفا من الإسكندرية، وكان هذا في حد ذاته سببا للعناية بالمدينة، ولإحساس أهلها بأنهم ليسوا إقليما مستثنى من النشاط السياسي. طبعا انقطع هذا التقليد. وحتى استراحات رئيس الجمهورية أصابها الركود. نخبة مصر والوطن العربي التي كان مقصدها الصيفي السياحي الأول هو هذه المدينة، بحيث لم تستطع روايات محفوظ ولا أفلام عبد الحليم ولا أغاني فيروز تجاهله، هذه النخبة وجدت لنفسها جيتوهات جديدة في شرم الشيخ والغردقة والساحل الشمالي، وانفردت بالإسكندرية حلة المحشي وجلابية البحر.

ترافق هذا مع انحسار مستمر وتراجع دائم للإسكندرية كمدينة صناعية على حساب توسع رهيب في وجهها التجاري المحلي والخدمي، بكل ما يعنيه ذلك من سيطرة عقلية السمسرة وتشجيع الاستهلاك والبيع بالأجل من خلال منظومة لا تعد بأي تطور. التطور الوحيد كان في صياغة اسكندرية جديدة سواء في أحشائها أو على حوافها. وكانت الصياغة الجديدة على نمط صحراوي بامتياز، تعطي فيه المدينة ظهرها للبحر (أي نعم للبحر!) وتبدأ في تشييد المولات المحاطة بالرمال حيث لا يصل إلا أصحاب السيارات ليتجولوا بين محلات العود والعنبر والعباءات ثم يدخنوا الشيشة بنكهة الأناناس.

مع هذا التفريغ العنيد للبلد، تمددت الممارسة الدينية، ليس بقوتها الذاتية فحسب، وإنما بقوة الفراغ من حولها، الفراغ الذي يبحث فيزيائيا وفكريا عن الامتلاء. من أكثر المشاهد التي كانت تفاجئني في كل عودة إلى مدينة صباي وأحلامي، المساحة التي كان يفقدها الشارع الذي يقع فيه مسكني لصالح الصلاة. عاماً بعد آخر كنت أسجل من غرفتي في الطابق السادس التمدد وهو يتعين أمام ناظريّ بلا أي فلسفة. كان المشهد الأخير تسجيلاً لخسارتي النهائية رهانا تخيلته مع نفسي في عام سابق: لقد وصلت صفوف المصلين كأسنان المشط إلى مكتبة الإسكندرية.

ولم تعد نافذتي ترى أبعد من ذلك.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية