أ. د. علي الهيل’بنظرة سريعة لمجتمعات العالم العربي وبدرجات متفاوتة، يُلاحظ أنَّ ثمة تجاهلا للطفل العربي، أنثى كان أم ذكراً، رغم الشعارات الطنانة والخطب الرنانة. ولعل بعض سمات التجاهل تكمن في احتقار مواطنيته، فنحن إن تغاضينا عن الدول العربية غير الغنية ـ وإن كان هذا ليس مبرراً ـ فإن الطفل الخليجي في الدول الغنية الخليجية باستثناء دولتين – على ما أظنُّ – ينشأ وليس له راتب شهري، وهو بمثابة حصته المفترضة من الثروة، ولا يُعطى خيارات لتحديد شكل تعليمه، أسوة بأبناء الأجانب المصنَّفين بذوي الأعمال الماهرة والتخصصية. فالطفل الخليجي يصرف عليه والداه في سنوات ما قبل المرحلة الإبتدائية، من حضانة وروضة، في حين أن الدولة أو القطاع الخاص تدفع مصاريف أبناء مستقدميهم الأجانب، كما تمنحهم حق اختيار نمط التعليم وسط خيارات متنوعة، حكوميا أم أهليا أم خاصا. وبما أن المصاريف على حساب جهة العمل، فإن الأجانب يُدرسون أبناءهم لحد ثلاثة أو أربعة أطفال في المدارس الخاصة والأغلى وذات السمعة العالمية. في حين أن الطفل الخليجي ليس أمامه سوى المدارس الحكومية المجانية المعروفة بتدني معاييرها مقارنة بالخاصة، وإذا أراد أبواهُ أن يُدخلوهُ إلى إحدى تلك المدارس الخاصة، من (ذوات الدم الحار) فعليهما أن يدفعا من جيبيهما ضريبة، كونهم جميعا مواطنين خليجيين، وعليه فإن الإحساس بالدونية والانتقاص خصيصتان تلازمان نشأة الطفل الخليجي، عندما يكبر.
فكيف وأين لهذا الطفل أن يكوِّنَ ولاءً لحكومة بلده، وإن بدا شيءٌ من الولاء فهو شكلي وبروتوكولي، ونتيجة للخوف من بطش النظام أحياناً. فإنَّ ذاك الطفل الذي كان هو الذي انفجر في شوارع الرياض والبحرين والأردن وتونس والجزائر مؤخراً، بعد أن شب عن الطوق محروما من مشاركته في ثروة أرضه وبحره والقادم أكثر والحبل على الجرار. لأن لا بد للمكبوت من فيضان، وحتما سيفيض المكبوت بأثر رجعي، ومن ذا يعاتبُ مشنوقاً إذا اضطربا، وهذا نتيجة حتمية للقانون الفيزيو كيميائي للإنسان أينما كان وحيثما حلَّ، كما هو ناموس الكون كله.
لقد ثار الكثير من النقاش في العالم العربي على إثر الثورات القوقازية البرتقالية والبنفسجية، وأُخر مختلفٌ ألوانُها وغرابيبُ سود في الصومال، وفي أمريكا اللاتينية وتايلند وآسيا بجهاتها الأربع، وأوروبا بغربها وشرقها، حول لماذا تأخر الجياع العرب ولماذا لما يزل الجوع العربي في خندق المهادنة والمداهنة وفي خانة الدفاع، ولماذا لا يهاجم الجوع العربي؟ ويبدو أن الجياع العرب وعوا أخيراً – أو وصلتهم متأخرةً – صرخة مظفر النواب المدوية: ‘ما أقبح الفقر حين يدافع يا أيها الفقر هاجم’. ومخطئ من يظن أن الذي حرك الطفل الذي كان هو الجوع والبطالة وغلاء الأسعار فحسب، وإنما ما جعلهم ينفجرون كالبراكين والحمم النارية، هو انعدام توزيع الثروة، واستئثار الأقلية الحاكمة بالحديد والنار بها. فمن ذا يصدق أن بلدا مثل السعودية يصدر اثني عشر مليون برميل من النفط يوميا فيه مواطنون ذوو درجات علمية عالية لا يجدون فرصة عمل، ومواطنون يقطنون بيوتا من الصفيح، وعلى طول الخطوط البرية لا تكاد تجد استراحة ولا دورات مياه تليق بالاستعمال الآدمي. ومن ذا يصدق أن بلدا مثل الجزائر لديه سلة من العملات الصعبة تُقدر بمئة وخمسين مليار دولار، تعاني من معدل بطالة يصل إلى العشرين في المئة، وأن متوسط الدخل هو مئة وعشرون يورو. يقول صديق من إحدى الدول الخليجية: قبل عصر التلفاز الفضائي كان رئيس الدولة، التي هو فيها، يذل من يُفترضُ أنهم مواطنوهُ بظهوره على شاشة التلفزيون الرسمي، طبعاً كلما أنهت حكومته مشروعا ما، ويقول لهم عملنا لكم كذا وكذا، ويواصل الصديق وبعد أن دخل علينا التلفزيون الفضائي اكتشفنا أن بلداً مثل بنغلاديش، وهو احد أفقر دول العالم فيه عدد من الجامعات أضعاف ما عندنا، ونحن يُفترض أن نكون دولة نفطية كبرى، وعندها أدركنا زيف حكومتنا.
ومن ذا يصدق أن بلدا مثل تونس الذي تبدو (إنجازاته عملاقة وبراقة على شاشة التلفاز فقط لا غير، وكذا الإنجازات الجبارة لمعظم الحكومات العربية على شاشات التلفزة تكذبها مرارة الواقع) والذي لم يسمح قطُّ لأحد سوى لإعلامه بالتحرك، وتدر عليه السياحة دخلاً يقدر بأربعة مليارات دولار سنويا، إضافة إلى مصادر موارد أخرى كالزراعة، أن يصل مواطنوه إلى حد الانتحار فقط لأن حكومتهم لم توفر لهم فرصة عمل، وعندما انتفضوا تعجبت الزمرة الحاكمة فأمرت عسكرها بقتل من يُفترض أن يكونوا مواطنيها. الحكومة تقتل المواطنين. وكما يقول المثل الشعبي وهو خلاصة تجارب الأجداد: إذا أراد اللهُ زوالَ النملة، ركّبَ لها جناحات’. وفعلا كانت (الجناحات) هي الهواتف الجوالة التي نقلت للعالم الخارجي بالصوت والصورة ما يحدث من داخل تونس، وهو غيْضٌ من فيض، والخافي أعظم. وهذا إنذار للحكومات العربية المستأثرة بالسلطة والثروة بأن الشمس لا يمكن تغطيتها بغربال. لا شك أن الإعلام إلى – حد ما – هو أحد آليات التجاهل المشار إليه في صدر المقال، فهو مملوك للنظام العربي الرسمي، إما مباشرة وإما بصورة غير مباشرة، من خلال أشخاص أو مجموعات تشترك في الأهداف والغايات ذاتها مع النظام الرسمي، وتُمول في حالة العجز المالي من قبله، وإن غُلفَ بعبارة مستقل وحر. فهو لا يلعب دور المرآة العاكسة للمجتمع، لأنه لا يعكس بقدر ما يشوش ويضلل. ذكر لي صديق من أسرة حاكمة في الخليج من القريبين من نبض الشارع في بلده، أن التلفزيونات التابعة لبلده، التي تبث من بلدان اللجوء، عرضت لقطة لرئيس الدولة وهو يلاعب طفلا، والمذيع يعلق بقوله: ما أحلى هذا التواضع الجم، يداعب ابن أحد المواطنين. ويكمل الصديق بأن الطفل كان أحد أحفاده ولم يكن طفلا لأحد المواطنين. وهو خداع وغش يمارسه الإعلام الرسمي للضحك على الذقون. ‘ كاتب قطري