سوريا: من القهر إلى الحرية

تعم الفرحة في قلوب كل السوريين الذين عانوا الهول في زمن حافظ الأسد وابنه بشار، الذي فر هارباً. كثيرون كتبوا (كأننا في حلم) ذلك أن مصطلح (إلى الأبد) ترسخ في عقول الكثير من السوريين. القائد الخالد، القائد المُفدى. كثيرون كانوا صامتين لكن أتتهم الفرصة الآن بعد تحرير سوريا من استبداد عائلة الأسد أن يُعبروا عن فرحهم، عن معجزة طالما انتظروها، حتى بعض الموالين المُنتفعين الذين كانوا يقولون (ما البديل لبشار الأسد؟) وأن الدولة السورية ستدخل في فوضى، فبشار الأسد يحمي البلد من الإرهابيين السلفيين المتشددين.
الآن كل السوريين ينظرون إلى حياتهم في ظل حكم قاتل شعبه بشار الأسد وقبله والده، يؤلمهم كم أهدروا حياتهم في الخوف والفساد، نظام الأسد يكره الشعب والأرض.. عاث خراباً في بيوت أثرية عظيمة في اللاذقية، وغيرها من المدن، شوه مصايف ساحرة ككسب وصلنفة بقطع الأشجار والغابات، وإقامة مبانٍ عملاقة من الإسمنت. جريمة تبليط البحر لا تزال جرحاً لا يلتئم في نفوس السوريين. وكي يبدأ السوريون صفحة جديدة من حياة الكرامة والحرية والفرح، لا بد أن لا ينسوا الهول والكذب الذي كانوا يعيشون فيه. ولأنني ابنه اللاذقية التي كان يعتبرها النظام موالية بالمطلق له، الجميع كانوا يمرون من أمام التمثال العملاق لحافظ الأسد في ساحة الشيخ ضاهر، وعلى الجدار المقابل للتمثال نعوات شباب سوريين بعمر الورود ماتوا تحت التعذيب في فروع الأمن، لمجرد أنهم كتبوا على صفحاتهم على فيسبوك كلمات تدعو للحرية والكرامة، وغالباً لم يكن الأهل يعرفون أين أولادهم، وكان النظام يساوم الأهل حول تسليم جثث أبنائهم، رغم علامات التعذيب المُروعة التي تعرض لها شباب الحرية (لدرجة أن بعض الأهالي لم يتعرفوا على أولادهم من شدة التعذيب) كان النظام يُخير الأهل أن يوقعوا على ورقة بأن ابنهم مات بسكتة قلبية، وإن لم يوقعوا فلا تسليم للجثة.
نظام الفساد الذي اعتمد عليه الأسد الأب والابن، كانوا يبتزون الناس والتجار، ولا يُمكن أن تسير معاملة في دوائر الدولة دون رشاوى. لكنني أحب أن أنوه إلى دور بعض المثقفين السوريين، سواء في الداخل أو الخارج، إحدى الكاتبات قالت صراحة: إنها رأت حافظ الأسد في منامها يقول لها: اكتبي، قالت هذا الكلام أمام وفد من الكتاب الأردنيين الذين كانوا في زيارة إلى اللاذقية، وثمة شاعرة كتبت قصيدة تمجيد بأسماء الأسد، وكل المحاضرات في اتحاد الكتاب العرب كانت من نوع (كيف نقول لا لأمريكا) أو (الغزو والتطبيع الثقافي) وكل من يكتب عن معاناة الشعب السوري يعتبره الموالون خائنا وعميلا، لكن أي صمت مهين ومخز حين تمشي في شوارع اللاذقية (مثلاً) وتقرأ لافتات عديدة (إنه الأسد أيها الحمقى!!!).
هؤلاء الحمقى اضطروا خوفاً لانتخابك كي يأمنوا أذاك وأذى شبيحتك، أو عبارة (حين تصل رؤوس القادة إلى نعل حذائك فهو شرف لهم). المحاضرة التي ألقيت في اللاذقية في زمن حافظ الأسد كان عنوانها (المرأة في فكر حافظ الأسد) وتجند مثقفون مدللون للكلام عن عبقرية القائد المُفدى وتقديره للمرأة. كانت أقوال حافظ الأسد مُقدسة وفي إحدى السنوات الدراسية وفي فحص الشهادة الإعدادية (البروفيه) كان أحد الأسئلة: ما أقوال حافظ الأسد في التدخين! وله قول عبقري (إنني أرى في الرياضة حياة). وكانت صور الأب ثم الابن في كل الأماكن من مدارس إلى جامعات إلى مشافٍ، حتى في غرف العمليات في المشفى الوطني كانت صور بشار الأسد تحدق بالطبيب الجراح، الحمد لله أن الجراح كان يتمكن من إجراء العملية.

بلغت الوقاحة في الكذب والاستهتار بالناس منذ بداية الثورة السورية، وكنت ما أزال أعمل طبيبة عيون في المشفى الوطني حيث أمر مدير الصحة، ومدير المشفى كل العاملين في المشفى الوطني من ممرضات وأطباء إلى التجمع في ساحة المشفى الوطني، وتوقف الجميع عن العمل وتجمعوا في ساحة المشفى الوطني، وكان هناك كيس كبير جداً مكتوب عليه بالأحمر العريض (قناة الجزيرة) وطلب المدير من الآذن أن يمزق الكيس فتدفقت منه أطنان من (حبوب الهلوسة) التي أرسلتها «قناة الجزيرة» إلى المشفى الوطني في اللاذقية، ثم أمروا الأذنة بصب البنزين على حبوب الهلوسة وحرقها. تمثيلية لا تخطر ببال غارسيا ماركيز. ومن يجرؤ أن يسأل: ما غاية قناة الجزيرة أن تُرسل حبوب هلوسة للمشفى الوطني، ومن استلم هذه الحبوب؟ وفي كل مناسبة كالحركة التصحيحية وغيرها كنا ننطلق في مسيرات مؤيدة، وكان كتبة التقارير جاهزون ليكتبوا اسم أي طبيب أو ممرضة يهربان، وذات مرة اضطررنا لإعادة المسيرة، لأن الطقس في اللاذقية كان سيئا، ولم ينجح التلفزيون في التصوير. كانت الاحتفالات بالحركة التصحيحية في ساحة المشفى الوطني (الذي تحول إلى مشفى من رخام بعد سرقة الخشب الممتاز للأبواب والنواف ) كان حشد من العاملين في المشفى الوطني يتجمعون في الساحة، وكان هناك طبل عملاق يضرب عليه بجنون شاب وكان الممرضات والأطباء والمديرون وقائد الشرطة يشاركون في الدبكة ( رقصات الولاء الإلزامية ) كما سماها ماوتسي تونغ، ولتكتمل المهزلة كان بعض المرضى (منهم مرضى القلب) ونساء حديثات الولادة يُشاركون في الدبكة بالبجامات المهترئة، من حظهم أن المصابين بأمراض القلب لم يموتوا بالسكتة، وأن النساء حديثات الولادة لم تهبط أرحامهن.
وكم هو مؤسف ومُخز أن بعض المسيحيين الموالين (خوفاً على الأغلب) كانوا يقولون: الحمد لله الرئيس بشار الأسد يسمح لنا بالصلاة في الكنائس، وبممارسة شعائرنا الدينية! كأن هذه هي مأساة سوريا، لأن النظام نجح إلى حد كبير في تخويف كل الطوائف من الإسلاميين السلفيين، وأن سوريا إذا حكمها المسلمون ستصير قندهار أو أفغانستان.
عانى السوريون الويلات في زمن حكم الأسد (الأب والابن) السجون امتلأت بسجناء الرأي كانوا شباباً جامعيين متحمسين للحرية ويؤمنون بالعدالة، بعضهم سُجن من 14 إلى 20 سنة، والكثير منهم تم إعدامهم، وكان أسرة المُعتقل تدفع رشاوى باهظة لضباط فاسدين كي يؤمنون لهم زيارة الأحبة. الخوف هو الموت الحقيقي، هو عدو الحياة، لأن الموت الفيزيولوجي مصير كل كائن حي.
المجد لسوريا، المجد للحرية والعدالة. وأتمنى أن تتحقق العدالة ويُحاسب بشار الأسد وكل الفاسدين.

 كاتبة سورية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية