ارتفعت الأصوات المدوية مع انطلاقة الانتفاضة السورية حاسمة مطلبها باستعادة الحرية والكرامة. نعم الحرية والكرامة، بكل ما تختزنه هاتان الكلمتان من معان عظيمة، بما يعني الإحساسي الداخلي للمواطن السوري بالذل والمهانة. ذل ومهانة بكل شيء، بالقائد للأبد، بسحب الجماهير من مراكز عملها، والطلاب من المدارس والعمال من المعامل وكل موظفي مؤسسات الدولة، سحب هؤلاء كلهم للهتاف باسم القائد المؤبد وحبه وتقديسه، للتمجيد بكرامته وحسناته تحت طائلة العقوبة. كان الخوف المعمم يترصد الكل. خوف من الجهاز الأمني المتغول، الذي فتك بالمجتمع، وحوله لقطيع. والمواطن الأعزل يحارب بالهمس ويتذمر بالعيون والغمزات، ويحاسب نفسه كل يوم ألف مرة كي لا يتهور، أو يحنق على كل ما يحيط به، من فاتورة الكهرباء، للمياه للغلاء للعطالة للقرف من التشدق اليومي بالصمود والممانعة، من الإعلام وتبجحه، من الجبهة الوطنية وسخافتها، من الحزب القائد وكذبه ودجله، من التلفزيون وأخباره المعلبة والمقولبة، من الأمن وادواته المنتشرة في كل حي، ومن حيطان البيوت التي كانت لها آذان. جاءت الانتفاضة السورية كرد على صمت المواطن المزمن وغياب رأيه وتغييبه عن كل شيء يمس يومه ومستقبله، وكجواب على السؤال الموجع الذي كان يردده المواطن في سره، ما هو الشيء النظيف بهذا الوطن المعمم بالفساد المسيج بالقمع والمحاط بالكذب والدجل.
هذا هو الوضع ببلد اسمه سورية ما قبل الانتفاضة. هذا هو الوضع منذ هزيمة حزيران. هزيمة الإنسان بهذا الوطن قائمة ومؤبدة، فلا أرض تحررت، ولا إنسان تنفس الهواء. أجيال خمسة جاؤوا وهرموا وهم تحت حالة الطوارئ، الأمن والمخابرات وأجهزتهما، يقرران مصير الوطن والمواطن. الوطن مزرعة للسلب والنهب والسرقة، والمواطن قن، له فم يأكل وليس له لسان ينطق وان نطق، فهي كبيرة الكبائر، ويمكن أن تكون الأخيرة، لأن ما ينتظره على أيدي هذه الأجهزة شيء فوق التصور، وعذاب لم يمر ببال الروائيين والكتاب بعد.
هذا الوضع المأساوي البغيض الكريه يعرفه كل السوريين، ويعيه الوطنيون. هؤلاء الذين خبروا المزة، وكركون الشيخ حسن، وتدمر وصيدنايا، وأقبية فروع المخابرات المختلفة، حيث يقال، الداخل مفقود والخارج مولود، ، فمنذ السبعينيات لم تجر محاكمة سجين رأي إلا أمام محكمة أمن الدولة العسكرية وأحكامها المهزلة. كان السجين السياسي يدخل المعتقل وهيهات أن يعرف أين هو وفي أي فرع محتجز، وهيهات ان يخرج. حالة من العصاب والمزاجية تحكم نفوسا ومواطنين أحرارا، جراء تذمرهم ونقدهم للسياسة السلطوية. لا اعرف أحدا ينكر هذا الواقع، المواطن متهم حتى تثبت براءته، وبراءته بيد الأجهزة الأمنية، وبين المواطن والأجهزة سد وحائط من الرعب والابتزاز.
وكي ننصف سبر هذا الواقع السوري، نتهم السلطة أيضا بتوريثنا، احتقانات وأمراضا أهمها زعزعته لوحدة المجتمع السوري، فهي المسؤولة أولا وأخيراً عن اللعب بملف الوحدة الوطنية، من خلال فتكها بالمجتمع، وتهربها من فتح ملفات كل الأزمات التي مرت بها سورية وتجاهل العقل السوري الذي طالبت بعض نخبه في أكثر من مرة وكتبت أكثر من مبادرة، لمعالجة التشويهات التي اعترت الجسد السوري. خرج العديد من المبادرات الوطنية التي كان جوهرها التغيير الهادئ والسلمي، وقد دعت الى تمدين وتحديث مؤسسات الدولة، وضخ دماء التغيير والحرية بها، سعيا منها لتأمين مواكبة سورية للعصر ومتغيراته، كي تتم معالجة كل قضايانا الاجتماعية والوطنية، بعيدا عن كل المشاريع المطروحة بالمنطقة كي تحصن وحدتنا الوطنية أمام كل هذه العواصف. وقوبلت هذه المبادرات بالقمع والسجن والسحق وكم الأفواه، والشواهد هنا كثيرة والأسماء معروفة للقاصي والداني. والأمثلة كثيرة على الرعونة والحماقة والاستخفاف الذي تعاملت وما زالت تتعامل به هذه السلطة مع هموم المواطن وعقله وإحساسه.
أدرك الشعب السوري كما قواه الوطنية التي قزمها القمع والسحق، ان مجمل الأوراق التي يبتزه بها النظام، وبنفس الوقت يبتز بها محيطه، هذه الأوراق على أهميتها وضرورتها، جعلها النظام بقرة حلوبا له، لاستثماراته واستقرار حكمه وسلطته. إلا أن أخطر هذه الأوراق تبقى الورقة الداخلية وزعزعة وحدة الشعب الوطنية، حيث لم تسع السلطة وعن سابق إصرار للتصالح مع المجتمع وترميم ما خلفه الصراع الدموي الفاشي الذي حصل في ثمانينيات القرن الفائت والذي استثمرته على مدى السنوات الماضية لسحق الحياة السياسية بالكامل، ولتعميم الرعب والفتك بالمجتمع، وتعزيز بنى الفساد والتطاول على كل شيء بهذا الوطن، ولإفساد الحياة العامة، ولتنويع الاستفراد بثروات الوطن وبإنسانه.
هذه الورقة الداخلية، التي ابقت على الشرخ في خاصرة الوطن من دون اي معالجة، والتي استبقاها النظام كي يشهرها بوجه كل احتجاج، ولقمع كل مطلب باتجاه إعادة الحياة الدستورية للبلد، ومعالجة قضية المواطنة التعبير الأساسي الذي يحدد المشاركة بالحياة العامة من خلال حرية حقوقه وانضباط واجباته، وحماية القانون لهذه المبادئ.
وها هو النظام اليوم يحرك هذه الورقة آملاً من خلالها ترويعنا وتعطيل اي حراك يدعو للتغيير. اليوم والنظام يلوح وبكل صفاقة ووقاحة بورقة صراع داخلي، هو يغذي ناره ويشعل فتنته، نرقب اطلالة بعض المثقفين والكتاب والنخب، التي كنا نكن لها الاحترام ونتوسم فيها طليعة بالوقوف على همومنا ومصالحنا والتصدي من أجل الدفاع عنها، نجدها ويا للأسف، ويا للصدمة تتبنى وتدعم منطق السلطة وتتبجح بمقولات التهديد السلفي والقوى المسلحة. انتقلت بطرحها بعيداُ عن الحراك الشعبي، بل نجدها تترفع على دماء الشارع وتكيل الاتهام وتكرر افتراءات النظام وتقدمها لنا كحقائق مثبتة عبر قنوات النظام الفضائية المضحكة المقرفة. رغم أننا نقر ونعترف، بأن ما في سورية اليوم من حراك شعبي ليس معقماً بالكحول، وهو ليس مفصلا على مقاس نظريات وأحلام بعض هذه النخب.
نحن شعب تعرض للذل والإهانة، هكذا وبكل بساطة ومن دون تنظير، وها هو ينتفض. فمن أراد الالتحاق بالحراك، فالشارع وقلوبنا ستسعه، ومن يرغب فحضن السلطة قد يضمه، له ما يريد، وغير مأسوف عليه!! فالشارع يهتف ويقول، نحن هنا وشعاراتنا وتحركاتنا تنشد مستقبل سورية حرة وكريمة، هكذا نحن، أنتم ماذا تريدون، لماذا علينا ان نخمد ونسكت بعد طول انتظار، لماذا يطالب أحدكم النظام بسحقنا، من يضمن ايها المثقفون اذا انخمدنا ورجعنا لبيوتنا، أن يزول هذا الاحتقان ‘المفتعل من النظام وادواته’ ويقضي على السلفية والأصولية والطائفية، هل تراهنون على النظام المستفيد الأول وصاحب المصلحة الأساسية بإدامة وتأبيد هذا الوضع.. أجيبونا.
مؤسف ومحزن جداً ان نمحي من ذاكرتنا وننظف مكتباتنا من بعض هذه الأسماء التي كانت تشكل منهل ثقافتنا ومرجعية ذاكرتنا.. فالأحداث والمواقف لها تاريخ ونحن نعلم ان ما يحصل اليوم سنتحدث حوله سنوات وسنوات. وقليلون هم الذين سيرسمون ويخطون على صفحته خطاهم ومواقفهم وكثر من ستسقط أسماؤهم من تلك الصفحة، يا حيف على بعض مثقفي بلادي سورية.
فادية فودة[email protected]