يا متطرفي العالم اتحدوا: من سوق القوميات إلى دبلوماسية «الردح» وقلق الهوية الجندرية

لو قدر التأريخ للجدل لأفرد للرئيس الأمريكي المنصب منذ ساعات فصلا كاملا. من بين تفاسير كثيرة لديانة «التريند» الجديدة يرى مراقبون أن الرجل غير قدر الـ«سوشيال ميديا»، باستعمالها المكثف والمتناقض خلال عهدته الأولى، ما تسبب في إثارة الذعر، ظهور ما اصطلح عليه البعض بـ»الفوضوية اليمينية»، بعد اقتحام الكابيتول، كما ديمقراطية الجدل. ولأن الرجل «نموذج» على الطريقة الأمريكية و(على رأي أحمد بدير في مسرحية «على الرصيف») فها هو يكسر تقليدا سياسيا أمريكيا – لن يكون الأخير- بدعوة رسميين من دول مختلفة يقاسمونه الميول السياسي، والمواقف المتطرفة كجورجيا ميلوني، رئيسة وزراء إيطاليا، وخافيير مايلي الرئيس الأرجنتيني، وحتى غير رسميين كـ»إيريك زمور» الكاتب والسياسي المتطرف الفرنسي.
تتويج يحبس الأنفاس، ويوقع حتى أكثر السياسيين في العالم في وحل الشعبوية. عربيا، ينقسم رواد الـ«سوشيال ميديا» بين مشككين في نوايا الرجل، خصوصا وأن كثيرا منهم يرون فيه صاحب الفضل في إيقاف حمام الدم في غزة، في حين يتساءلون عن الأيام التالية، خصوصا وأن خطاب الرجل الواثق لا يكاد ينطق غير الوعيد والتحرش.

سوق «نيف» قومي:

يتردد الأنف في التاريخ العربي عامة كرمز للعزة و«الأنفة»، ربما لأنه «أبرز» نقطة في وجه الإنسان، ويتردد «النيف» (أنف باللهجة الجزائرية) كأسطورة شعبية في الجزائر، تتندر عليها النخبة لما تجني من تهور وعنتريات عفا عنها الزمن، في حين يعتنقها الأكثر شعبوية.
في تونس رغم استمرار أزمة الغاز وامتدادها، بالإضافة لحالة القلق التي استولت على التونسيين نظير انتشار الأنفلونزا الموسمية، لكن بدا لـ«السوشيال ميديا» شواغل أخرى. «سينفارا، أحلام، لبلايلي» كانت الوسوم الأكثر ارتفاعا في سوق التريندات. أما «سنفارا» فهو مغني راب، وأما أحلام فهي زوجته، ممثلة ومؤثرة تونسية، وأما «لبلايلي» فهو لاعب كرة قدم جزائري، والثلاثة معروفون بإثارتهم للجدل المتواصل. بدأت القضية حسب ما تداولته مواقع التواصل الاجتماعي بمحاولة تحرش من الطرف الجزائري بزوجة المغني التونسي لتنتهي بعراك، سرعان ما تحول لفقرة «تلاسن»، وفرصة للأطراف المعنية لتسلق أسهم بورصة الفضائح المغاربية. «حرب البسوس»، «دول إفريقية تعيسة»، «دعونا من الفتنة، نحن بلد واحد» كانت أكثر التعليقات حكمة. معتنقو نظرية المؤامرة توقعوا «دسيسة» أخرى ضد «نادي الترجي» لإفقاد «جوهرتهم» الجزائرية تركيزه قبل لقاء مهم. لم يكن أكثر المتفاعلين ذكورية ليفلتوا هكذا قضية مطالبين المغني التونسي بإحكام «الشكيمة». اصطف عنصريو البلدين إلى جانب ضد آخر، حسب القومية والحدود، مستخرجين سجل اللاعب الجزائري كثير المشاكل، في الوقت الذي كرر كثر أن «على المغني التونسي ما يستحق».

دبلوماسية «الردح» الافتراضي

من المعروف أن للأعراف الديبلوماسية الدولية تقاليد، قد تتنوع مناهلها الثقافية والتاريخية، ولكن ما يحدث في الأزمة الأخيرة بين الجزائر وفرنسا تجاوز سقفها حد المتوقع، والمقبول بالنسبة لمتابعين كثر. ليست هذه المرة الأولى التي تتصدر فيها الجزائر أخبار السياسية في فرنسا (ولن تكون الأخيرة)، لكن يبدو «تيمن» الشارع الفرنسي الذي تأكد خلال التشريعيات المفاجئة للصيف الماضي قد فتح شهية الطبقة السياسية الفرنسية، التي يرى كل ذي لاعب فيها نفسه «نابليون مبتور السيف» القادم، مستلهمين خطاب أقصى اليمين، الذي بنى تاريخه على العنصرية وتركة الذاكرة الثقيلة سيما الجزائرية منها.
الغريب هو الاستغلال والتوظيف غير المسبوق لوسائل التواصل الاجتماعي من طرف السياسيين الفرنسيين خصوصا، بخطاب يفتقر كثيرا إلى الدقة، الموضوعية ويخلف تهويلا، وتأويلات تعمق الهوة بين البلدين. التلويح بمنع التأشيرات، فض «معاهدة 1968»، وتوقيف «الإعانات التنموية» عن الجزائر، أكثر الأفكار التي سرعان ما تتلقفها الـ»سوشيال ميديا»، ومريدو بعض التيارات الافتراضيون. هكذا تحولت الجزائر بموجبهم إلى «البلد الذي يعتاش على المساعدات الفرنسية»، «مرغ أنف فرنسا في التراب»، وغيرها من الجمل التي تحولت إلى «تمائم». على النقيض بدا الحنق وقد استولى على الأكثر انغماسا في مشكلات المهاجرين ضد «مراهقة طبقة سياسية»، «يريدون حربا أهلية» في إشارة إلى العدد الكبير من مزدوجي الجنسية، والمقيمين الدائمين في البلد من الجزائريين، «يغطون على مشاكلنا الحقيقية» في الإشارة إلى حالة الانسداد حول الميزانية وقانون التقاعد المثير للجدل، كما تهديدات الحجب على الحكومة الوليدة.
عكس السياسيين الفرنسيين، بدا الجانب الجزائري أكثر تأنيا في ردود فعله، وأقل انخراطا في وصلة «الردح» على الـ«سوشيال ميديا»، كما أقل استغلالا لها (وإن تحولت القنوات الرسمية لأبواق دعاية مضادة)، في حين نابت جحافل المتفاعلين من رواد مواقع التواصل الاجتماعي عنها: «نحن بلد ذو سيادة»، «لفظتكم افريقيا كلها»، «تتخبطون في مشاكلكم وتريدون حلها على حسابنا»، «علينا بقطيعة مع البراديغم الفرنسي» ذهبت أكثر الردود عمقا، في حالة غضب جماعية وانخراط توافقي نادر بين المتفاعلين الافتراضيين.

قلق الهوية الجندرية

في المغرب تتحول وسائل التواصل الاجتماعي إلى حلبة جدل بدورها. منذ أسبوع يسيطر تريند «نوفل موسى» على أهل المملكة المغربية. و«نوفل موسى» هو مؤثر شهير على مواقع التواصل الاجتماعي، محبوب، تجاوزت شهرته حدود المغرب في «شخصية صوفيا طالوني»، السيدة المغربية التي تعيش في تركيا. لكن «صوفيا» لم تكن مجرد شخصية، بل حياة اعتنقها الشاب المغربي، الذي عاش كمتحول جنسي في تركيا لسنوات طويلة، نال بها ويومياتها وحكاياتها شهرة واسعة في المغرب العربي عامة. من أيام خرج الشاب على جمهوره بإعلانه «توبته» وعودته إلى «الفطرة» التي ولد عليها، مطالبا الجماهير بنسيان ماضيه والتفاعل معه في شخصيته الحقيقية، ما حوله إلى مادة لتريند شغل المغاربة، خصوصا بعد الاستقبال، الذي حظي به، متخلصا من «معالم» أنوثة اصطناعية اعتنقها طويلا. انقسم رواد مواقع التواصل الاجتماعي، بل تخاصموا حول خرجة الرجل، منهم من سأل له «توبة نصوحا»، «الله غفور رحيم»، «هو جميل حتى في هيئته الرجالية»، «الله يهديه». أكثر المشككين وجدوا في الأمر خدعة، مجرد «بحث عن الشهرة»، «يستحيل أن يعود لهيئته التي ولد عليها»، «أحلام العصر»، «علينا مقاطعة التفاهة والتافهين».
تطرح مسألة «موسى» القضية حول المسألة الجندرية في العالم العربي عموما وفي المغرب العربي تحديدا، حيث يتحول كثر إلى مشاهير ومؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي، يحظون بمتابعة وتقبل افتراضي على الأقل، لا تعكس دائما مقبوليتهم الشعبية وتعايشهم داخل مجتمعاتهم، أو ربما تعبر عن حالة تحول في التعاطي مع مسائل الهوية الجنسية في المنطقة وحده الزمن ومقاربة علمية دقيقة للظاهرة ستؤكدها أو تنفيها.

٭ كاتبة من الجزائر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية